رشا عوض كان نهار الأربعاء الثاني من أبريل 2014 م، يوم رحيل "الشريف" محجوب شريف يوما من أيام السودان الحزينة والمهيبة بمعنى الكلمة، رغم أن السودان في ذلك اليوم لم يفقد محجوب شريف بقدر ما كسبه وخلده كرمز وطني وكأيقونة للنضال والثبات على الموقف!

إلا ان لفراق العظماء الساكنين في قلوب شعوبهم طعنة في القلب، أليمة وقاسية.

لقد تجلت عبقرية محجوب شريف – رحمه الله وأسكنه فسيح جناته –  في تلك المقدرة الاستثنائية على توطين القيم النبيلة والمعاني العظيمة والقضايا الكبرى والانتصارات الوطنية في مفردات بسيطة قريبة من وجدان السودانيين وإدراكهم ولكنها متفردة بشاعريتها وموسيقاها، وفي ذات الوقت متعالية متمنعة بإبداع ساحر جعل لعاميتنا السودانية مذاقا حلوا، كما جعلها مسكنا أليفا لقيم السلام والحرية  والاشتراكية، وحقوق المرأة، وتمجيد النضال ضد الدكتاتوريات، وتمجيد الوطن. وبهذا فإن محجوب شريف مشعل من مشاعل التنوير السوداني،

فكل مجتمع يحتاج في مسيرة نهوضه إلى أولئك الذين يبنون بمهارة واقتدار وإبداع جسور الوصال بين وجدانه وكنوز الفكر التقدمي، تلك الكنوز الكامنة في أعماق  الفكر والفلسفة والتجربة الإنسانية المتنوعة والمتعددة، ولكن ما تحويه تلك الأعماق من محتوى تحرري، هو أشواق إنسانية مشتركة، يغنيها كل شعب بلغته وألحانه الخاصة، وينشدها بشعره الخاص، وقد كان”الشريف” محجوب شريف تجليا سودانيا للتفاعل النبيل والواعي مع القيم الإنسانية العابرة لحواجز العرق واللون والدين والنوع والجهة، لقد كان بصمتنا، وصوتنا وترجمان وجداننا،

لقد أسر قلوب الشعب بازدرائه للسلطة التي ازدرت الشعب وأذلته، أعرض عنها بكل كبرياء وجسارة مبديا في ذلك صرامة وحزما:

أديني شهادة فقدانْ وجدانْ وضميرْ اتوفى/ لو إني كتبتَ قصيدة تطقطِقْ اصابعْ حاكِمْ زلفى/ بيناتنا رفعنا ستارَ الكُلفةْ/ وأكلنا سوياً قوتَ الشعبْ/ مِنو الظلماتْ فيهن نِتخفى/ مِني الكلماتْ تبقى مَحَفة/ حَمَلتو عليها يلوح .. يلوح بالمنديلْ/ ولساني بساط احمرْ ممدودْ/ يتمشى عليهو لِحَدت ما يدخل بُستانَ النومْ/ تباً للكلمة بتتسكعْ .. تركَعْ/ تدفعْ أكترْ .. تمدَحْ أكترْ/ تلبَسْ أقصَرْ/ وسط الهالاتْ تعبُرْ صالاتَ الجنرالاتْ وكِبارَ القومْ/ أديني شهادة فقدانْ وجدانْ وضميرْ اتوفى/ في ذاك اليومْ!!!  

