محمّد جلال أحمد هاشم* ويبلغ عبدالله علي إبراهيم المدى الأقصى في التّشنيع بدعاة التّكفير ومحاكمة المفكّريت الذين يختبئون وراء مواد شائنة مثل مادّة الرّدّة فيقول:

«إنّ حاجة بعضهم إلى استنان مادّة الرّدّة هي خلود إلى طمأنينة مزيّفة، وتخفيض ‏للإسلام ليصبح ملّة قوم من الخائفين ليني الركب، وفرار من احتمالات اللقاء بالعالم. وهذا هو ‏الجبن الوحيد الممكن الآن أيضا‎. … وعليه فعرض طرائقنا في التّحرّي، وبلوغ النّتائج، وتعميمها على مفتّشي العقيدة هي سبّة ‏سنعمل أن لا تفشو في بلدنا الذي لم يبدأ بعد اكتشافاته المثيرة لهويّاته ولإمكاناته المادّيّة ‏والرّوحيّة في عالم طموح عجيب‎». ثمّ في ختام مرافعته الضّافية، الشّجاعة، يتوجّه عبدالله علي إبراهيم لممثّلي الخرّيجين بالخرطوم فيخاطبهم بقوله في مذكّرته التي طالب فيها جموع الخريجين بالتّوقيع عليها ورفعها إلى ممثّليهم:

«نتوجّه بهذه المذكّرة إلى حضراتكم للوقوف بقوّة ضدّ مشروع القانون الجنائي البديل ‏وضدّ المادّة 129 المتعلّقة بالرّدّة منه على وجه جديّ. وربما اضطرّكم هذا الموقف الى مفارقة التزام ‏خاصّ أو رأي شخصي ولكن مزية الدّيمقراطيّة هي هذا التّسامي من أجل سداد التّمثيل الانتخابي. ‏وستكون استجابتكم لمطلبنا ممارسة مميّزة للدّيمقراطية تجدّد حسن الظّنّ بكم والذي حملكم ‏إلى مقاعد الجمعيّة التّأسيسيّة. والأهمّ من ذلك أنّ هذه الممارسة ربما أعادت لدوائر الخرّيجين ‏ألقها وقدوتها السّياسيّين اللذين بدأت بهما في باكر تجربتنا البرلمانيّة قبل أن تندرج ضمن ‏التّراكمات الحزبيّة العاديّة. إنّنا لنأمل أن تقفوا معنا ضدّ المادّة 129 لنأمن في شغلنا الفكري ‏والعلمي والوطن من شرور التّطرّف والتّسلّط وغلوّ الوصاة‎.»

هذه مذكّرة تاريخيّة من عدّة وجوه، أوّلها أنّها مرفوعة من أستاذ جامعي وكاتب مسرحي وصحفي، ثمّ أديب له باع كبير، فضلاً عن خبرة سياسيّة كبيرة. كما تمتاز بأنّها قد رفعها شخص كان في ذلك الوقت قد بدأ مشروعه الدّاعي للاعتراف بعروبة السّودان والسّودانيّن من لفيف شعب شمال السّودان. أمّا ما عدا ذلك، من لفيف جنوب السّودان ومن جرى مجراهم، فلتكن لهم هويّتهم غير السّودانيّة (أي غير العربيّة وغير الإسلاميّة ــــ راجع أدناه مناقشتنا لأطروحته). إلاّ أنّ تلك المذكّرة الرّائعة ما كان يمكن أن تخيب بأكثر ممّا خابت كونها مرسلة في المقام الأوّل لممثّلي الخرّيجين الذين كانوا جميعهم ينتمون إلى حزب الجبهة القوميّة الإسلاميّة التي يقودها حسن التّرابي. فعين النّوّاب الذين كانت تستهدفهم، لم يكونوا وقتها أكثر من حارقي البخور وضاربي دفوف التّكفير طلباً منهم لتضمين مادّة الرّدّة في ذلك القانون. وهذا سيكون مدخلُنا في مراجعة جملة مواقف عبدالله علي إبراهيم عندما نناقش دوره السّادن حمايةً وحراسةً للأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة التي ليست بيءٍ في الإسلام أو العروبة.                            

