حوار: محجوب محمد شريف - مجلة الحيـــاة – عام 1969  هذا الحوار أجراه الراحل محجوب  شريف مع الأستاذ الشهيد محمود محمد طه عام 1969 لمجلة الحياة، وهو حوار وان كان مرتبطا باحداث تلك الحقبة وبعض شخوصها إلا انه حوى حديثا عن الفكر والفن والشعر والادب .

(س) الأستاذ محمود.. حدثنا عن طفولتك وشبابك الباكر وعن غايتك في الحياة.

(ج) طفولتي كانت عادية وليس بها إلى الآن من الأهمية ما يجعلك تشغل بها القراء. وشبابي الباكر كان متجها إلى ما أنا عليه الآن من فكر وعمل وغايتي في الحياة، الحرية لي ولسواي.

(س) هل تواجه أي مضايقات أو متاعب بوصفك رئيسا للحزب الجمهوري؟

(ج) المشاكل التي أواجهها هي أنني دون المستوى اللازم لرئيس الحزب الجمهوري، وهي مشاكل تتذلل كل يوم بفضل الله ثم بفضل عداوة الجهلاء.

(س) ماذا تطالع هذه الأيام؟

(ج) أطالع بعض الصحف المحلية وقليلا من الغربية وأقل من المجلات العربية.

(س) أي ساعات اليوم أحب إليك، وهل تمارس هوايات معينة؟

(ج) ساعات الليل.. وفي الثلث الأخير منه بصورة خاصة.. والهواية التي أمارسها هي قيام الأسحار.

(س) أزهري.. الامام.. ايهما أفضل لرئاسة الجمهوية؟ ليس بالنسبة لك ولكن بالنسبة للغالبية التي ستشترك في الإختيار. ومن هو البديل الأفضل حاليا؟

(ج) ليس بينهما فضل. ولكن أزهري أقل ضررا من الهادي لمجرد أن الهادي يعامل بتقديس أكثر مما يعامل أزهري. والله المسئول أن يهب للشعب من هو خير منهما وأبقى.

(س) ما رأيك في استقالة ديجول؟ وكيف تلقيتها؟ وهل تتوقع أن تتغير سياسة فرنسا وخاصة تجاه الشرق الأوسط؟

(ج) رحبت باستقالة ديجول لأنني أعتقد أن سياسته كانت خطأ فان محاولته الطموحة عزل بريطانيا وأمريكا عن اوربا تعطي الإتحاد السوفيتي فرصة ليرجح كفته على كفة الغرب فيختل توازن القوى القائم اليوم وتكون أول نتائج مثل هذه السياسة بلشفة أوربا بما فيها فرنسا وكان ذهابه نتيجة إستفتاء. ولكنه كان معتدا بنفسه إلى درجة أعجلته عن أن الشعب يدرك خطورة الإستفتاء في أمر غير ذي خطر ولا أهمية.. وما أعتقد أن سياسته نحو العرب كانت عليها صداقة للعرب كما يظن كثيرون.. وأعتقد أن سياسة فرنسا ستتغير ولكن مع الوقت.

(س) ما هي نظرتك للعمل الفدائي مثلا في “فتح” وما هي أقصى الانتصارات التي يمكن أن يحققها.

(ج) العمل الفدائي من شعب فلسطين المشرد عن أرضه عمل طبيعي ولكنه جاء بعد أوانه بزمن طويل، وأقصى الانتصارات التي يمكن أن يحققها هي إثارة الإعزاز في شعب فلسطين وإعادة الكرامة إليه ثم جعل الحل السلمي ممكنا مع بقية كرامة العرب.

