د.حيدر ابراهيم علي " هم عميان قادة عميان.وإن كان أعمي يقود أعمي يسقطان كلاهما في حفرة". إنجيل متي/الإصحاح الخامس عشر/فقرة14. (1) * هذا مقال- رسالة للداعين لحوار مستحيل،ولمهرولين يحسبون السراب ماءً،ولرافضة يعوزهم البديل الفعّال الذي ينسف دعوة حوار المستهبلين.

وستكون علي الرافضة لعنة كبرى لأنه تعاملوا مع الأمر بجدية وصدقوه.لذلك ثقبوا عقولنا وعيوننا ببيانات من نسل جامعة الدول العربية وزغللوا اعيننا بصورهم البهية في كل وسائل الإعلام.ولقد ساهم الجميع في كوميديا سوداء تصادفت مع أجواء اليوم العالمي للمسرح 27 مارس.

* المقال هو إجابة علي خرافة سؤال الهوية الذي رمي خطاب وثبة المجهول وفرح به الكتبة والصحفجية والعرضحالية ووعاظ السلاطين محولي اضغاث أحلامهه الليلية الي ما يسمونه(استراتيجيات)و(أوراق عمل)و(رؤية).وقال تعالي:” إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى”.(سورة النجم:23).آباؤهم:ناس الترابي،ويس عمر الإمام،وأحمد عبدالرحمن،والسنوسي،ولحد ما الصادق عبدالله عبدالماجد،وجعفر شيخ ادريس ومالك بدري.وقد جاءهم الهدى من ربهم ولكنهم رفضوه وفضلوا الجبهة الإسلامية،والتمكين والأمنوقراطية والكذبولوجيا.وهذه هي مقومات دينهم الجديد الذي حكموا به وسوف يحاورون به.وستكون المتاهة العظمي والفخ-بلا قرار-الجدل الذي يَثار حول من نحن؟لأن السؤال الصحيح هو كيف نحن ولماذا هذا ىالانحطاط .

* هذا المقال ادانة لكل من ينتحلون أسم السودان بطرق مختلفة،ومنها ما يسمي حزب السودان،وهو في الحقيقة حزب”دار أبوك إن خربت شيل ليك منها شلية”.فقد
جاء قوم بعد ربع قرن من الفساد والانحطاط للوعظ.ومنهم من يتحدث عن القومية وأبناؤنا محرومون عن العمل لأن أهلهم غير إسلامويين منظمين.تحول السودان الي سودانيين :سودانهم وسوداننا.سودانهم استيطان للفساد والثراء الحرام،والدجل،والكذب،والهزل السمج،والميوعة والتخنث.وسوداننا وطن للحرية، والحق، والجمال، والمستقبل،والعقلانية، والانسانية الصادقة.لكم سودانكم،ولنا سوداننا،ولن يلتقيا.

(2)

لهذا المقال مناسبة قد تبدو غريبة،ولكنها منطقية حسب ما نعيشه هذه الأيا.وهي مرور 60عاما علي صدور كتاب الصحافي البريطاني(انتوني مان)والذي جاء لتغطية انتخابات الحكم الذاتي عام1953 فأوحي له السودان بهذا العنوان والكتاب:
Anthony Mann:Where God Laughed-The Sudan To-
day.London, Museum Press Limited,1954.
وقد أورد ما قال أنه مأثور أو مثل عربي، ولكن أن لم استطع تأكيده أو اثباته،يقول:
“when God made the Sudan,He laughed.”.

