خالد عويس احتجاجات سبتمبر (أيلول) الماضي التي أسفرت عن سقوط مئات الضحايا، في غضون أيام، وأظهرت النظام السوداني في صورة غاية في الدموية، لم تكن السبب الوحيد للتغييرات العميقة في بنية السلطة السودانية،

وطرق معالجتها للأزمات التي تحاصرها.. فالأوضاع الاقتصادية تزداد تدهورا منذ ذهاب جنوب السودان بنفطه وثرواته، والحروب في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق تستنزف موارد الدولة المحدودة، ومظاهر الفساد بلغت حدا جعل حتى بعض المسؤولين هدفا لحديث الشارع السوداني، كما أن العزلة الإقليمية والدولية على مدى عقدين ونصف العقد، جعلت من السودان دولة تبدو خارج سياق الزمان والتأثير الفاعل. على أن هذا كله لم يكن ليغير الكثير في «ذهنية» السلطة، ودفعها لإجراء «جراحة تجميلية» بإبعاد نائب الرئيس، علي عثمان طه، ومساعد الرئيس عمر البشير، نافع علي نافع، اللذين يقال إنهما أقوى رجلين في النظام. العامل الأهم هو عامل خارجي يتمثل بإحساس الحركة الإسلامية السودانية بالتفاف الحبال الإقليمية حول عنقها، وهي تشهد تراجع «المشروع» – حسب أدبيات الإخوان – في الجارة مصر، والمصاعب التي يواجهها الإسلاميون في تونس وليبيا، بل وحتى تركيا، هذا إضافة إلى الخطوات التصعيدية التي اتخذتها دول خليجية مؤثرة، ضد جماعات الإسلام السياسي.

إسلاميو السودان باتوا يدركون أكثر فأكثر ألا ملجأ من عاصفة داخلية وإقليمية قد تقتلع كل أحلامهم في مجرد الحضور في المشهد السياسي السوداني، ناهيك عن الاستمرار في الحكم. وما كان من مناص أمامهم سوى تجميع صفوفهم، والتجهيز لمرحلة يبدو الحوار والانفتاح السياسي مظهرها الأبرز، لكنها تخفي وراء ذلك رغبة في تحاشي مآلات مدمرة، خاصة مع تاريخ دموي لها في السودان، يجعل الثأرات عنوانا، ربما، لمرحلة تالية.

والزعيم التاريخي لإسلاميي السودان، حسن الترابي، على وجه التحديد، يرمي إلى الإبقاء على حركته التي تعهدها طوال نحو خمسة عقود، صانعا منها نموذجا في البراغماتية السياسية، والقفز على كل العقبات، في سبيل تحقيق حلم السلطة، بل و«تمكين» الإسلاميين من الحكم والثروة في آن، ولأطول وقت ممكن. ورغم أن التنازلات التي يقدمها الآن، تجاه غريمه، البشير، مؤلمة للغاية بالنسبة له، لكنه لا يرى غضاضة في ذلك، وهو يتقارب مع الرجل الذي أطاح به، وزج به في السجن، ذلك كله في سبيل توحيد الحركة الإسلامية، والاستعداد لمعركة قادمة لا محالة مع أطراف في الداخل السوداني، وأخرى إقليمية، يدرك الترابي جيدا أن مصير هذه المعركة سيحدد ليس فقط مصير حركته، بل، إلى حد كبير، مصير جماعات الإسلام السياسي في المنطقة، إذا ما خسروا موطئ القدم الأبرز في السودان.

والأهم من ذلك، ربما، هو إزاحة الستار، في حال سقوط النظام، عن جرائم مروعة يقال إن جماعة الإسلام السياسي الوحيدة في المنطقة التي وصلت لسدة السلطة واستمرت لعقدين ونصف العقد، ارتكبتها. الكشف عن مثل هذه الجرائم، من خلال محاكمات متوقعة، وإدانة أخلاقية، وتغطية إعلامية، سيضع جماعات الإسلام السياسي كلها في قفص الاتهام القيمي والأخلاقي، وسيسقط ورقة التوت عن خطابها السياسي القائم بالأساس على إتقان دور الضحية لا الجلاد، كما في حال السودان. ولعل هذا ما يدركه الترابي بعقله الاستراتيجي بشكل عميق.

 

نقلا عن صحيفة الشرق الأوسط