(س) هل يمكن التنبؤ بمستقبل العالم من خلال الظروف الراهنة؟

(ج) الظروف الراهنة في حياة العالم تمثل فترة المراهقة التي تصحب حياة الفرد. وطور المراهقة طور قلق واضطراب وتحول وهو يقف على أبواب الرجولة فاذا اجتازه الفرد بسلام دخل عهد رجولة واستقرار وأنا شديد اليقين بأن العالم اليوم على أبواب النضج والإكتمال وهو يبحث عن مدنية جديدة بها يحقق الجمع بين الاشتراكية والديمقراطية مع فتح الباب على تحقيق الفردية حيث بتحقيق الفردية يتم السلام في داخل بنية كل فرد بشري فإذا حقق كل منا مع نفسه السلام فإن العالم يعيش في سلام وبذلك ينتهي لعهد الرجولة والإكتمال، وهو حظ هذا العالم في المستقبل القريب إن شاء الله. ومن أجل هذا فإني أبذل ما أبذل في بعث الاسلام لأن بالإسلام يتحقق السلام في بنية كل فرد وفي المجتمع في آخر المطاف.

((س) ماذا تري في حيثيات القاضي عبيد النقر وشكوى وزير العدل وقرار محكمة الإستئناف؟

 

((ج) الوجهة الصحيحة هي ألا يكون القانون سوط عذاب وإنما يكون أداة اصلاح.. وهذا ما منه بدأ القاضي عبيد وهذا يعني أن يكون الإصلاح سالفا والقانون تابعا.. به يستعان على التقويم، على غرار المثل العامي عن الأطفال فإنا نقول “شبعوهم وطبعوهم” وهذا ينطبق على الشعب.

 

تطبق القانون حكومات فاشلة فاذا رجل كعبيد نبهها إلى تقصيرها، فإنها تضيق ذرعا به، ومن هنا جاءت شكوي وزير العدل فإن حكامنا لتقصيرهم ولحرصهم على الكراسي لا يحبون إلا من يزين لهم سوء عملهم.. وأعتقد أن شكوى الوزير ظاهرة رديئة من ظواهر تدخل عهودنا الوطنية في حرمة القضاء فقد كان الواجب أن يستأنف بالطرق المشروعة وأعتقد أن موقف محكمة الاستئناف المدنية العليا لم يكن سليما، على الأقل من الناحية الشكلية فإن نقل القاضي بهذه الصورة المستعجلة وبمجرد أن اشتكي وزير العدل يوحي للشعب بسقوط كرامة القضاء أمام السلطة التنفيذية لا سيما وأن الناس قد عاشوا أزمات متصلة بين القضاء و[بين السلطة] التشريعية والتنفيذية من جهة أخرى وكانوا دائما يرون أن حرمة القضاء تعرضت للمهانة.


(س) ما رأيك في نتيجة الدخول للمدارس الوسطى؟

(ج) كان المستوى منخفضا وبخاصة الحساب.. وأعتقد أن من أهم الأسباب كبر حجم الفصول مما يجعل المدرس غير قادر على التوجه لكل تلميذ بالتفهم كما يحصل عادة لو أن عدد الطلبة كان في الحدود التي كانت مألوفة على العهود السابقة والسبب في كبر حجم الفصول عجز الحكومة عن إعداد فرص التعليم مع محاولتها الظهور بمظهر القادر.. مجرد مغالطة سياسية.

 

(س) ما رأيك في تحضير الأرواح؟


((ج) الأرواح علوية – ملائكية – وتتولى الإرشاد للخير، وسفلية – شيطانية – وتتولى الإرشاد للشر.. فتحضير الأرواح العلوية لنتعلم منها أسرار الله غير ممكن بأساليب تحضير الأرواح المعروف ولكن الممكن هو تحضير الأرواح السفلية.. وهذه لا خير فيها.. وتحضير أرواح الأموات معرض لتدخل الأرواح السفلية فيه – ومن ثم لا يرجى منه خير ويجب ألا ينشغل به رجل جاد العقل

 

. ((س) لم توافق لجنة الفتوى بالأزهر على تقديم مسرحيتي “عمر ابن الخطاب” لعلى أحمد باكثير “والحسين” لعبد الرحمن الشرقاوي ماهي وجهة نظرك؟

 

(ج) تمثيل شخصيات عظماء الاسلام يجيء منه خير كبير للنشء والتمثيل من أنجح وسائل التعليم الحاضر ومن أشدها تأثيرا على الناس، ولكن يجب أن يكون محتوى ما يجرى تمثيله محتوى جيدا وصادقا وجادا، ويجب أن يكون الحوار رصينا وأن يكون الممثل شخصية جادة ذات خلق وفكر واستقامة، وأن يجري جو التمثيل كله على سمة الجد الذي لا هزل فيه ولا تبذل فإن كان ذلك ممكنا فإنى اعتقد أن التمثيل يجب أن يسمح به وأن يشجع.

