ترجمة وعرض وتحليل/د. زهير السراج * ظل السودان فى حالة شد وعدم استقرار وصراع دائم منذ استقلاله فى عام 1956، ولقد ادت الى ذلك عوامل أو (قوى طرد) كثيرة،

 

* اول وأهم هذه القوى هى (جغرافية) السودان وكبر مساحته التى كانت تبلغ مليون ميل مربع قبل انفصال جنوب السودان فى عام 2011 ، أى ما يعادل مساحة غرب أوروبا، أو مساحة منطقة شرق المسيسبى بأكملها تقريبا والتى تشكل حوالى 2 % من مساحة اليابسة فى الكرة الأرضية، مما جعل السودان (قبل الانفصال) يحتل المرتبة العاشرة من حيث الدول الأكبر مساحة فى العالم.

 

* يتميز السودان بطبيعة جغرافية صعبة ومتنوعة، فإلى الشمال الصحراء، وفى الوسط شبه الصحراء، وفى الجنوب، حيث الأمطار الغزيرة والأنهار، الغابات والأشجار الكثيفة (السافنا الغنية). كما تحيط بالسودان سلسلة من الجبال والهضاب، فمن ناحيتى الشرق والشمال الشرقى الهضبة الاثيوبية وسلسلة جبال البحر الاحمر، ومن ناحية الجنوب سلسلة جبال الأماتونج مما جعل من الصعب إختراق السودان من تلك النواحى قبل إختراع وسائل المواصلات الحديثة، كما شكلت الصحراء والسدود النهرية عائقا طبيعيا من ناحية الشمال.

* بينما يحتل منطقة الوسط سهل واسع تتخلله بعض الهضاب والمرتفعات وتشمل جبال النوبة والمورو التى شهدت إرتكاب أسوأ الفظائع الانسانية بواسطة حكومة الخرطوم خلال الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، وجبل مرة فى وسط دارفور والذى ظل طيلة اربعة قرون الحصن الجبلى لسلطنة الفور ويشكل حاليا ومنذ عشرة اعوام قاعدة انطلاق الهجمات التى يشنها متمردو دارفور من قبيلة الفور على القوات الحكومية. وتوجد من ناحية الشمال الغربى حيث ولايتى شمال دارفور فى الغرب والولاية الشمالية فى الشمال، وبحوالى مسافة نصف ميل تحت سطح الصحراء منطقة الخزان الجوفى للمياه، ذات الطبيعية الحجرية الرملية والتى تمتد الى دولة مصر وليبيا وتعادل فى مساحتها الدولة الألمانية.

 

* فضلا عن ذلك، تجتاح السهل السودانى من فترة لأخرى وبدون سابق إنذار عاصفة رملية كثيفة تعرف بـ(الهبوب) تعيق الرؤية وتخفض درجة حرارة الصحراء من حوالى 50 درجة مئوية الى اقل من 5 درجات، وتعكس هذه الهبوب بشكل أو بآخر تاريخ السودان الذى تجتاحه من فترة لأخرى على المشهد الانسانى بعض الاضطرابات العنيفة والمفاجئة.

 

* وقفت هذه الطبيعة القاسية عقبة امام الحكومات السودانية المتعاقبة لربط السودان بشبكة من الطرق او البنى التحتية الادارية، مع قلة المجهود الذى بذل فى هذا الجانب، حيث كان جل تركيز الحكومات على منطقة الوسط (المثلث العربى)  بينما تجاهلت الاطراف بشكل كامل، ولقد كان لهذا النمط من التجاهل والتركيز تاريخ طويل وبشع.

 

* تخترق السهل السودانى شبكة من الأنهار جعلت منه بيئة مناسبة لرعى الأبقار الذى تعتمد عليه حياة الكثير من القبائل سواء فى جنوب السودان مثل ( الدينكا والشلك والنوير)، أو فى السودان الشمالى مثل (المسيرية والبقارة)، ولقد أسست هذه القبائل لنفسها نمطا معينا من الحياة الاجتماعية والادارة الأهلية، مما ادى، على الأقل فى منطقة وسط السودان، الى وجود نوع من النظام الاقتصادى ظل يقاوم الهياكل الاقتصادية والسياسية المعقدة للمركز .. وهو أحد الاسباب الرئيسية التى قادت الى مشاكل الحكم فى السودان الحديث.

 

* ثانى هذه العوامل أو القوى الطاردة، هى المجموعة التى تتكون منها القبيلة، الدين، اللغة والعرق (الأصل)، حيث يوجد فى السودان ما لا يقل عن 597 قبيلة تتحدث 113 لغة بالاضافة الى عدد كبير من اللهجات والألسنة رغم ان عدد بعض هذه القبائل لا يتجاوز بضع ألاف، وعلى سبيل المثال فان قبيلة (الدينكا) التى تعتبر أكبر قبيلة فى السودان (قبل الانفصال) وتتكون من حوالى 25 فرعا (بطن)، لديها لهجات كثيرة لا تفهمها الا المجموعات التى تتحدثها. فضلا عن ذلك، فان هنالك تنافسا محموما وتاريخيا بين الفروع (البطون) المختلفة للقبيلة، وهو نفس الشئ بالنسبة لقبائل شمال السودان مثل (المسيرية والرزيقات)، وعليه فليس من المنطق ان يتحدث المرء عن وجود (كيان قبلى) واحد فى السودان.

