ترجمة واستعراض وتحليل: د. زهير السراج * على خلفية تطورات الحرب الأهلية السريعة فى جمهورية جنوب السودان واحتلال القوات المتمردة التى يتكون جل أفرادها من قبيلة النوير لمنطقة (بانتيو) الغنية بالنفط فى الأيام الماضية بالاضافة الى سيطرتها على مناطق أخرى فى ولاية الوحدة،

نتناول اليوم حديث (اندرو ناتسيوس) المبعوث الامريكى السابق الى السودان فى كتابه المهم (السودان، جنوب السودان ودارفور ) عن توقعاته لمستقبل جمهورية جنوب السودان، الدولة التى ولدت حديثا بانفصالها عن السودان بموجب استفتاء تقرير المصير الذى كان احد موجبات اتفاقية السلام الشامل التى أوقفت الحرب الأهلية بين شمال وجنوب السودان ومشاركة الحركة الشعبية لتحرير السودان التى كانت تقود حركة التمرد ضد الحكومة السودانية فى الحكم، ثم ولادة دولة جنوب السودان فى يوليو 2011 .

 

* يقول ناتسيوس عن إمكانية تطور الدولة الجديدة (جمهورية جنوب السودان) بتحويل التحديات الكبيرة التى تواجهها وعلى رأسها العداء مع جارتها الشمالية التى انفصلت عنها قريبا، والحلم الذى يراود مواطنيها وقادتها بأن تكون دولة ناجحة سياسيا واقتصاديا الى واقع  انطلاقا بأن تتعامل مع هذه التحديات كعوامل وحدة وتطور أكثر من عوامل فرقة وتراجع .. تماما مثل ما حدث مع دول منطقة جنوب شرق آسيا مثل كوريا الجنوبية، ماليزيا، هونق كونق، تايلند، تايوان وسنغافورة التى جعلها الخوف من إمكانية تأليب الصين الشيوعية تحت قيادة (ماو) لجماعات محلية بالتمرد عليها وزعزعة استقرار البلاد الى التوجه نحو الحكم الديمقراطى والاجتهاد فى  تطوير نفسها اقتصاديا وسياسيا بشكل كبير حتى عرفت بسبب هذا التطور السريع والضخم بالنمور الآسيوية، فهل تكون  دولة جنوب السودان النموذج الأفريقى لهذا النوع من التطور مع التحديات المماثلة التى تواجهها ام تستسلم لها ؟!

 

*  وبدون ان يجيب ناتسيوس على السؤال يتحدث عن هذه التحديات التى يمكن ان  تدمر الدولة الوليدة وتحولها من نمر افريقى محتمل الى دولة فاشلة منهكة فى الصراعات والفساد ..!!

 

* التحدى الأول هو عدم الثقة بين الدولتين الجارتين، السودان وجنوب السودان والذى يمكن ان يتطور الى حرب فى اى وقت من الاوقات إذا لم تتعامل الدولتان بحكمة مع المشاكل الكثيرة التى تواجهانها وعلى رأسها مشكلة منطقة (أبيى)، وتضعان المرارات الدفينة التى ترسبت فى النفوس عبر خمسين عاما من الحرب الأهلية الشرسة بين الطرفين وراء ظهورهما وتعملان بجدية على استغلال الموارد المتاحة لهما بما يؤدى الى تطور الدولتين وبذر عوامل الثقة بينهما بدلا عن الشكوك الكثيفة التى تحيط بهما وتجعلهما فى حالة توتر دائم واطلاق الاتهامات والاتهامات المضادة ..!!

 

* ومن المؤسف ان ما تخوف منه ناتسيوس قد حدث بالفعل (المحرر) .. فبعد وقت طويل من الشد والجذب والاتهامات والاتهامات المتبادلة بين حكومتى  البلدين وتوقف ضخ النفط، تارة بقرار من هذه الحكومة وتارة من تلك ونزاعات حكومية محدودة، قامت القوات السودانية فى مايو 2011 باحتلال منطقة ابيى المتنازع عليها بين الطرفين والتى نصت اتفاقية السلام الشامل على ادارتها بالاشتراك بين الدولتين الى حين الفصل فى تبعيتها باستفتاء مواطنى المنطقة وهو الامر الذى ظل نفسه محل نزاع بين الدولتين حول من له احقية المشاركة فى الاستفتاء، حيث تصر حكومة جنوب السودان على ان المشاركة من حق المواطنين الجنوبيين فقط (قبيلة دينكا نقوك) بينما تصر حكومة السودان على مشاركة المواطنين الشماليين (قبيلة المسيرية)، ولم يحسم هذا الجدل حتى.

