عبد العزيز بركة ساكن   لقد بدا واضحا للكثير من المهتمين بالرواية ان أول رواية عربية هي رواية (وي...إذن لست افرنجي) للبناني خليل خوري أفندي الصادرة في 1859، وليست رواية "زينب" للمصري محمد حسين هيكل التي صدرت في 1914 كما هو شائع.

كما إنها ليست رواية المملوك الشارد لجرجي زيدان الصادرة في 1890. أو رواية سليم البستاني الهيام في جنان الشام (1870م). كما يَعِد الكاتب الليبي الدكتور علي فهمي خشيم أن الأمازيقي  لوكيوس أبوليوس أو أفولاي (125م-170م) صاحب الرواية  الشهيرة الموسومة بـ (الحمار الذهبي)، هو أول روائي عربي!.

يصعب  التوثيق اليقيني لرواية المرأة العربية في عصر تكتشف فيه كل يوم حقائق تدحض سابقاتها، ولكنها على كل حال لم تكن مجهولة تماما ولو  أنه قد  شابها بعض الارتباك نتيجة لإهمال من قبل مؤرخي الأدب.

يعرف في الماضي ان رواية (أروى بنت الخطوب 1949) لوداد سكاكيني، هي أول رواية لسيدة عربية، ولكن رواية (حسن العواقب) للسورية زينب فواز (1845- 1914) الصادرة في 1899 ببيروت كما تؤكد الباحثة د.بثينة شعبان، كانت الرواية النِسْوية العربية الأقدم صدورا وتأليفاً.

 ولا ادري قد أكون على صواب إذا قلت إنَّ الروائية السودانية ملكة الدار محمد عبد الله المولودة بمدينة الأبيض، إقليم كردفان غرب السودان في 18 سبتمبر 1920 هي من الجيل الثاني  للرائدات العربيات اللاحق لزينب فواز، عفيفة كرم، لبيبة هاشم «قلب الرجل»1904 وغيرهن، ولكنها بلا شك الأولى في مجالها في السودان. إذ أنها كتبت رواية (الفراغ العريض) في ما بين (1940-1950) ولو أنها لم تُنْشَر إلا في 1970 أي بعد وفاتها بعام.

وكانت ككثير من الرائدات العربيات الأخريات مثل الجزائرية آسيا جبار (1936) عضو الأكاديمية الفرنسية ومؤلفة رواية العطش (1953) والمصرية نوال السعداوي المولودة في (1930)، لم تكن مهتمة فقط بالأدب ولكنها كانت مهتمة بالتحولات الإنسانية والاجتماعية وخاصة ما يلي قضايا المرأة والطفل في مجتمعها، وما الأدب إلا الحديقة التي تتفتح فيها أزهار أفكارها ورؤيتها للعالم.

وما يميز ملكة الدار أنها كانت تجيد اللعب علي البيانو وبارعة في العزف علي الصفارة، وتغني، وهي أيضا حافظة للشعر وللقرآن الكريم وقارئة له منذ صباها.

بدأت دراستها في خلوة الشيخ إسماعيل الولي بالأبيض، ثم التحقت بكلية المعلمات بأم درمان وتخرجت فيها عام 1935. عملت في التعليم في شتى أنحاء السودان وترقت إلى درجة مفتش مدني بتعليم الخرطوم، وكانت نشطة في مؤسسات العمل النسوي، فهي عضو مؤسس في جمعية الأبيض الخيرية النسائية  وعضو في الاتحاد النسائي وعضو في نقابة المعلمات.

من أهم أعمالها القصصية، (حكيم القرية) وهي القصة التي فازت بالجائزة الأولى في مسابقة الإذاعة السودانية للقصة القصيرة سنة 1947 وقد نُشرتْ أولا بمجلة كردفان ثم أعادت نشرها في مجلة القصة في أول عدد لها في يناير 1960. وفازت قصتها (متى تعودين) بالجائزة الثانية في مسابقة القصة القصيرة التي نظمها ركن السودان بالقاهرة عام 1968م. ولها أيضا قصة موسومة بـ (المجنونة) ثم هنالك روايتها الطويلة الجميلة ( الفراغ العريض) التي قام بنشرها المجلس القومي للآداب والفنون بعد وفاتها وأُخْرِجت فيما بعد  كمسلسل إذاعي مشترك بين ركن السودان بالقاهرة و إذاعة أم درمان.

تحدث عنها النقاد السودانيون والمهتمون بالأدب، ومنهم الدكتور مختار عجوبة، الناقد والروائي المعروف، في كتابه القصة الحديثة في السودان  “أسلوب ملكة الدار أسلوب سردي موشى بعبارات رومانسية تلجأ إلى وصف الطبيعة وتعميق الحدث والمأساة التي يتردى فيها أبطالها الخيرون ولكنهم يتحولون إلى أشرار نتيجة فساد المجتمع”.

وانتبه لبراعتها وتمكنها من أدواتها الفنية  القاص معاوية نور صاحب مجلة القصة: “لست اشك أن ملكة الدار كانت ذات موهبة في كتابة القصة، ولكن الموهبة وحدها لا تكفي، فلا بد من صقلها بدراسة أصول كتابة القصة، ومن دراسة قصص ملكة الدار وجدت أنها كاتبة متمكنة من فنها”.

 

كانت ملكة الدار كغيرها من أبناء  جيلها الرواد في الرواية والقصة القصيرة بالسودان، تنحو منحًى رومانسياً وتعالج بواقعية قضايا مجتمعها ووضعية المرأة وكانت – كما تقول الروائية السودانية بثينة خضر مكي-  “تتحلى بشجاعة فائقة في زمن يرجو الناسُ فيه من المرأة ألا يعلو صوتها وان تتحمل قهر المجتمع الذكوري بصبر ورضاء تام”. تتناول في قصصها وروايتها أيضا وضعية المرأة وصراعها مع اليومي، ورغباتها وخيرها وشرورها، وتحاول ان تبرز الظلم الاجتماعي الذي يلحق بالمرأة، مستفيدة في ذلك من سيرتها الذاتية وبعض المواقف الحياتية التي مرت بها.

تستخدم ملكة الدار اللغة العربية الفُصحى في السرد وفي الحوار أيضا، مما  يخل أحيانا ببنية الشخصيات ويجعلها تتجنب في كتابتها عوالم جمالية تخص الأبطال ولا يمكن نقلها إلا عن طريق اللغة اليومية، حيث لا يوجد مقابل لها بالفصحى، وخاصة الكلمات ذات الدلالات الاجتماعية أو الحركة واللغة الخاصة بالنوع، وانمحت تقريبا الفواصل بين بطلاتها المتعلمات وبطلاتها الأميات في التعبير باللغة إلا ما ندر، إذ  حاصرت نفسها في كهف اللغة الفُصحى مدعومة بثقافتها ومعرفتها العالية بها.

هل نستطيع ان نقول ان ملكة الدار هي الام الشرعية لأدب ذلك الرهط من السرديات السودانيات الآن علي سبيل المثال: زينب بليل، كلتوم فضل الله، بثينة خضر مكي، اسماء عثمان الشيخ، ليلى صلاح، اشراقة مصطفى،سناء جعفر، سارة الجاك، استيلا قايتانو، صباح السنهوري، ليلى ابو العلا، والقاصة التي اغتالها قرار المصنفات الأدبية أناهيد كمال – عليها الرحمة – صاحبة المجموعة القصصية الموسومة بـ”متعة الذاكرة”، وما سوف تنجب حواء من بُنيات حواء الحكايات؟.