وتساءلت ما الذي رآه هذا الخواجة فاوحي له بهذا العنوان وهذه الفكرة؟من الواضح أن طريقة الانتخابات التي جاء لتغطيتها أثارت اهتمامه.فهو لم يجد برامج حزبية أو مناظرات،فأورد صورا لرموز المرشحين المرسومة علي السبورات أو مدبسة علي جلابيب مواطنين لتوجيه الناخبين.ومن أهمم ما وجدت في الكتاب:”دستور حزب تقدم السودان لتقرير المصير” الذي أسسه العم أزرق.ويطالب في المادة الثالثة باستمرار الحكم الثنائي” لمدة عشرين عاما حتي ينضج الشعب ويعرف حقه في تقرير المصير”.وتقول المادة الثامنة:”تحقيق السودنة بعد خمسة عشر سنة”.ثم عدم سودنة المحاكم الكبري والقضاء والفنيين ورؤوساء المصالح.والمادة السابعة تطالب بعدم تخلي مناصب السكرتيريون(كذا)القضائي والمالي والاداري.(ص176).

سؤالي وحافزي لهذا المقال:هل مازال القدر يضحك علي ما يجري في هذه البلاد أم أنه صار ضحكا كالبكاء؟وكم في السودان من المضحكات.وفي هذه الأيام ينصب السياسيون السيرك العظيم في وطن يحتضر،ونتوقع موته في كل لحظة.وبالتأكيد قد لاحظ(مان) تساكن المتناقضات لدي السودانيين،وهذا مصطلح نتداوله كثيرا في الحوار مع د.عبدالسلام نورالدين.والمقصود به ان السوداني قادر علي التعايش مع متناقضات ومتضادات كثيرة ،في عقله وروحه دون أي شعور بالضيق أو الارهاق.ويبدو السوداني أرب للشخصية المنفصمة أو علي الأقل الشخصية ثنائية التفكير والسلوك.فهو يشبه جدل(هيجل) ولكنه ناقص أي يحمل الشئ ونقيضه ولكنه يتوقف قبل التركيب.وتتجلي هذه الشخصية المتناقضة في أوضح صورها هذه الأيام.فقد طرحت آلية الحوار وقضية الهوية السودانية بحماس جماعي أقرب لمباريات كورة القدم.وتحول الأمر الي مولد كبير يكشف عن حقيقة هذه الأمة،ومدي جديتها وعقلانيتها.والضجيج حولهما هذه الأيام يوهمك وكأن السودانيين أخترعوا العجلة لأول مرة في التاريخ. فالحوار دعوة للتأمل والتفكير، وتحريك العقل،في الظروف العادية،وبين الناس الطبيعيين.وهي عملية عقلية قائمة علي تقديم كل طرف أفكاره، وعرضها للقبول أو الدحض.وهذا يعني من البداية أن تطرح الاسئلة الصحيحة وأن تقدم الفرضيات المنطقية.وهذا يعني أن تكون لكل طرف مواقفه الواضحة والجاهزة والمرتبة منهجيا.ولكن في الحوار السوداني يمكن أن تتكون المواقف والرؤى من مجريات الحوار نفسه.إذ يمكن أن يأتي الشخص خال الذهن للحوار من أي فكرة، ويبني الكلام علي الكلام.

من البدهيات أن أيّ حوار مهما كان مجاله سياسيا، أو فلسفيا، أو دينيا،مشروط بالحرية المطلقة وعدم وجود مايهدد المرء لو عبّر عن آرائه كما تدور في رأسه لا كما يتوقعه الموقف والحاضرين أي القول كما يفكر.لا أريد تكرار المطالب السياسوية،ولكن عبث السودانيين وسخرية القدر منهم،أنهم يتحاورون تحت ظل ترسانة من القيود الأمنية وتحت سيطرة جهاز يظن نفسه القضاء والقدر.فهو لا يحاسب ولا يسائل ولا يعاقب.وقد يري السودانيون في الوضع الراهن بعضا من تفرد السودانيين الذي يميزهم عن بقية الناس.فهم يمكن –خلافا للطبيعة-أن يتحاوروا تحت رعاية أكبر أمنوقراطية معاصرة وأكثرها قمعا وتخلفا.ولم لا ألا يوزع جهاز الأمن الجوائز للمبدعين ويكرمهم ،ويدعو الصحافيين والادباء والكتاب لموائد الإفطار الرمضانية؟والأدهي وأمر ألم يمثل أحد منسوبيه السودان في مؤتمر الحريات الصحفية مرة في بيروت وأخيرا في تونس؟للقدر ان يضحك كما يريد.فالصحف تصادر ليس من قبل مجلس الصحافة،والكتب تمنع،والمراكز الثقافية تغلق أمنيا،والندوات تفض،والسفر مراقب،وحق العمل انتقائي حسب الانتماء الحزبي.وفي نفس الوقت تتشاجر النخبة حول دعوة الحوار وتفخر بدعوة لجنة الشؤون الاجتماعية والانسانية بالمجلس الوطني التي اكتشفت الموضوع بعد خطاب الوثبة.