صحيح كان محجوب شريف تجسيدا حيا لقول إدريس جماع – رحمه الله –

هين تستخفه بسمة الطفل قوي يصارع الأجيالا

حاسر الرأس عند كل جمال مستشف من كل شيء جمالا

لقد فكرت كثيرا تحت أي عنوان أكتب كلماتي المتواضعة في رثاء شاعر الشعب؟ فاخترت العنوان أعلاه انحيازا لقيمة الاحتفاء بالتعددية، واحترام الآخر المختلف فكريا وسياسيا عبر الاعتراف بمساهماته في إثراء الفضاء العام، اخترت هذا العنوان بالذات لأنني لمست في كثير من الكتابات حول الراحل المقيم محجوب شريف إما نبرة إنكار أو استنكار لربطه بالحزب الشيوعي، وإما نبرة اعتذارية فحواها انه رغم هذا الانتماء شاعر الشعب وملك للشعب السوداني، وكلا النبرتين انعكاس لأزمة العلاقة مع الآخر، حيث نشترط على هذا الآخر مغادرة المنصة التي يقف عليها  لكي نحتفي به،  ولا ادري ما المشكلة في أن نحتفي به حيثما اختار ان يكون؟   لقد اختار محجوب شريف الانتماء للحزب الشيوعي،واحترام هذا الخيار جزء من احترام تجربته.

ولا يمكن ان نختم الحديث عن تجربة محجوب شريف دون التوقف طويلا عند قضية المرأة، ليس فقط في شعره بل في سيرته العملية!

لن أنسى ما حييت تلك السويعات التي قضيتها في زيارته في صيف عام 2011م برفقة زملائي في طيبة الذكر صحيفة أجراس الحرية الأستاذ فائز السليك، والأستاذ خالد فضل، والأستاذ أبو ذر علي الأمين، حيث كانت تلك الزيارة (مسك الختام) لتواصل استثنائي، بدأناه بالرائعة استيلا قايتانو وختمناه بشاعر الشعب! وما كنت أعلم أنها ستكون الزيارة الأخيرة! لا زلت أذكر اننا بعد ان ودعناه وخرجنا، وكعادة السودانيين وقفنا وقتا طويلا نتجاذب أطراف الحديث مع ابنته الأستاذة مي، أبى إلا ان يشاركنا تلك (الونسة على الباب)، ومن ضمن ما حكاه لنا ان احدى ابنتيه كانت تجلس مع زميل لها في الحديقة الصغيرة أمام باب منزلهم، وكان في زيارتهم احد أقاربهم وهو رجل تقليدي، فاحتج على ذلك قائلا: يا محجوب كيف تترك (البيضة) مع (الحجر) فأجابه شاعر الشعب:(بيضتنا دي مسلوقة! الحجر ما بسوي ليها حاجة!)

وهكذا هو محجوب شريف شاعر المرأة بحق، ففي مجتمع السائد فيه إحاطة المرأة دائما وأبدا بالشك والارتياب وسوء الظن، وبينما نحن نكافح في سياق مشروعنا النسوي التحرري من أجل ان نجعل من هذا السائد متنحيا، ونصطدم بصخرة هذا العهد الغيهب الذي أحاط النساء بسوء الظن العريض عبر خطابه واعلامه وقوانينه الجائرة، تتنزل علينا كلمات محجوب شريف بردا وسلاما، وهو بانحيازه للكادحين، وبحسه الأخلاقي الرفيع يمجد نساء المهن الهامشية ويدعمهن ويتفهم وجودهن في الشارع بعقل رجل اشتراكي، وبقلب الوالد السوداني العطوف، فينصرنا على “الجلاد المتربص” الذي يرى في كل امرأة خرجت من بيتها”مشروع منحرفة او منحرفة بالفعل”!   يقول محجوب:

روشتة تخلي الحتة أضيق من ثقب ابيرة/ جيران والحال من بعضو/نيرانهم نار الحمى ضلمة الضل كرتون وحصيرة/ العين والنية بصيرة /وحبال النجدة قصيرة/ من ستة الزول لي ستة بين كارو وبص كركوبة/ ووراهم شفع قصر يرعاهم حس حبوبة/ تتوسد ايدا وتوبا وتتحسس باقي عميرا/ ولذلك انت هنالك! في ركن السوق الشعبي!/بت امك ما بتكوسي دروب الشك والزلة /جربت الكسرة تعوسي/ ما بسمع حسك الا النجمة وديك الحلة/ وعجينك في البستلة/ في ليل الصاج الداكن ترميهو قميرا قميرا/ …….كفتيرة تفك الحيرة/ يابت احسن من غيرا/ حليمة النيمة تلمك في ضلها كتًر خيرا!

