د.زهير السراج * اعرف ان محجوب شريف لم يكن يحب الاضواء، بل كان يهرب منها كلما سعت إليه .. ولكن تخيلوا انه قرأ قبل أن يرحل كل كلمة حب كتبت عنه بعد رحيله ؟!

* محجوب كان شديد البساطة، وشديد الحساسية، وهو ما جعله صاحب قلب رقيق وحس مرهف، كما صنع منه محجوب الذى يكره الظلم كراهية التحريم، ولم يكن ذلك وليد الصدفة، وانما من قيم الوفاء والإخلاص والأمانة التى  تربى عليها وعبّر عنها فى الكثير من قصائده، ليس إفتخارا بنفسه، ولكن للحث والتحريض، خاصة أنه كان يركز فى خطابه على الأطفال والشباب والأجيال الجديدة، على ضرورة التمسك بهذه القيم باعتبارها الحصن الحصين ضد الظلم والخيانة ونكران الجميل وكل الصفات الذميمة، وهنالك الكثير من النماذج فى شعره الغزير التى يمكن ان ندلل بها على ذلك وعلى سبيل المثال قصيدته (يا والدة يا مريم) التى يناجى فيها والدته ( مريم) ويشكرها على ما غرسته فيه من قيم نبيلة صنعت منه شخصية بسيطة محبة للخير وكارهة للشر وناقدة للظلم وفيها يلخص بلغة بسيطة وجزلة ومفردات سهلة يفهمها الجميع هذه القيم بقوله “مانى الوليد العايق ** لا خنت لا سراق” !!

 

* ومن آخر قصائده وهو على فراش الموت، نكتشف بسهولة مدى عمق العلاقة بين محجوب وتلك القيم التى وقرت فى قلبه وصدقها العمل، ولم تكن له  مجرد قصائد او شعارات يلهب بها المشاعر ويثير العواطف، وانما بيان بالعمل الصادق .. ويظهر ذلك بوضوح شديد فى قصيدته الى زوجته (اميرة) التى يقول فى جزء منها   

ما استفزتني .. ما استفزيتا
كم تشاجرنا
مين سمع صوتنا؟
ولا غَلَط مَـــرّه .. إيدي مديتا
زعلتَ رضَّــتني
برضو رضّـــيتا

 

* لا اقول هذا الحديث اعتمادا على القصيدة فقط أو شهادات الناس، فقد كنتُ صديقا للراحل الكريم، وزرته كثيرا فى بيته فى السودان وفى مكان اقامته خارج السودان (فى لندن عندما ذهب للعلاج ) ولمست مدى الحب والاحترام اللذين يجمعان الراحل بكل من حوله من الناس وعلى رأسهم رفيقة دربه أميرة، وبناته واصهاره (عائلة الجزولى)، بل وحتى الذين لم تكن تجمعهم به سوى المعرفة العامة.

 

* اميرة لم تكن له زوجة فقط، بل كانت زوجة وأم وأخت وابنة وصديقة وزميلة كفاح طويل، ورفيقة درب وعر رصفته الأشواك .. ولو كانت أميرة إمرأة عادية، أو كان محجوب رجلا عاديا لافترقا منذ الوهلة الأولى بسبب طبيعة الظروف القاسية وسنوات الاعتقال والتشرد والاختفاء الطويلة التى عاشها محجوب.

 

* أذكر اننى سهرت معه فى منزله قبل عامين عند عودتى الى السودان من المنفى الاختيارى الذى اخترته نأيا بنفسى وأسرتى عن أجواء الخرطوم التى فسدت باغتصاب الاخوان المسلمين للسلطة، وكان محجوب طيلة الجلسة ينادى على (أميرة) التى كانت مشغولة فى امر ما حتى تحضر وتتسامر معنا، ولم يهدأ له بال إلا عندما حضرت وتوسطت الجلسة .. !!

 

* كذلك كانت علاقته ببناته وحفيده، ولقد غرس فيهم محجوب كل ما تربى عليه من قيم فاضلة، وكان شديد الاهتمام بتوارث هذه القيم جيلا عن جيل، ولو تناولنا قصيدته فى ايامه الأخيرة الى حفيده (حميد) لوجدناه شديد الحرص على هذه القيم وتوارثها بين الأجيال:

حِــبرك ضوَّاي
تملا‌ اﻷ‌وراق
ماكا الحدَّاث الما سَــوَّاي
بل كلك زوقْ
عندك أخلا‌قْ
بتلم الناسْ
قط ما فَــرَّاق
بتبـرالوالدين وتسد الدين

 

* ثم قصيدته التى يشكر فيها الشعب السودانى التى تنضح بالوفاء والعرفان وأهمية التعبير عن المشاعر وإظهار المحبة التى لا تقل أهمية، ان لم تكن أهم، من المحبة نفسها وهى ما نفتقد إليه  فى حياتنا ولا ادرى ما هو السبب، هل هو طبيعتنا البدوية الخشنة أم شئ آخر، فنحن أصحاب مشاعر فياضة، ولكنا شحيحون جدا فى إظهارها لمن نحب حتى لأقرب الأقربين إلينا مثل الوالدين والزوجة والأبناء، ويندر جدا ان يعبّر أحدنا عن حبه لأمه أو أبيه أو أبنائه بعد بلوغهم سن الخامسة دعك من تقبيلهم، وليتنا نجد طريقة للتخلص من هذا العيب الكبير.

 

8 أفهم أننا عندما نقول لشخص، “ان شاء الله ما يجى يوم شكرك” فإننا نتمنى له طول العمر وهى دعوة كريمة وجميلة تحمل كل مشاعر المحبة، ولكن لماذا لا نتمنى له طول العمر مع اظهار هذه المشاعر النبيلة ..  فيشعر بالسعادة ولو لحظة قصيرة، فلماذا نحرمه من هذا الشعور الجميل وهو قد أسعدنا مما جعلنا ندعو له بطول العمر ؟!

 

* رحل محجوب بدون ان يقرأ ملايين الكلمات التى كُتبت تعبيرا عن الحب الكبير الذى يكنه له كل الناس حتى الخصوم السياسيين .. وليت هنالك وسيلة  ليقرأها وهو فى عليائه ومقامه الرفيع  ..!!