من مقدمات أي حوار الاتفاق حول أدني في القضايا،لتجنب ما يسمي بحوار الطرشان أو أن يتحدث طرف بالصيني والآخر بالاسباني.ويرتبط بهذا اتفاق حول الاغراض والنوايا من الحوار وعدم وجود أجندة خفية.فتأمل قول إحدي القيادات والتي كلفت ضمن لجنة المؤتمر الوطني للمتابعة.يصرح (نافاع علي نافع):نحن أذكياء بما يكفي لمنع تفكيك الانقاذ عبر الحوار(الرأي
العام7/4/2014)ويضيف:”واذا كان هناك من يري أنه لا يجد نفسه في هذا الكيان،وأنه لا يمكن أن يكون فيه وفقا لتوجهه السياسي،فنحن لن نترك الإسلام من أجل أن يدخلوا معنا”هل هذا حديث محاور محتمل وقابل للآخر؟ومن الواضح أن لكل حواره الخاص الذي يفهمه بطريقته.

هناك حادثة تاريخية تتفق مع بحثنا عن هويتنا وماضينا وتكشف كيف كان يفكر قادتنا.كما أنها تتسق مع أفكار الحوار والقتال بالطريقة السودانية الأصيلة.يروي عن أسباب غزو الملك بادي أبو دقن(1643-1678م)،أن ملك تقلي طرد أحد أصدقائه بعد أن سلبه،رغم أنه قيل له أن الرجل صديق(بادي).فقال ملك تقلي:وماذا يهمني ملك سنار فإن قصدني وجاوز باجة(غابة)أم لمّاع فليفعل ما يشاء(مفازة بين النيل الابيض وجبال تقلي).فأخبر ه صديقه بالتحدي،فجهّز عساكره وسار قاصدا جبال تقلي واجتاز المفازة دون أن يحدث له شئ”وساروا في جبال النوبة يقتلون ويأسرون وسبون حتي وصلوا الي جبال تقلي فحاصروها فتمنع ملكها بالحصون وقيل وكان يقاتل عساكر ملك سنار نهارا ويرسل لهم الضيافة ليلا،فلما رأي ملك سنار مكارم أخلاقه صالحه علي جُعل معلوم يدفعه له في كل عام ورجع الي سنار ومعه سبايا النوبة وتقلي فجعل لكل جنس منهم حلة معلومة حول سنار”.(نعوم شقير،بيروت،1981:104).هذه عقول حكام يستخفون بأرواح البشر،حروب تندلع لاسباب تافهة وتتوقف لأسباب أتفه.قوم يتقاتلون نهارا، ويكرمون أعداءهم مساء ويعاملونهم كضيوف.عقل مضطرب،تتداخل فيه الاسباب والنتائج،أو تختلف فيه المقدمات عن النتائج النهائية.

يكشف مهرجان الحوار المنصوب هذه الأيام،عن عقل التناقضات والمفارقات الذي يثقل كاهل الانسان لتاريخ طويل.فهي تتساكن وتتعايش دون أن يحاول أحدها طرد الآخر.ولهذا ظللنا ننعم بهذا التفكير المشوش والغرائبي الغارق في الغيبيات والخرافات،ولم يفلح التعليم الحديث والاحتكاك مع الآخر علي تغييره. أسميتها عقلانية الحلو-مر لأنها لا تستطيع أو لا تريد أن تحدد هل هو حلو أم مر؟ونحن الذين نقول:كلام ساكت! ونجعل الكلام ساكتا بسر حرف كن.وهذا العقل الغرائبي وقعت في براثنه هذه الأيام قضية أسمها” الهوية السودانية”.فلنر ماذا سيكون مصيرها حين تحللها وتنظر لها العبقرية السودانية.وسأخصص هذا المقال لمسألتين:الهوية كموضوع ،والعقل السوداني كأداة لبحث الموضوع.