إنه شاعر المرأة الذي لم تغفل شاعريته او تتجاهل أيا من النساء المنسيات، فقد خاطب اللاتي لا يعترف لهن أحد بدور في إثراء الحياة بحكمة او تجربة  لمجرد انهن أميات:

عشة وميري مدرسة الحياة المعمورة/ لا كراس ولا سبورة/ لا تقرير سمح رقاكي لا دبورة/ تحي تعيشي لا مقهورة لا منهورة لا خاطر جناك مكسور/ بل مستورة

كما خاطب النساء العاملات اللاتي يرهقهن الدور المزدوج (عبء الوظيفة وأعباء المنزل):

صباح الخير مساء النور/ ياست البيت وست المكتب الفاتح علي الجمهور/ ختم الدولة جنبك هيبة/ قط ما بتقبلي المصرور/حلال وبلال عليك يا أم مرتب بالتعب ممهور/ آخر من تنومي تقومي دغشا بدري قبل الشمس ماتترك سرير النوم ويغادر عشه العصفور/ تحرسيها اللبينة تفور تسوي الشاي ويا لله كم من سندوتش فطور/للممتحنة والبهاتي جاري يحصل الطابور/ وانت وراك مستنيك هم دفتر غياب وحضور!

إنه شاعر المرأة الذي يعيش معها تفاصيل همومها اليومية، ويرافقها في رحلة كفاحها، يعيش آلامها وأحزانها، يناجيها أما مقدسا حبها وممتنا لها:

عارف حنانك لي/ راجل تلوليني/دايما تقيليني/ في العين تشيليني/ ألقاه عز الليل قلبك يدفيني/ ضلك علي مشرور قيلت في سنيني/ انا لو تعرفيني/ لو تعرفي الفيني/ انا كم بحبك كم/

ولكنه يستدرك: ما بركب السرجين/ وماني زول وشين/ يا والدة دينك كم/ دين الوطن كمين!

شاعرها الذي يحتفي  بها ابنة(مريم ومي بنياتي)، وفي مجتمع يخجل رجاله من البوح بحبهم لزوجاتهم ويتبارون في هجاء بيت الزوجية والضجر منه وكأنما الزواج يطرد الحب  نجد محجوب شريف وبعد أكثر من ثلاثين عاما من زواجهما يقول عن  زوجته:

حبتني حبيتا /ربتني ربيتا / وما بطيق النوم برة من بيتا

رحم الله شاعر الشعب الذي ظل يناجي الوطن حتى وهو في فراش الموت، وحتما تظل كلماته التي نظمها من فوق السرير الأبيض في مستشفى تقى بأمدرمان قبيل وفاته، محفورة في ذاكرة محبيه والمنحازين لمشروعه الوطني والإنساني الكبير، فقد جعل محجوب شريف لحظة احتضاره لحظة ميلاد لأمل جديد، وكأنه أدرك ما نحن فيه من وطأة الهزائم والإحباطات، وأن رحيله سيزيد من تلك الوطأة  فغالب آلامه،وأهدانا برقية الأمل والتفاؤل، والايمان اليقيني بأن السودان سوف ينهض من جديد:

من وجداني
صحة وعافية
لكل الشعب السوداني
القاصي هناك والداني
شكرا للأرض الجابتني
والدرب الليكم وداني
يا طارف وتالد
يا والد
النيل الخالد شرفني
واحد من نسلك عداني
انت الأول وما بتحول
وتب ما عندي كلام بتأول
انت الأول
وكل العالم بعدك تاني
يا متعدد وما متشدد
ما متردد … ما متردد
ملئ جفوني بنوم متأكد
بل متجدد … تنهض تاني!