 

* أمر آخر، وهو ان العرق الذى أسهم شكل كبير فى الشقاق بين السودانيين، لم يكن ايضا عامل وحدة بين القبائل التى تنتمى اليه، وعلى سبيل المثال فان قبائل الجنوب التى تنتمى الى عرق واحد حدثت بينها، ولا تزال، الكثير من الصراعات، ورغم ذلك ظل التعصب للعرق فى حالة تصاعد.

 

* أمر ثالث، إذا تفحصنا القبائل العربية النيلية فى شمال السودان، نكتشف انها (جينيا أو وراثيا)غير عربية، وانما قبائل أفريقية مستعربة ينتمى معظمها الى قبائل النوبة بشمال السودان التى تبنت اللغة والثقافة العربية، ولقد شكلت هذه القبائل حوالى 45 % من سكان السودان (قبل الانفصال)، أى أقلية بالنسبة للقبائل الأفريقية التى شكلت حوالى 55 % من عدد السكان. ومن الملفت للنظر ان العرب خارج السودان لا ينظرون الى السودانيين الشماليين كعرب، وانما أفارقة يطمحون الى ان يكونوا عربا، ويعاملونهم بإزدراء أو ترفع، وهو ما يجعل بعضهم يحس بعدم الاطمئنان او الامان لعروبتهم المكتسبة، ويتصرف بطريقة تجعلة ملكيا أكثر من الملك نفسه أو(عربيا اكثر من العرب أنفسهم) وهو ما يفسر جزئيا لماذا كانت بعض حكومات الخرطوم أكثر وحشية فى معاملة غير العرب من السودانيين.

 

* لقد أثر العرق والثقافة فى السودان بشكل كبير على معانى واستخدام بعض المصطلحات الشائعة فى اللغة العربية، وعلى سبيل المثال فإن الجنوبيين يطلقون على الشماليين صفة (الجلابة) التى تعنى فى اللغة العربية (التجار)، ولكن فى الجنوب وفى كثير من مناطق السودان الشمالى صارت مع الزمن تعنى (الخونة) أو (الخيانة)، وفى المقابل فإن السوداننين الشماليين كثيرا ما يستخدمون كلمة (عبد) التى تعنى (رقيق) للمواطن الجنوبى، بينما تُستخدم كلمة (خواجة) التى تعنى فى اللغة العربية (السيد) أو (الاستاذ) للشخص ذى اللون الابيض أو الأصول القوقازية ويعود استخدامها الى الحقبة الاستعمارية. 

 

* لقد وقعت مهمة بناء امة موحدة من هذا الخليط المعقد على عاتق القبائل الثلاث التى ذكرناها سابقا (الجعليين، الشايقية والدناقلة) والتى كانت تمثل حوالى 5.5 %  من مجموع سكان السودان (قبل الانفصال) وسيطرت على البلاد منذ الاستقلال، ويحدثنا التاريخ ان هذه القبائل تحالفت مع القوى الاستعمارية واوجدت لنفسها مركز سلطة قبل قرنين من الزمان، ومنذ استقلال السودان فى عام 1956 ظلت هذه القبائل تشغل حوالى 70 % من الوظائف التنفيذية العليا فى الحكومات المتعاقبة، وفى الخدمة المدنية والجيش والجامعات .. كما سيطرت على قطاع الاعمال، واعتمدت خطتها فى مواجهة القوى الطاردة (التى تحدثنا عنها آنفا) على أسلمة وتعريب المجموعات التى لا تنتمى للاصول العربية ولا تدين بالاسلام وتعريب المجموعات السكانية المسلمة التى لا تنتمى للاصول العربية. 

 

* لقد شمل هذا المخطط غير العقلانى أو المنطقى (من وجهة نظر السلطة الحاكمة) على تركيز التنمية فى المثلث العربى، حيث وُجهت موارد البترول لانشاء الطرق والجسور فى منطقة المثلث العربى بينما اٌهملت الأطراف التى تعانى من الفقر المدقع، الأمر الذى قاد الى مجموعة ثورات مسلحة فى الجنوب ودارفور وجنوب كردفان النيل الازرق ومناطق البجة فى شرق السودان.

 

* نخلص من ذلك الى ان محاولات الحكومة المركزية فى الخرطوم الى  تعريب وأسلمة السودان لمواجهة القوى الطاردة لم يحقق الهدف المطلوب منه فى توحيد البلاد بل ادى الى زيادة الفرقة وحدة الصراع والتوتر العرقى بين مواطنى السودان وسفك الارواح وارتفاع وتيرة المعاناة وترسب المرارة فى النفوس وتقوية القوى الطاردة التى تعمل على تمزيق السودان.