اتّفاقيّة الميرغني ــــ قرنق

في يوم 19 أكتوبر 1988م حملت الصّحف خبراً تاريخيّاً صرف النّاس عن مسألة القانون الجنائي ومادّة ردّته. فقد نجح محمّد عثمان الميرغني (زعيم الحزب الاتّحادي الدّيموقراطي) في تحقيق اختراق باتّفاقه مع جون قرنق على وقف القتال وعقد مؤتمر دستوري من شأنه أن يحلّ جميع المسائل العالقة (جريدة الخرطوم، 20/10/1988م). وبالفعل نجح الطّرفان في التّوقيع على الاتّفاق النّهائي فيما عُرف لاحقاً باسم «اتّفاق الميرغني ــــ قرنق» (جريدة الخرطوم، 16/11/1988م). ولنلاحظ أنّه حتّى ذلك التّاريخ، لم يخطر في بال أيٍّ من الجنوبيّين فكرة تقرير المصير أو الجهر بدعوى الانفصال. فقد كانت شعارات الوحدة التي طرحتها الحركة الشّعبيّة لتحرير السّودان بقيادة زعيمها الخالد جون قرنق قد طغت على جميع أصوات الانفصال التي بدأت في الخفوت والاضمحلال. من جانبها أعلنت جميع القوى السّياسيّة تأييدها غير المتحفّظ على اتّفاق الميرغني ــــ قرنق باستثناء الجبهة القوميّة الإسلاميّة بقيادة حسن التّرابي التي كانت تشارك في السّلطة عبر حكومة الوفاق الوطني (جريدة الخرطوم، 20/10/1988م).

ثمّ وقع حدث أكثر خطراً عندما قامت حكومة الوفاق في خطوة غير محسوبة تشي ببعدها عن نبض الجماهير بزيادة الأسعار (السّكّر على وجه التّحديد). فقد خرجت المظاهرات في العاصمة المثلّثة وفي الأقاليم احتجاجاً على رفع الحكومة للأسعار (جريدة الخرطوم، 28/12/1988م). وكانت ورقة التّوت قد سقطت عن حكومة الوفاق المحسوبة بصورة أساسيّة على حزب الأمّة والجبهة القوميّة الإسلاميّة عندما تجلّى عجزها الماحق إبّان كارثة السّيول والفيضانات ذلك العام (ما بين 15 أغسطس إلى 15 أكتوبر 1988م). فقد ثبت أنّ دعاة الشّريعة لا يملكون أيّ حلول لمشاكل الشّعب ، بينما يسخّرون جلّ وقتهم واهتمامهم لتطبيق الأحكام الجزائيّة إسلاميّةً كانت أم غير إسلاميّة. عندها انكشفت انصرافيّة هذه الحركة وفقدت جاذبيّتها الجماهيريّة التي تراكمت لها عبر النّشاط المعارض وما سبق من حملة انتخابيّة ناجحة في انتخابات 1986م.

في هذه اللحظة، قرّر الحزب الاتّحادي الدّيموقراطي الانسحاب من حكومة الوفاق (جريدة الخرطوم، 29/12/1988م)، حيث دعا إلى تشكيل حكومة وطنيّة عريضة التّمثيل. وقد فعل ذلك في جانب من دوافعه تضييقاً على الصّادق المهدي الذي بان خورُه وصعفُه الماحق عندما ظلّ يتردّد ما بين مؤيّد ورافض بلاتّفاق الميرغني ــــ قرنق، وهو الاتّفاق الذي كان في مقدوره أن يأتي به أو بأفضل منه لولا التّردّد ومواقفه المتناقضة. إلى هذا، تواصلت المظاهرات وزادت ضراوتُها، وتحوّلت إلى غضراب شامل شلّ الحياة العامّة في العاصمة بوجهٍ خاصّ (جريدة الخرطوم، 30/12/1988م). تطوّرت تلك المظاهرات من مجرّد الاحتجاج ضدّ زيادة الأسعار إلى المطالبة بضرورة تحقيق السّلام. وكما هي عادة الحركات الدّينيّة الأصوليّة، استخفّت الجبهة القوميّة الإسلاميّة بتلك المظاهرات، مطالبة بالتّصدّي لها بقوّة، وهو ما حدث. فقد تصدّت قوّات الشّرطة بقسوة للمظاهرات التي شلّت الحياة العامّة بالعاصة، ثمّ بلغ بها الصّلف أن شجّعت قوى الشّرطة لفتح النّار على الجماهير، وهو ما حدث حيث سقط أحد المواطنين شهيداً بشارع المك نمر. لم تزد هذه الحادثة المتظاهرين إلاّ ضراوةً حيث تفاقم الوضع إلى معركة مفتوحة بين حكومة الوفاق من جانب وبين الشّعب من جانب آخر. عندها انسحبت قوى الشّرطة كما هو العهد بها في اللحظات الحاسمة، فما كان من الجماهير إلاّ أن اقتحمت مجلس الوزراء.