(3)

يستمتع السودانيون بالحديث عن مفهوم”الهوية”،ويعتبر من الموضوعات الأثيرة لدي المثقفين خاصة حين ينوون التقعر، و”الفلهمة” الثقافية.فالموضوع جذّاب ويسمح باستعراض المعلومات واللغة.لذلك ابتهج الجميع حين ضمن البشير خطاب الوثبة موضوع”الهوية”. وقامت الدنيا ولن تقعد قريبا،وكعادة السودانيين يتحمسون سريعا ويفورون ثم يخمدون.وضمن الفورة،تبني(حسب الله صالح حسب الله)رئيس لجنة الشؤون الاجتماعية والانسانية بالمجلس الوطني،إقامة مؤتمر للهوية وإدارة التنوع الثقافي.وهذه مبادرة غريبة من البرلمان الذي يترك التشريعات عن الحريات والفساد ويزاحم وزارة الثقافة ومراكز البحوث والجامعات في تخصصها.ولكن التصريح الغريب كان للاستاذة(رباح الصادق)في قولها أنها استبشرت لأن “ما يميز مؤتمر الهوية أن المجلس الوطني هو الجهة المنظمة له وبما أن البرلمان منوط به سن التشريعات فإننا نتوقع أن يخرج المؤتمر بأهم السياسات الواجب اتباعها فيما يتعلق بالهوية السودانية”.(التغيير،الراكوبة2/4/2014).هل نتوقع أن يصدر البرلمان مشروع قانون يحدد الهوية السودانية ويكون ساريا وملزما للجميع؟وضمن المولد:”ينظم مركز بناء الأمة والدراسات،ندوة بعنوان:الهوية السودانية برعاية وزير الثقافة بقاعة الشارقة يوم9/4/2014″.وفي خبر آخر ضمن نفس الأجواء:”يقيم مركز تحليل النزاعات ودراسات السلام بجامعة أم درمان الإسلامية يوم13/4/2014 ندوة:حوار النخب والسلطان حول من يحكم السودان بقاعة الدوحة المدينة الجامعية بالفتيحاب(لاحظ أسماء القاعات التي تستضيف ندوات الهوية).واعلن عن مشاركة أربعة بروفسيرات(وما آفة السودان إلا بروفسيراته).

وفي نفس السياق والتوجه،ومنذ فترة ،عقد (مركز التنوير المعرفي)ورشة:الهوية والاندماج،في فبراير2008.ولم يكن(اتحاد الكتاب السودانيين)بعيدا عن الموضة بل كان سبّاقا.فقد خصص مؤتمره في مارس 2013 لقضية نسب السودان الحضاري
*******
في هذا المقال،من البداية قد يتشابك الموضوع(الهوية)مع الأداة(العقل السوداني).وهذا يعني أن عدم وضوح الهوية نفسها قد يوجه طريقة اشتغال العقل.وفي نفس الوقت،يعكس العقل المشوش تصورا مثله لما يسمي”الهوية”.وهنا يلعب المخيال والحدس دوره بديلا عن العقل الخالص.ولذلك يفضل الفكر السوداني أن يعبر عن رؤيته للكون والإنسان في الشعر وليس في الفلسفة، أو الإيديولوجيات،أو نسق الأفكار الصلبة.ولذلك صار الشعر هو مصدر الأفكار والرؤى،المفضل لدي المثقفين السودانيين:صانعين أو متلقين..فقد عبّر الشعراء السودانيون عن معني الهوية بمقاربات متنوعة تؤكد وهم الهوية وفي نفس الوقت تكشف عن العقل السوداني المنقسم وبالتالي العاجز عن التفكير الموضوعي السليم. فالأمة السودانية المتخيلة التي وصفها الشاعر(محمد المكي إبراهيم)بالخلاسية هي فعلا ذات عقل خلاسي أيضا ليس واحدا أو موحدا أي خليط من أثنين،وليس صافيا أو نقيا.جماليا لا غبار عليه،ولكن منطقيا وعقليا،غير محدد ومختلط،كما أنه عقل منشطر ومتجاذب.والشاعر الأخر(محمد عبدالحي)الذي يغني بلسان ويصلي بلسان،فهو يصف الإنفصام وغياب الوحدة.ومن يتحدث عن السودانوية أو أفرو-عربية،كيف هي النسبة وماذا أخذ العقل من كل”ثقافة”وهل هناك غلبة أم الأخذ بالتساوي؟نحن أمام عقل خليط أو كوكتيلي أو كشكولي.

