نبيل أديب كان خطاب الرئيس يوم الأحد الماضي خطوة للأمام، ولكن ما قام به جهاز الأمن بعد ذلك مع حركة الإصلاح الان وصحيفة الميدان يجعلنا نعيد التفكير في النسيج المختلط المكون من دستور ديمقراطي ديكوري يزخرف واقعنا القانوني،

وقوانين قمعية تسود واقعنا المعاش. المسألة لا تقف عند القوانين القمعية فالتقاليد السلطوية التي رسختها النظم الإستبدادية التي تعاقبت على السلطة في بلادنا، حررت سلطة الدولة من كل القيود القانونية، على ضعف تلك القيود، وهكذا أصبحنا دولة لها دستور ولكنها تفتقد الدستورية، ولديها قوانين ولكنها تفتقد الشرعية. و أول ما يمكن التعرف به على الأنظمة السلطوية هو أن سلطات الحكومة في تلك الأنظمة تتماهى حتى تبتلع سلطات الدولة و أجهزتها، في حين تظل أجهزة الدولة في النظم الديمقراطية تمارس سلطاتها تحت توجيه الحكومة لتحقيق مصالح الدولة.  

الحكومة تعنى السلطة السياسية القائمة فى فترة محددة ، في حين تعنى الدولة الأجهزة الدائمة التي تمارس بواسطتها الحكومة القائمة فى زمن معين السيادة على الشعب والإقليم . وهذه الأجهزة الدائمة ـ ومن ضمنها جهاز الأمن ـ يجب أن  تتميز بالحياد تجاه الحكومات المتعاقبة من جهة، وتجاه التكوينات السياسية القانونية داخل إقليم الدولة من الجهة الأخرى .وحياد الجهاز تجاه التكوينات السياسية القانونية ضرورى لممارسته لمهامه كجهاز من أجهزة حماية الدولة يتعاون معه الجميع مما يسهل للجهاز أداء مهامه من جهة ويزيل الفهم المغلوط لوجود تعارض بين حماية الأمن الوطنى والحريات العامة من جهة أخرى.

 

الدولة هي مجموع الأجهزة التي تمارس السيادة على إقليم، مما يستلزم بالضرورة إحتكارها لممارسة العنف القانوني أو الترخيص بممارسته، لكونها مسئولة عن حفظ الأمن وتنفيذ حكم القانون، ولكن ذلك يستلزم أن تبقى خارج الصراع السياسي الحزبي تماماً. والثابت هو أن ندوة حزب الإصلاح الآن، وعدد الميدان الذي تمت مصادرته لا يمكن أن يكون من شأن أيا منهما المساس بالأمن الوطني، ولا أمن الدولة، لأنها أنشطة خطيرة لا يصح منعها فحسب، بل تستلزم بالضرورة تقديم المتورطين فيها للمحاكمة.

و الدولة حتى فى سعيها لحماية أمنها تخضع لعدد من القيود المنصوص عليها فى الدستور وفى القوانين الأخرى، والتى لا يجوز لها تجاوزها، لذلك فإن للدولة أن تحقق أمنها بإستخدام الوسائل المتاحة قانوناً ،لمنع لكل ما يهدد سلطتها القانونية بشكل غير قانوني. والحكومة القائمة أيضاً لها أمن تعمل على المحافظه عليه ،وهذا الأمن يهدف للمحافظة على بقائها في السلطة ومنع كل ما يهدد ذلك. ولكن في حين أن الأنشطة التي تهدد الأمن الوطني وأمن الدولة هي بالضرورة أنشطة غير مشروعة مما يستلزم تدخل أجهزة الدولة لمنعها، فإن الأنشطة التي تهدد أمن الحكومة ليست كذلك، ولذلك فإنها تظل خارج دائرة إهتمام أجهزة الدولة والقانون. بقاء الحكومة في السلطة رهين بقبول الشعب لذلك، وبالتالي فإن حماية أمنها يكون فقط بواسطة مؤيديها، ومن خلال وسائل سياسية و دعائية لإقناع الناخبين بصحة سياساتها. إن إتخاذ الجهاز لقرارات تمنع أنشطة ذات طبيعة شرعية، ومتصلة بممارسة معارضين لحقهم في معارضة الحكومة، دون حاجة حتى لتوضيح سبب المنع، توضح إفتقاد أجهزة الدولة للحيادية المطلوبة.