الحكومة القوميّة

وبالفعل انهارت حكومة الوفاق جرّاء الإجماع الوطني الذي اصطّف خلف اتّفاقيّة الميرغني ــــ قرنق من جانب، فضلاً عن استشعار الخوف على مصير البلاد. وقد دفع ذلك الوضع الحسّاس إلى أن ينبري الجيش فريفع مذكّرة يطالب فيها الصّادق المهدي (رئيس الوزراء) بضرورة تحقيق السّلام، حثّاً منه له بوجوب تبنّي اتّفاقيّة الميرغني ــــ قرنق، فضلاً عن تشكيل حكومة وطنية عريضة التّشكيل. إلى هذا، ظلّت المظاهرات متواصلة، مطالبةً بإلغاء رفع الأسعار وضرورة تحقيق السّلام.

بعد مذكّرة الجيش، استمرّت المفاوضات داخل القصر الجمهوري في سبيل الوصول إلى حكومة قوميّة عريضة التّمثيل. وبالطّبع، وافقت جميع القوى السّياسيّة على المشاركة في تلك الحكومة باستثناء الجبهة القوميّة الإسلاميّة بقيادة حسن التّرابي. فقد بات واضحاً أنّ القانون الجنائي بمادّة ردّته وباقي موادّه المستمدّة من الأحكام الجزائيّة في الشّريعة الإسلاميّة سوف يطويها النّسيان. كما بات واضحاً أنّ الحكومة القوميّة سوف تجدّ إلى أن تقوم بتحقيق السّلام وعقد المؤتمر الدّستوري. في سبيل تبرير خروجها على الإجماع الوطني خرجت الجبهة القوميّة الإسلاميّة ببدعة لم تنطلِ إلاّ على أتباعها. فقد وصفت تلك الاجتماعات التي عُقدت بالقصر على أنّها انقلاب على الدّيموقراطيّة، وهي فرية بلقاء ممّن لا يؤمن أصلاً بالدّيموقراطيّة. فالممارسة الدّيموقراطيّة تشتمل ضمن ما تشتمل على اللوبيهات، وهو عين ما حدث عشيّة تشكيل حكومة الوفاق نفسها.

انقلاب الإنقاذ من تدبير التّرابي

استمرّت الحكومة القوميّة في مداولاتها بغية ترجمة اتّفاق الميرغني ــــ قرنق على أرض الواقع وسط مماحكات ومعاكسات من الصّادق المهدي (رئيس الوزراء) الذي لم يكن راضياً منذ البداية بذلك الاتّفاق. في ذلك الوقت، انكفأت الجبهة القوميّة الإسلاميّة على نفسها وهي تتظاهر بالمعارضة، بينما كانت تُدبّر انقلاباً عسكريّاً به تُطيح بالدّيموقراطيّة التي لم تكن لها أكثر من فوضى ريثما يقومون بتأسيس دولتهم. وبالفعل، وبعد الجلسة التّاريخيّة التي صادق فيها البرلمان على اتّفاقيّة الميرغني قرنق التي كانت تقوم على مبدأ الدّولة الواحدة، قامت الجبهة القوميّة الإسلاميّة بقيادة زعيمها حسن التّرابي بتنفيذ انقلابهم في 30 يونيو 1989م. بذلك اكنتبت صفحة جديدة من الخزي والعار على السّودان فيه ستبدأ الجبهة القوميّة الإسلاميّة بالتّعامل مع مؤسّسة الدّولة كما لو كانت فيئاً وغنيمة حرب نالوها باستحقاق القتال، كما شرعوا في معاملة جميع المواطنين الذين لا ينتمون إليهم على أنّهم أعداء، فكانت موجات الإحالة للصّالح العام. بعد ذلك ستبدأ الجبهة القوميّة الإسلاميّة في دقّ إسفينها القاتل في جسد الوحدة الوطنيّة عندما قاموا بتحويل الحرب الأهليّة إلى حرب دينيّة، فكان الجهاد (وهو نفسه الجهاد الذي وصف التّرابي شهداءه بعد أن خرج من السّلطة على أنّهم ماتوا موت الفطائس). ثمّ كان توسيع دوائر الحر بالأهليّة لتشمل الجنوب، جنوب كردفان، جنوب النّيل الأزرق، شرق السّودان، ثمّ أخيراً وليس آخراً دارفور التي سعت دولة الجبهة القوميّة الإسلاميّة منذ بداية تسعينات القرن العشرين إلى تغيير التّركيبة السّكّانيّة. لا غرو أن انفصل الجنوب في خاتمة هذه المخازي التي ساقها حسن التّرابي بتدبيره غير الوطني للانقلاب الذي أطاح بالدّيموقراطيّة.

*مجتزأ من الفصل السّابع من كتاب: الفقه الإسلامي الحداثوي