نبيل أديب جاء في الأنباء أن المؤتمر الوطني على لسان السيد / ياسر يوسف يحذر من إنفراط عقد القوات المسلحة بإعتبار أنها صمام أمان البلاد، وقال أنه إذا إنفرط عقد القوات المسلحة فلن تقوم للسودان قومة. ( صحيفة الجريدة عدد الجمعة 4/إبريل)

لايوجد وطني عاقل يمكن له أـن يرفض هذا الكلام أو يدعو لإنفراط عقد القوات المسلحة، ولكن مثل هذا الكلام لايعني شيئاً ما لم تدعمه سياسات تمنع إنفراط  عقد القوات المسلحة. أول ما يمكن أن نلاحظه في هذا الصدد أن القوات المسلحة السوادنية منذ أن إكتسبت هذا الأسم، على حساب أسمها القديم قوة دفاع السودان، عند إستقلال البلاد، لم تتوقف عن القتال قط. وليس في هذا ما يفرط عقدها فهذه وظيفتها الأساسية، ولكن العجيب هي أنها لم تقاتل قوى أجنبية قط، بل ظلت طوال فترة الإستقلال، تقاتل قوات سودانية متمردة على الدولة. كان ذلك أول الأمر مقتصراً على قوات مكونة من جنوب السودان، ولكنها أصبحت الآن تقاتل قوات مكونة من مواطني  دارفور، وكردفان، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق. ألا يدعونا هذا إذا كنا حريصين على ألا ينفرط عقد القوات المسلحة أن نعمل على وقف الأسباب التي أدت وتؤدي الى أن ترفع مجموعات مسلحة من داخل القطر سلاحها في مواجهة القوات المسلحة، التي تضم إخوة لهم. إن وجود نزاع مسلح في منطقة معينة من القطر، يعني أن تلك المنطقة يستشعر أهلها ظلماً معيناً لايتيح نظام الحكم القائم فرصا كافية لحله، مما يضطر أجزاء منهم للجوء للسلاح في مواجهة السلطة. لقد سئمنا سماع الحديث عن القضاء على التمرد في هذا الصيف أو ذاك، ثم يأتي الشتاء وتظل الحرب مستمرة. إن مواجهة الأسباب التي تؤدي إلى وقف التمرد المسلح في الهامش، هي مسألة أساسية لمنع إيجاد أي تعدد في الولاءات داخل القوات المسلحة. إقناع الحركات المسلحة بإمكانية طرح برامجها للنقاش لقبولها أو رفضها بواسطة مؤسسات منتخبة إنتخاباً حراً، هو السبيل لإنهاء النزاع المسلح وما يحمله من خطورة على التطور الديمقراطي. ولكن الأمر لايقف عند هذا الحد فالمعلوم أن المسائل السياسية في جميع أقطار العالم هي مسائل خلافية لايمكن أن يتفق عليها جميع المواطنيين. وهذا هو السبب في قبول التعددية السياسية، التي تقبل أن ينقسم المواطنون من حيث مشاربهم السياسية، وما يريدون من حكامهم، الى أحزاب سياسية. وهذه الأحزاب السياسية لم يُجمِع مجتمع من المجتمعات، على أن حزباً منها يملك ناصية الحقيقة، أو توصل للحلول الناجعة لكل المشاكل. إذا كان الحال كذلك، فإن النأي بالقوات المسلحة عن المسائل السياسية، هو ضمان حقيقي لعدم دخول الإنقسام إلى صفوفها، وبالتالي عدم إنفراط عقدها. هذا لايمنع المنضوين في القوات المسلحة من أن تكون لهم آراءهم السياسية، ولا أن يشاركوا في الإنتخابات العامة، ولكنه بالقطع يمنعهم من الإنضمام الى الأحزاب السياسية وتولي المناصب فيها والقيام بنشاط سياسي حزبي من أي نوع .

وثالثة الأثافي هي أن تتخلى القوات المسلحة عن دورها في حماية أرض الوطن لتزج بنفسها في المسائل السياسية بأن تنحاز في الصراع السياسي لحزب ما، أو تسعى للإستيلاء على الحكم وتسيير دفته وفق الرؤى السياسية لذلك الحزب، أو للشريحة التي تنقلب على القيادة وتسيطر على البلاد عن طريق الإنقلاب العسكري.

إذا كانت هذه هي المحاذير التي تؤدي لإنفراط عقد القوات المسلحة، الذي يحذر السيد/ ياسر يوسف منها، فلمن يوجه تحذيره؟