 

* بعد حوالى شهرين من الاحتلال، انسحبت القوات الحكومية السودانية من المنطقة تحت ضغط دولى وأرسلت قوات إثيوبية فى يوليو 2011 الى المنطقة بقرار من مجلس الأمن لتفصل بين قوات الطرفين المتنازعين ولا تزال هناك حتى الان، إلا أن حكومة الجنوب لم تسكت وقامت كرد فعل على هذا الهجوم وعلى الغارات الجوية التى تشنها الحكومة السودانية على الجنوب باحتلال منطقة (هجليج) التى توجد بها حقول النفط التابعة لدولة السودان وذلك فى الحادى عشر من ابريل عام 2012 وظلت هناك لمدة عشرة ايام ثم انسحبت تحت ضغط اقليمى ودولى، لقد ادى هذا التطور الدرماتيكى فى العلاقة بين الطرفين الى تجذر عدم الثقة واستمرار تبادل الاتهامات رغم ما يبدو فى الظاهر الآن من تحسن العلاقات بين الحكومتين واستئناف تدفق النفط والزيارات المتبادلة بين رئيسى الدولتين (المحرر).

 

* التحدى الثانى هو التوترات القبلية التاريخية فى جنوب السودان والتى يمكن ان تتطور الى نزاعات مسلحة فى اى وقت، خاصة مع وجود براهين وأدلة على تمويل حكومة السودان لعدد من القبائل فى مناطق انتاج النفط لاثارة الفتنة واشعال الحرب ضد حكومة جوبا، واعلان قيام دولة جنوبية مستقلة عن دولة الجنوب فى تلك المناطق بغرض السيطرة على النفط.  ومن المعروف جيدا وجود حساسيات كبيرة بين قبيلة الدينكا(أكبر قبائل الجنوب) والقبائل الاستوائية أو بعض القبائل النيلية مثل قبيلة (النوير) التى يتميز أفرادها بانهم مقاتلون شرسون (المحرر) ناجمة من إعتقاد هذه القبائل بأن قبيلة الدينكا تحاول فرض نفوذها عليهم والسيطرة على ثروات الإقليم (الدولة حاليا) وتشير الأرقام الحالية ان قبيلة الدينكا إستأثرت بعد انفصال الجنوب بنسبة من الوظائف القيادية فى الخدمة المدنية والجيش والشرطة الدولة تبلغ (60 % – 70 %) وهى أكبر بكثير من نسبتها فى تعداد السكان والتى تبلغ (30 % – 40 %)، ولقد تسببت السياسات الاقصائية للرئيس الحالى للجنوب (سيلفا كير الذى ينتمى الى قبيلة الدينكا) فى استفحال الازمة بل وتطورها الى نزاع مسلح بين قبيلتى الدينكا والنوير (التى ينتمى اليها نائبه السابق المعزول رياك مشار) وهو ما نجم عن مقتل عشرات الالاف ونزوح ولجوء ربع مليون شخص من مناطقهم يتهددهم الموت بسبب الجوع والمرض) .. وها هى الحرب تتطور بشكل خطير فى الايام الماضية بعد احتلال (الجيش الأبيض) الذى يتكون معظم افراده من قبيلة النوير (جيش نائب الرئيس رياك مشار) لمنطقة بانتيو الغنية بالنفط ومناطق اخرى فى ولاية الوحدة مما ينبئ باتساع نطاق الحرب وتحولها الى حرب أهلية واسعة ما لم تلتئم الجهود الدولية الساعية لايقاف الحرب مع مع جهود المؤسسات الكنسية ذات النفوذ الواسع والكلمة المسموعة بين كل قبائل الدولة (المحرر).

 

* التحدى الثالث هو ارتفاع نسبة الأمية (80 % ) وانعدام الكفاءات والنظم الادارية الحديثة والبنيات الاساسية ومدى مقدرة وسرعة الدولة الناشئة على  تجاوز هذه العقبة بالاضافة الى التعامل بحكمة مع المشاكل المحلية او القادمة من وراء الحدود وذلك حتى تتمكن الدولة من بناء النظام الادارى الداخلى المطلوب لتحقيق الاستقرار والتطور.

 

* لقد وقر فى نفوس الجنوبيين، خاصة الشباب منهم، ان الجنة توجد على اعتاب اقدامهم وان العائق الوحيد الذى يمنعهم من الوصول اليها هو الشمال، ولكنهم سرعان ما سيكتشفون ان هذه هى نصف الحقيقة فقط، وان الوصول الى الجنة (الاستقرار والتطور) ليس رهينا بالتخلص من سيطرة الشمال فقط، وانما بأشياء كثيرة ومعقدة تستغرق الكثير من الوقت، وعلى سبيل المثال فلقد احتاجت كوريا الجنوبية وتايوان الى ما يزيد عن ثلاثين عاما (ثلاثة عقود) للتخلص من مشاكلهما والوصول الى مرحلة النضج ووضع اولى خطواتهما على طريق التطور، وربما يحتاج جنوب السودان الى ما يزيد عن هذه المدة ليتخلص من مشاكله ويؤسس بنية تحتية ونظام ادارى جيدين ويضع نفسه على خارطة الدول النامية ومن ثم يخطو اولى خطواته نحو التطور ، وهنا يتساءل المشفقون والشامتون على حد سواء: “هل بإمكان جنوب السودان ان يفعل ذلك؟”