اماني ابوسليم              نسمع ان فلانا من الشخصيات العامة او حتي غير المعروفة ينادي و يدعو الي افكار او قيّم او مبادئ و لكن دائماً ، و ليس ابداً، تجده يدلقها علي الاعلام و بيته جاف منها،

ينادي بها في المحافل، و ابكم عنها في بيته، و يغني لها في مسارح العرض و بيته كئيب لا يعرف صوت الغناء. وهو الفرق بين الاعجاب بالافكار حد قولها او حتي التسويق لها، و بين الايمان بالافكار حد العمل بها و تطبيقها في الحياة متي جاء وقت صِياغها. احيانا ينشط البعض في الترويج لأفكارٍ منتظرين ان يقوم بها الآخرون ليكتسبوا منهم الشجاعة فيقدموا، ان اقدموا، علي ما اعجبوا به، و منهم من يروّج لها من اجل الحديث لا اكثر، و منهم من ينساق وراء الاعجاب و التقليد دون صدق او ايمان فتسكن الافكار عندهم الاسطح فسرعان ما تطير بها اضعف الرياح مع دوران الحياة، فتجدهم مبدليها بما جدّ بريقه و لمع.

لا صادق من غني للشعب و لم يغنِي لبيته و لا ثائر من جاهر برأي علي الملأ و صمت عنه في داره، لا مؤمن من نادي بالالتزام و سكت عنه حين نِزال.

محجوب شريف قالب نموذجي، للاخلاق التي لا تتجزأ، في الموقف الشخصي و النفسي و الوطني و الشعبي، حر؛ ثائر، ملتزم، مؤمن، متكامل الاخلاق واصلا الحد في كل مكوِن لها. هو محجوب عن المداهنة و الشين و شريف حين الاقدام و الالتزام في البيت و الشارع و العمل العام و في كسب عيشه و النضال، و حين الاعتقال و في العافية و المرض. لذا تجده متوازنا، صابرا، مقداما، يعمل ما يؤمن به و خياره واضح امامه يسير فيه بلا تردد و لا يخاف الزمان لأنه يعيش عدِلاً فيما قضي به في بيته و خارجه، و حالة العدل عنده تحقق التوازن الذي يساند ايمانه و اقدامه وعمله بما صدّق فتطابقت سريرته مع جهره وما هو عليه في بيته مع ما هو عليه خارجه.

محجوب شريف صدق في حب بيته الصغير و بيته الكبير فكسب التوازن و العدل، رعي بلاده كما رعي بيته و رجا الخير لشعب بلاده كما رجاه لاهل بيته. بني بيته بالقيم النبيلة الخالصة من شوائب ضعف الانفس. بث فينا علي مدي عقود، الامل و روح المثابرة و الطموح و مد اليدِ للبلد فلا بناء لبلد بغير ايادي اهلها و لا طموح يتحقق بلا تضحيات و لا ايمان بغير قوة و لا تبديل لمبدأ الخير مهما تغيرت الظروف و مهما تكالبت الاوجاع و مهما كبر و نما الشر. محجوب شريف رجلٌ دولة قام بما تقوم به الدول الحرة المؤمنة بشعوبها و بلادها و القيم النبيلة. ناضل لابقاء الروح الوطنية معليّا و رافعاً من الامال و الطموحات و الحلم بوطن يسع الجميع، يكفي الجميع، يذكر الجميع، يداوي الجميع، يعلِم الجميع. و لم يقف عند الحلم بل دعمه بالعمل فقام بالمبادرات التي دعمها برصيده من الخُلق الجميل و ايمانه بالخير، رعي، كما ترعي الدول الطامحة لخير شعوبها و العاملة لاجلهم، المشردين و الارامل و المرضي و المحتاجين. فالفرق بين تمني تحقيق الامال او الاعجاب بافكار و بين العمل بها هو الايمان بامكانية تحقيقها و ان المرء جزء اصيل من هذه الامكانية بفاعلية المشاركة و الدفع للامام. و هذا ما كانه محجوب شريف  في عامه و خاصه، مربٍ و معلم، بالبعدين العميق و العريض لمعناهما.