بسبب هذه المقاربة الشعرية والخيالية لموضوع “الهوية” يعتور الكتابات خلل منهجي شائع ومقبول.فالجميع يتجنب تقديم تعريف جامع مانع لل”هوية”ويعتبرون وصف مكونات “الهوية” أو تتبع تاريخها بديلا عن التعريف.وهذا من اختلالات العقل السوداني أي عدم التدقيق في المفاهيم.وللكتاب جرأة عجيبة في تدبيج الصفحات في موضوع لم يعرفوه،وهذا ما نجده في موضوع “الهوية”. وكأن السودانيين يبحثون عن قطة سوداء في غرفة مظلمة ولا وجود للقطة أصلا.والمتابع لموضوع “الهوية”في الآونة الأخيرة يلاحظ كتابات تحت عناوين مثل كتاب(داريوش شايغان):”أوهام الهوية”،ترجمة محمد علي مقلد.بيروت،دار الساقي،1993.ثم كتاب(جان فرانسوا بايار):”أوهام الهوية”،ترجمة حليم طوسون.القاهرة،دارالعالم الثالث،1996.وكتاب تحرير(Stuart Hall & Paul du Guy)وعنوانه(Questions of Cultural Identity)صادر عن(ٍِSAGE,1997) ويستهل الكتاب بمقال شيق عنوانه(Who needs’Identity’?) وتجدني سوف اتبني هذا التساؤل.ولكن هذا اتجاه قوي وكبير في علم الاجتماع،والانثروبولوجيا،والسياسة،يتعامل مع “الهويةكوهم.ويساهم(محمود درويش) في نفس الفهم:”الهوية هي مانورِث لا مانرث،مانخترع لا مانتذكر.الهوية هي فساد المرآة التي يجب أن نكسرها كلما أعجبتنا الصورة“.

(4)
من الانصرافية والعبث،أن ينصرف شعب ودولة عن قضايا ملموسة ومحسوسة مثل الفقر،والحرب الأهلية،والتخلف.وهي مشكلات يمكن قياسها كميا واحصائيا الي موضوع تجريدي وأقرب الي الميتافيزيقيا مثل “الهوية”.فهذا هروب جماعي عن الواقع،واخفاء العجز عن تقديم حلول للمشكلات.ومن الممكن ان نتجاوز عن انشغال دولة فاشلة بالقضية ولكن أن تشاركها الأمة والجماهير في هروبها وتصبح جزءا من جوقتها،فهذه كارثة حقيقية.فمن المعروف أن مفهوم”الهوية”شديد الالتباس والغموض رغم كثرة التداول التي توحي ببساطة معناه ومضمونه،خاصة وأنه يستخدم بين قطاعات واسعة من الشعب باعتباره تعبيرا عن روح الأمة.

