د-عبدالسلام نورالدين -1- ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين لو أن قد كان عنوان كتاب ابي الحسن الندوي ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين الذي عمده  سيد قطب مصدرا اساس له ومرجعا لكل حركة الاخوان المسلمين في عقد الخمسين والستين (1950 -1960 ) ماذا كسب العالم بانحطاط المسلمين لكانت الاجابة -لم يكسب شيئا بل خسر كثيرا-اذ كان من نتائج تلك الخسارة أن قد اضحي انحطاط  الحضارة الاسلامية  أباً وأُماً ، وقابلة للاصولية السلفية .

-2-

طريقان:صاعد وهابط

اذا كانت حصيلة الضربة القاضية التي اصابت  المسيحية الاوربية  ومذاهبها  في عصر النهضة والتنوير في مقتل أن قد انتزعت منها كل امتيازات ومبررات ان تحتمي باستعلاء  مقدس تحت  خيمة  سلطة وثروة  الدولة الدينية التي ظلت طوال عصور الاقطاع (1000 عام تقريبا)  مشدودة الاوتاد والطنب..  وأن قد أنتقلت الكنيسة التي تشققت نحلا ومذاهب وطوائف  مبعثرة  تساوي في  تكاثر تشتتها  أنتشار الرؤى الجديدة التي تسربت  سرا وجهرا-استسلاما  وقهرا الى مراكز التاثير في دماغها  الذي  أختلط  أمره عليها  فاضطرت  خضوعا لقانون  الهزيمة  والتقهقر، أن  تجلس  وفقا للتراتب الجديد على مقاعد المجتمع االاهلي  3 بمسافة ليست قصيرة خلف المصطفين في منظمات ومؤسسات المجتمع المدني ( اتحادات -نقابات -سندكاليات -احزاب سياسية )، في تقابل  بالتضاد مع المجتمع السياسي ( الدولة)   تتارجح تقبلا  ومساومة ورفضا  للمقدمات والنتائج التي تضخها في وسائط التعليم والاعلام والثقافة الشعبية العامة اليات المنظومة الاجتماعبة الاقتصادية للراسمالية ، التي تبوأت  مقاما عليا  كسيدة اولى لها  المشيئة والاختيار  في التفكير والتنفيذ   في كل القارة والجزيرة، فاكتفى اللاهوت من الغنيمة التي ذهبت للسيدة الاولى (الراسمالية)  أن ينضوي كما قد تمرأى له  في مراة ذاته ولاتباعه كضحية  للعلمانية في قوائم المستضعفين  الجدد .

أما الخبر  غير السار على الطرف الاخر من الكوكب الاسلامي ، الذي كان متفوقا على اروبا المسيحية في قرونها الوسطى ثم “تقدم” بانتظام الى الخلف بعلل باطنية اصابت  روحه وجسده بداء موت  الدول والحضارات  منذ القرن العاشر الميلادي (الرابع الهجري )،  فأن شيئا من كل  ذلك العصف الذهني والعملي الذي تخلق عاصفة لها مطر ورعد وبرق  بعرض وطول اروبا اجتاحت ارضها وسماءها  امتدت    الى نصف الفية من الزمان  محتملة في دواماتها  العارمة  المناظرة  والنقد  و المواجهة والنقض والرفض  والانقلاب  والثورة على نظام الاقطاع الاجتماعي والكهنوت الكنسي  وعلى الدولة الدينية ما تقدم منها وما تأخر، لم تطف تلك العاصفة الفكرية العاسفة  بالمجتمعات  التي  تعتنق الاسلام  وعلى وجة خاص الشرق العربي .  ولكن الاعجب المثير للنظر  أن لم  تصل”كشافات” عصر النهضة   بانوارها المشعة  الى العالم الاسلامي فحسب ولكن هذا العالم الاخير  قد غاص  ايضا في ماء راكد اسن هروبا  من تلك  الكشافات لاسباب  كثيرة العدد نلحظ  منها ما يلي.

