سيف الدولة حمدناالله ببرنامج بعد الطبع سألت المذيعة الشابة الصحفي الهندي عزالدين: ما رأيك فيما يتردد بالشارع السياسي عن قيام سلطات الأمن بفض ندوة سياسية في اليوم التالي لقرار الرئيس الذي قضى ببسط الحريات؟

قال الهندي : “الشعب إنتظر 24 سنة عشان يمنحوه حريته ما قادر ينتظر 24 ساعة حتى تصل التوجيهات المكتوبة لجهات التنفيذ؟” ثم مضى يقول ” الحزب الذي  حاول إقامة الندوة إستعجل في إقامة الندوة، لأنه الزول إذا طلب سندوتش في المطعم ينتظر ربع ساعة حتى يتم تجهيزه، ثم أنه الرئيس نفسه لم يكن مضطر لمنح هذه الحريات مثلما كان الوضع في سبتمبر الماضي، فالحكومة تحقق إنتصارات في ميدان الحرب والوضع الإقتصادي في إنفراج ..” إنتهى

برغم الصدمة في حديث هذا الهندي إلاّ أنه يعكس الحقيقة في كون الرئيس هو الذي تعطّف على الشعب ومنحه القدر الذي يحدده من حقوقه، فما حصل عليه الشعب هو مكرمة رئاسية، والذي يمد يده ويقبل الصدقة لا يمكنه تحديد نوعها ومقدارها وعليه أن يأخذها من سُكات.

وفي تقديري أن النظام قد كشف حقيقة أصحاب الملافح الذين إجتمعوا في قاعة الصداقة ليتحدثوا بإسمنا – نحن الرعايا – وكأننا ناقصين بلاوي، فكل هؤلاء عطالى وطلاّب سلطة وأثبتوا أنهم كانوا على “الهبشة” في إنتظار مثل هذه السانحة ليلحقوا بالمولد قبل أن ينفض.

لا تصدقوا أن واحداً من المؤتمرين قد فكّر في مصلحة الشعب والوطن، لا الوطني ولا الشعبي ولا الدقير ولا بتاع اللجان الثورية (كيف عجز هذا الرجل عن تدبير شخصين ولو من أولاد الجيران ليُكمل بهما الثلاثي المطلوب لوفد حزبه!!). فالشعب وقف على حقيقة أن ما كان يصرخ به كمال عمر وإبراهيم السنوسي والترابي هو مناورة وتصدر من طرف اللسان، فالكوز كوز، فقد بصم الترابي للبشير على بياض ورشّحه ليقوم بتعيين أشخاص آلية التفاوض، وليس في هذا جديد على أتباع المؤتمر الشعبي، فهم أرباب سوابق وذوي خبرة لا تُضاهى في إقتناص الفرص للحاق بالعربة التي تحمل الكنز. (فعلها محمد الحسن الأمين والحاج أبوساطور ..الخ).

الوصف الصحيح للحوار الذي يجري بين الأحزاب هو أنه عملية “غسيل” لحكومة الإنقاذ بما يُكسبها الشرعية الشعبية، وبما يحقق “تبييض” الجرائم التي أرتكبها النظام ومحاسيبه ومسحها بإستيكة، وبما يضمن لهم أن ينفدوا بجلدهم من الجرائم التي إرتكبوها في حق الشعب والوطن، ويضمن لهم الإحتفاظ بالأموال التي نهبوها ويمضوا بها هكذا بلا سؤال ولا محاسبة، وهي تمثيلية مُدبّرة يُقال لها بلغة الشوارع “ملوص”، يقوم المشارك فيها بتمثيل دور المشتري في عملية الإحتيال، فيتظاهر برغبته في شراء البضاعة المضروبة فيقوم بالمزايدة في السعر بما يُقنع الضحية بأنها بضاعة لقطة وتستحق الشراء، وعندما تتم البيعة ينصرف لينتظر شريكه المحتال في ناصية الشارع ويقتسم معه حصيلة الجريمة.