لا تعتبر الدراسات العلمية الجادة مفهوم “الهوية” بسبب استحالة التمييز بين التعريف الذاتي للفاعلين الاجتماعيين والسياسيين والايديولوجيين الذين تنسب اليهم الهويات،أوينسبونها الي انفسهم؛وبين الواقع الاجتماعي والتاريخي.ويضيف(عزيز العظمة)أن “الهوية” مقولة تنفيذية وعملية أكثر منها مقولة تحليلية،وهذا ما يجعلها شديدة الطواعية للتحليل الايديولوجي.(مجلة الدراسات الفلسطينية،العدد35صيف1998،ص3).وهذا يعني امكانية توظيف المفهوم واستغلاله في أغراض سياسية،وهذا ما يفعله حزب(المؤتمر الوطني)هذه الأيام.وهو مفهوم ايديولوجي أكثر منه علمي،خاصة وأن الهوية”يمكن التعبير عنها من خلال مكونات عديدة،قد تكون الدين،أو اللغة،أو الدولة الوطنية،أو القومية.وكل هذه الخصائص متغيرة حسب طريقة استخدامها وتوظيفها.لذلك يمكن للمجتمع الواحد أن يبدل هويته حسب المراحل التاريخية والظروف الحاكمة.فالأمة التي كانت خلال الستينيات من القرن الماضي مقتنعة بسيادة القومية العربية،صارت الأمة نفسها تردد شعارات”الإسلام هو الحل”.ولذلك يري كثير من الباحثين،أن “الهوية” أصلا مصطلح سياسي ولد ضمن صراع سياسي.

ما ندعوه “الهوية” هو تعقدات وتركيبة من تصورات ثقافية،والممارسات السياسية،والاساليب الشعبية في التحرك السياسي،والمخيال السياسي.وبالتالي ،لا توجد “هوية “طبيعية معطاة،بل تُخلق وتُصطنع وتكون اجتماعيا أو حسب المفهوم السوسيولوجي(socially constructed).فنحن أمام استراتيجيات هوية”تستخدم في الصراع،وهنا يتماهي المفهوم مع الايديولوجيا بمعناها السلبي أي تزييف الوعي.ويمكن اثبات ذلك بسهولة حين نرجع للقواميس والمعاجم،لنكتشف الطابع الميتافيزيقي الذي يجعل المفهوم لاتاريخي(ahistorical).ويلازم المفهوم خصائص دينية وفلسفية تؤكد علي المقدس والدائم والمتسق أي غير المتناقض.

في المعاجم القديمة “الهوية” تعني الذات،ويفسر ذات الشئ:حقيقته وخاصيته.وفي المعاجم الحديثة،يعرّفها(يوسف الصديق)في قاموس(المفاهيم والالفاظ في الفلسفة الحديثة):” ما يعرّف الشئ في ذاته دون اللجوء الي عناصر خارجية لتعريفه،وتستعمل ايضا للدلالة علي الجوهر والماهية،وعند المتصوفة هي :الحق المطلق الذي يحتوي علي كل الحقائق احتواء النواة علي الشجرة في الغيب المطلق“.

أما في المنطق فهي تشير الي معنيين:

أ‌التساوي أو التشابه المطلق بين كمّين أو بين كيفين وهنا تعني التوافق.
ب‌أن يكون الشيء ثابتا لا يتغير بما يعتريه أو يعتري ما يحيط به وهنا تعني الثبوت.(ص115 بلا معلومات بيبلوغرافية).
رغم أن المشتغلين بالموضوع هذه الأيام هم من الاكاديميين والكتاب والصحافيين والسياسيين أي نخبة المجتمع وعقله،إلا أنهم أهملوا تماما تقديم تعريف لما يريدون مناقشته.وهذا منهي الاستخفاف بالعقول وتكريس للفهلوة في ميادين المعرفة والفكر.فهؤلاء يصفون”الهوية”ولا يعرفّونها ثم ينطلقون بلا كابح في “اللغلغة”.هناك فرق بين الوصف(description) والتعريف(definition)
رجاء أيها العباقرة عرفوا ودققوا في المفاهيم،ثم بعد ذلك عيروا كما يحلو لكم.
(
نواصل).