اولا:- حينما توقف تدفق الخراج لفظت دولته انفاسها    

– أن الدولة  الخراجية الكبرى التي ارسى اللبنات الاولى منها الخلفاء الراشدون 4  ( 11 -40 هجرية  632  – 661 ) ،  ثم ازدهرت بفتوحات الامويين ( 40 -132  هجرية 661  –    750 )  التي اجتاحت اسيا الوسطى وبلاد السند والهند ولامست حدود الصين شرقا واخترقت المغرب الى اسبانيا غربا لتتوقف على حدود  فرنسا الجنوبية ، قد بلغت  في العصر العباسي الاول ( 750 -861م)  أوجها في اتساع رقعتها الجغرافية ونمو ثرواتها الثرة التي نطق بسطوتها  واسطة عقد الخلفاء العباسيين  هارون الرشيد مخاطبا سحابة مرت أمامه دون اكتراث بمقامه أمطري حيث شئتِ فسيأتي إليَّ خراجك).. واضحت شعل تلك الخراجية في الثقافة والمعرفة والعلوم الطبيعية محط انظار العالم المتمدن بمقاييس القرن الثامن والتاسع والعاشر الميلادي ، ومع ذلك  لم تدم  تلك الحضارة الاسلامية   طويلا  6* اذ  قد بدأ عدها التنازلي في الشرق مع تفكك بناء الدولة الخراجية الكبرى بأشتجار وأستقلال  الدويلات في القرن الرابع الهجري والخامس والسادس ( البويهية -الحمدانية -الاخشيدية -الزيدية-الفاطمية السلجوقية -الايوبية-المماليك)*-اذ نضب

 مصدر  الدرهم والدينار  الذي ظل  يضخ  الحياة في عقلها وجسدها بتوقف الفتوحات الذي يعود ايضا من بعض الوجوة الى عجزها 7أن تستجيب بايجاب  فاعل لتحديات  تفجرت من التوزيع الجائر للخراج 8*الذي استولت عليه العصبيات الحاكمة* التي حولت الخلافة الاسلامية الى ملك عضوض لم يخرج حتى زوالة  واندثاره من سلالة  قريش التي سادت المدينة الدولة “مكة” قبل الاسلام  (الراشدين -الامويين والعابسيين)،  وقد جرى في سياق  ذلك   فشل ذريع  في ادارة عادلة  بمعايير تعاليم القران 8 لامبراطورية واسعة ضمت المئات من الاثنيات والقوميات والاديان والثقافات ، فاندلعت النزاعات والحروب الطاحنة بين الاقاليم و الدويلات الاسلامية  من جهة وبين ابناء الحرات والجواري في اسرة بيت الخلافة  الواحدة  من جهة اخرى (الامين والمأمون ابناء هارون الرشيد- المنتصر والمعتز ابناء المتوكل على الله)  حيث قتل الاخ اخاه والابن اباه وقضي كل ذلك في نهاية المطاف  على وحدة الدولة الخراجية الكبرى ووضع نهاية للامة في سياق الدولة 9 فتأكلت  ثروتها التي تفرقت على اهل العصبية  وعلى الغلمان والجواري والحواشي والقهرمانات والشعراء المداح وتنابلة  ومهرجي السلطان .. فضرب  القحط والجفاف  بيت المال الذي هجرته حتى الفيران ، وعرف المسلمون لاول مرة ما يمكن ان يطلق عليه “بالاستعمار الداخلي” *حيث يحتل الاقليم المسلم الاقوى  الاقليم المسلم الاضعف .

ولم تكن مفارقة هزلية  ان قد تغلبت الأقوام التي عرفت تحت مسمى الموالي ( من السلاجقة الاتراك والبوهيين  والطولونيين) على  الاقاليم  العربية واشرافها   ولكنهم  قد ابقوا على الخليفة رمزا للمقولة التي عزيت للخليفة الاول في سقيفة بني ساعدة 10″ ألائمة من قريش” ،،  أما السلاطين  ( السلاجقة الاتراك في العراق-الطولولنيون والاخشيديون والفاطميون والمماليك  في مصر والايوبيون في اليمن) الذين بوأتهم  شوكة القوة  الغاشمة في اعلى سدة  الحكم  فقد ال اليهم تدبير الامر  والعقد والحل في كل صغيرة وكبيرة .  11 فازداد الشرق الاسلامي في تيهاء تناحرات الغزاة  المسلمين لبعضهم البعض، وهنا على وهن الأمر الذي شجع الدويلات  الدينية المسيحية في اوروبا لتصدير أزماتها  الاجتماعية إلى العالم العربي الإسلامي في صورة الحروب الصليبية.  12 وكأن كل ذلك لم يكن كافيا اذ اجتاح المغول 12والتتار الحواضر التي كانت يوما زاهرة  في العراق والشام    فخمدت  انفاس  الخلافة  الاسلامية  بعد شهيق علا واضطرب  في القرن الثالث عشر الميلادي  السابع الهجري.

**

د-عبدالسلام نورالدين

abdelsalamhamad@yahoo.co.uk

نواصل