(س) هل تسمع الإذاعة أو تشاهد التلفزيون وما هو انطباعك عنها؟

(ج) أنا لا أسمع الإذاعة إلا نادرا ولا أشاهد التلفزيون وأعتقد أن الإذاعة لا تقول ما يجب أن يقال.. هي على الأقل تخفي عن الشعب من الأخبار الداخلية ما يسمعه عن بلاده من إذاعة لندن أو حتى عن إذاعة إسرائيل.

(س) ما رأيك في هؤلاء: أم كلثوم.. نزار قباني.. جيفارا..؟

(ج ) أم كلثوم لا أسمعها كثيرا حتى أكون عنها رأيا وحيث يتيسر لي أن أسمعها فان صوتها يلذني. وأما نزار قباني فإني أيضا لا أقرأ له.. ولكنني أظنه شاعرا مبتذلا ولا يعجبني رأيه في المرأة. وأما جيفارا فأراه ثائرا أصيلا وفيا لفهمه الإشتراكي حيث تخطت ثوريته الحدود الوطنية المألوفة. ولقد هام الشباب به ولكننى أظنه نموذج خطأ للشباب الثائر في مستقبل الأيام.. إذ أن الثورية يجب أن تقود للحياة في سبيل الإنسانية لا الموت في سبيل الإنسانية.

(س) ما هي نظرتك تجاه الفن والموسيقي؟

(ج) الفن والموسيقي من أرقى وسائل ترقية الشعور الانساني ولكنها قريبا من خطر أن يتخذا وسيلة من وسائل اللهو وتزجية الفراغ. وأعتقد أن خير استعمالها يجيء بعد أن يقيم الانسان لنفسه في نفسه ميزانا به يزن قيم التراث البشري جميعه ليستطيع أن يتوصل إلى ترقية حياة فكره وحياة شعوره وهذا الميزان يقام في النفس عن طريق تجويد العبادة وبعث لا إله إلا الله في العقل والقلب.. فاذا جود الانسان العبادة أولا ثم أقبل على الفن والموسيقي فإنهما نعم العون على ترقية الفكر والشعور أما قبل ذلك فإنهما من أدوات اللهو والهوى وتزجية الفراغ أو أنهما إلى ذلك أقرب منهما إلى تجديد حياة الفكر والشعور.

(س) ماذا تعرف عن هؤلاء : أمين زكي – الفاضل سعيد – عبد اللطيف خضر؟

(ج) لا أعرف عنهم ما يكفي.

(س) هل كان أو مازال لديك أي أهتمام بالأدب؟

(ج) أنا دائما مهتم بالأدب.. كنت وما أزال ولكني أعتقد أن الأدب هو ملكة التعبير عن النفس المؤدبة. النفس المؤدبة هي النفس التي حققت السلام في داخلها.. فالأدب صحة داخلية تسيل في الكلمة.. أما الأدب الذي يمارسه الكتاب والشعراء ولا يتقيدون فيه بالخلق ولا بالصدق فلم أهتم به وأضع نفسي ضده وأعتبره من آفات الفكر والخلق، وأرمي إلى تخلص الشباب منه.

(س) الأغنية والحرف المكتوب سلاح في المعركة، ما رأيك؟


(ج) العبرة بالمحتوى وبالايمان وراء العبارات الذي تتحدث العبارات عنه. وأعتقد أن سلاح المعركة الفكر الصافي والشعور الصادق فإن كان صاحب الأغنية والحرف المكتوب يصدر عن فكر وشعور كان قوله سلاحا وإلا كان هراء ضارا..