د .زهير السراج * جاء القرار الجمهورى الأخير بتنظيم النشاط السياسى للاحزاب ليؤكد أن الرئيس البشير هو  الدولة والقانون وكل شئ فى البلاد، وما عداه من قوانين ومؤسسات وأفراد مجرد  خيالات مآتة لا اكثر من ذلك.

* لو أخذنا هذا القرار من حيث الشكل (بدون التعرض للمضمون) لاكتشفنا بسرعة انه يؤكد أن البشير هو القانون الذى يمنح او يمنع الحريات او اى شئ آخر فى السودان والدليل هو تنظيم النشاط السياسى بقرار جمهورى وليس بقانون تصدره الهيئة التشريعية كما جرى العرف والقانون ..!! 

* ولو تناولنا مضمون القرار، لاكتشفنا من الوهلة الأولى انه يقيد النشاط الحزبى بأسوأ مما كان وليس العكس، والدليل هو الآتى: 

* أولا، المادة (2، هـ) من القرارالتى تنص على: “يجب أن ينحصر النقد الذي توجهه الأحزاب السياسية في سياق الحراك السياسي على السياسات والبرامج الحالية والمستقبلية على لا يمس ذلك الجوانب الشخصية لقيادات الأحزاب أو رموزها بأي حال من الأحوال ”  

*هذا المادة وحدها كافية لتؤكد مصادرة النظام للعمل الحزبى كأحد أهم مكونات العمل السياسى، وتعليبه فى اطار معين لا يتجاوزه ابدا وهو (انحصار النقد على البرامج والسياسات المستقبلية)، وعلى هذا فلا  يمكن للأحزاب أن تنتقد حتى السياسات والبرامج التى حدثت قبل صدور القرار، دعك من توجيه النقد لممارسات الفساد على مستوى الدولة او الأشخاص سواء فى الماضى أو الحاضر أو المستقبل .. أى ان القرار  يحرم الاحزاب من أهم واجباتها وهو تحقيق الاصلاح باستخدام اليات المراقبة للعمل العام وكشف مواقع القصور والفساد .. وهو ما يجعلنا نتساءل ما هو فائدة العمل الحزبى إذا لم يتضمن تصحيح المسار وتحقيق الاصلاح المنشود .. ثم كيف يتدخل القرار الجمهورى أو (رئيس الجمهورية) فى تحديد خطط عمل الاحزاب وبرامجها وماذا تعمل او لا تعمل وكيف تعمل .. إلا إذا كان رئيس الجمهورية هو هذه الاحزاب كلها، فما الداعى إذن لوجود هذه الأحزاب ولماذا تجهد نفسها فى ممارسة العمل الحزبى ولا تتركه لرئيس الجمهورية يقوم به وحده يفعل فيه وبه ما يشاء؟ 

* ثانيا، المادة (3 ) المتعلقة بممارسة الاحزاب لنشاطها داخل وخارج دورها، فهى ترهن ذلك بالحصول على تصديق رسمى من الجهات المختصة، وهى المسخرة التى ظلت قائمة منذ سماح النظام بقيام احزاب سياسية، حيث ظلت تعانى فى الحصول على التصديقات بممارسة أنشطتها السياسية (حتى داخل دورها)، وكان من النادر جدا ان يُمنح التصديق، وحتى عندما يُمنح (كما حدث مؤخرا بالنسبة لندوة حركة الاصلاح الآن فى الجامعة الأهلية بام درمان) فان جهاز الأمن يمنع قيام النشاط الذى مُنح التصديق، ندوة كانت ام اجتماعا ام موكبا ..إلخ، فما الذى أضافه القرار الجمهورى الجديد فى هذا الجانب ؟ 

* ثم المهزلة التى نصت عليها المادة (8، 2 ) بمنع استخدام مكبرات الصوت فى الأنشطة الجماهيرية قرب دور العبادة والمستشفيات ..إلخ، بدون ان تحدد مدى هذا القرب .. وبما ان دور العبادة تنتشر فى كل ركن فى البلد فمعنى ذلك ان الحزب لا يستطيع ان يقيم نشاطا جماهيريا فى داخل المدن، وإلا فإن أى شرطى يستطيع (حسب القانون) أن يعطل ممارسة اى نشاط جماهيرى تُستخدم فيه مكبرات الصوت بحجة وجود مسجد على مقربة من المكان ..! 

* هذا هو القرار الجمهورى الأخير للسيد رئيس الجمهورية حول تنظيم النشاط الحزبى، ورغم ذلك يتهافت المتهافتون على المشاركة والتطبيل لقرارات النظام الذى لا يفتأ يهزا بهم كل حين ويمرمط بهم الأرض وهم راضون قانعون   ..!!