د. زهير السراج * زادت حدة الصراعات القبلية واتسع نطاقها وارتفعت وتيرتها فى الفترة الأخيرة  بشكل لم يحدث فى تاريخ السودان الحديث،

كما غابت تماما جهود الوساطة والصلح التى كانت تعتمد فى السابق على (الجودية) وجبر الضرر بالطرق التقليدية بدون اللجوء الى الأشكال القانونية العادية التى تصب المزيد من الزيت فوق النار ..  

 

* كانت الحكومة على أرفع المستويات حاضرة بشكل دائم فى جهود الوساطة والصلح سابقا، غير أنها غابت تماما فى السنوات الأخيرة وتعمدت الغياب، بل صارت جزءا من الصراع القبلى بانحيازها لاطراف ضد اطراف أخرى .. إما لنشر الفرقة اعتمادا على السياسة الاستعمارية القديمة (فرّق تسد)، أو بغرض التطهير العرقى لقبائل معينة تعارض النظام بسبب سياساته العنصرية العدائية تجاهها ومحاولاته للقضاء عليها ..!!  

 

* وما يزيد الطين بلة، ان حدود السودان، خاصة الغربية صارت مفتوحة بالكامل، تحت سمع وبصر النظام، لقبائل من الدول المجاورة للهجرة بكامل عدتها وعتادها العسكرى الى السودان، والمشاركة فى النزاعات الدائرة بتشجيع ووعود من النظام بتحقيق مكاسب، معتقدا ان ذلك يُسهّل عليه حل مشكلة التمرد بالقضاء عليه .. وهو ما قد يحدث فى بادئ الأمر ولكنه حل مؤقت وغالبا ما ينتهى بتمرد هذه القبائل نفسها على النظام إذا لم يتحقق النصر أو لم تحصل القبائل على المكاسب التى وُعدت  بها أو كانت المكاسب دون الطموح المطلوب .. وهو ما حدث بالفعل خلال العام الماضى الذى شاركت فيه قبائل من أفريقيا الوسطى وتشاد فى الحرب ضد قوات الجبهة الثورية ولكنها هُزمت فتحولت الى عصابات تهاجم المدنيين وتنهب ممتلكاتهم ومواشيهم فساهمت فى نشر الفوضى والاقتتال على نطاق واسع بدلا من تحقيق الامن الذى سعت اليه الحكومة ..

* أو ما حدث من تمرد، يعرفه الجميع، لمجموعات من الجنجويد بقيادة موسى هلال عندما أخلفت الحكومة وعودها لهم فصارت مهددا حقيقيا للأمن بإقليم دارفور وللنظام نفسه، أكبر من التهديد الذى يسببه التمرد وأعادت مشكلة دارفور الى دائرة الضوء الدولية التى غابت طويلا، وهو نفس المصير الذى ينتظر النظام إذا عجزعن الايفاء بالمستحقات الضخمة للقبائل التى يستعين بها فى مكافحة التمرد أو السيطرة على الأمن، سواء فى ولايات دارفور وكردفان أو ما يسمى بقوات حرس الحدود وقوات الدعم السريع، أو فى العاصمة والمدن الكبرى حيث تتمركز القوات الأمنية الخاصة التى يقدر عدد أفرادها بين 20 – 30 ألف مقاتل الذين يحصلون على امتيازات ضخمة أصبحت عبئا ضخما على كاهل الحكومة مع الأزمة الاقتصادية الطاحنة التى تواجهها البلاد ..!!

 

* غير ان الأسوأ من ذلك هو اتساع نطاق الصراعات القبلية، كما أسلفت، حتى بين أبناء العرق الواحد مثل الرزيقات والمعاليا، والمسيرية والرزيقات .. إلخ، وهى صراعات قديمة، كما نعرف، ولكن الخطورة انها صارت أسرع وتيرة وأكثر حدة وأوسع نطاقا وأعظم ضررا، مع انعدام مجهودات الصلح الأمر الذى ينبئ بدخول البلاد فى مرحلة حرب أهلية واسعة النطاق يستحيل السيطرة عليها وهى اول مظاهر (الصوملة) التى تكون فيها الكلمة للوردات الحرب وتجار السلاح والتدخل الدولى المشروع وغير المشروع. 

 

* عندما زرت الولايات المتحدة الأمريكية بدعوة من وزارة الخارجية الامريكية إبان أزمة دارفور فى عام 2005 باعتبارى أحد الصحفيين القلائل الذين زاروا كل ولايات الأقليم فى اوج الحرب وكتبوا عنها الكثير من المقالات، إلتقيت فى مقر مجموعة الأزمات الدولية بمجموعة من الخبراء فى شؤون أفريقيا والسودان، وظللنا خلال اللقاء الذى امتد لاكثر من ثلاث ساعات نتناقش حول احتمال تطور الأزمة الى حرب أهلية شاملة، وخلصنا الى وجود مؤشرات عديدة إذا اجتمعت سويا فان الحرب الأهلية واقعة لا محالة، وهاهى  البلاد فى طريقها نحو الحرب الأهلية بسبب السياسات والممارسات الخاطئة للانقاذ التى كان أحد أهم الشعارات التى رفعتها وعملت بقوة من أجل تحقيقها هو (أنا أو الطوفان) ..!!