ليس من بين الذين شاركوا في هذه المسخرة من لم تكن له يد في بؤسنا وظلمنا وقهرنا وتشريدنا، فمن أي جحر خرجت هذه الأحزاب بهذه الكمية وهي تحمل أسماء البصات السفرية !! وأي حوار الذي تنفرج به أزمة الوطن وهو يجري بين الذين أوقفوا حاله وتركوه شبر من القبر، وكيف يعهد للقاتل مواساة أهل المقتول!!

كيف ينتظر الشعب الفرج من الدقير وغازي والترابي وأبوقردة ومسار وموسى محمد أحمد والزهاوي ..الخ وهم الذين أسّسوا لهذا الطغيان وجهزوا له السكين التي يجز بها عنقنا !! وأيّ إهانة ومهانة واستخفاف بالشعب أن يكون من بينهم مومياء تمثل الحزب الذي خرج عليه الشعب في ثورة أبريل الخالدة !!.

تخطئ الأحزاب التي قاطعت هذه المبادرة بإشتراطها إلغاء القوانين التي تقيد الحريات كسبب للإنضمام لهذه الزفّة، فليست هناك قيمه لنصوص القانون مهما بلغت عدالتها إذا عُهد بتطبيقها لشرطي أرعن، فليست العبرة بعوار القانون أو صلاحه، فدستور الإنقاذ الحالي الذي تستباح فيه حقوق الشعب وحريته يتضمن من النصوص بمثلما يقول به الدستور الأمريكي و الفرنسي إن لم يكن أفضل منها.


الشعوب لا تُمنح حقوقها على ورقة كرّاسة، فحتى قيام الثورة الشعبية بمصر، كان يحكمها – على الورق – دستور يكفل كل الحقوق والمبادئ يستلزمها قيام الدولة الحديثة، ومع ذلك، كان المواطن المصري يتلقى ضربة على قفاه من العسكري النفر قبل أن يعرف سبب حضوره للقسم ولا يستطيع أن يفتح فمه بكلمة، ولم يكن في مقدور أشجع قاضي في مصر أن يحكم ببطلان قرار إداري لرئيس وحدة محلية يصدره واحد من أبناء الحزب الوطني.

وحينما قامت الثورة، إستعاد الشعب المصري حريته وحقوقه دون أن يكون هناك دستور مكتوب من الأساس، وإستطاع القضاء المصري القيام بدوره في حماية الحريات والحقوق الدستورية، ويشهد على ذلك إبطاله المراسيم الجمهورية التي أصدرها الرئيس محمد مرسي بتقييد سلطات القضاء.

هذه خيانة للوطن ولدماء شهدائه من أبنائه وبناته الذين قدموا أرواحهم بطول الوطن وعرضه من أجلنا، فضحايا الإنقاذ لا يزالون يرزحون في آلامهم وعذابهم من ضحايا التعذيب والمفصولين من الخدمة والمشردين بنواحي المعمورة، فلترجع هذه الثعابين لجحورها، ولن يحدث ذلك بغير خروج مظاليم النظام لينتزعوا حقوقهم بأيديهم، لتشرق شمس الحرية من جديد، ونبدأ في جرد الحساب.

لا بد من الإشارة هنا إلى حقيقة هامة حول النصوص التي إبتدعها النظام والتي جعل بموجبها الجريمة تسقط بالتقادم بعد مضي خمس سنوات على إرتكابها، وهو يهدف لإفلات مفسديه ومجرميه من المحاسبة بعد سقوط النظام، وليست هناك مشكلة في معالجة هذه الثغرة بإبطال هذه النصوص حينما يأتي الوقت لذلك، بيد أن ما يحتاج لمعالجة من تنظيمات المعارضة هو أن تعكف على دراسة الوسيلة التي تضمن ملاحقة الأموال والأصول والعقارات التي يتخلص منها لصوص النظام ببيعها أو نقلها في أسماء أشخاص آخرين، ومن ذلك إعتبار كل تصرف من هذا النوع بواسطة مجرمي النظام قرينة على علم المشتري بعدم مشروعية تلك الأموال وجواز مصادرتها وإعادة ملكيتها للدولة”.

saifuldawlah@hotmail.com