د.ناهد محمد الحسن ما يعجبني في شاعرنا المرهف صلاح الشهير بود مسيخ نمط من الكتابة العاطفية النقية من القسوة وحظوظ الذات في أغلب الاحيان.

وود مسيخ عاشق بلا شروط يلوم نفسه قبل أحباءه وينتمي الى تلك الطريقة في التفكير التي لا تسمّي خلف الحبيبة للمواعيد فعلا متعمدا ولكنها تراه بقلب العاطفة التي تعذر (أغالط نفسي في اصرار واقول يمكن انا الماجيت!). عاطفة مستعدة لتكذيب ساقيها وحواسها قبل ان تكذّب او تشكّك في الحبيبة. وهكذا عاطفة ووله من الذين( يؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة) ذهب مع (الذين لا يسألون النّاس الحافا) كما تقول الطرفة العربية الشهيرة. وود مسيخ هو آخر العشاق الغفورين في شعر المسادير والدوبيت. استمعت اليه تلك الليلة في برنامجه اللطيف (مرابيع ومواضيع) وهو يتحدّث عن الشوق حديث الذين تعرّضو لتجربة الهجران المرّة واختبروا كلّ أعراضها وأمراضها وخرجت ابياتهم تعبّر بشفافية عالية عن تلك المحنة.

للحبيبة التي أدارت للحبيب أكتافا باردة بعد شجار عادي، غنّى ود مسيخ من اليوم الاول للصمت الى أكثر من عام. كانت مربعاته الاولى تعبّر عن تلك الحالة من الشوق والفقد الصافي والانتظار الغفور:

يوم بي طولو يا صاحبي وحداشر ساعة/ مشغول فكري بي المابترفع السمّاعة/ مادام ريدنا ليك شورة قلوب وقناعة/سوّي الدايرة يا أم روبة وعلينا الطّاعة!

الصمت والتجاهل وادارة الاكتاف الباردة في العلاقة للازواج والأحبّاء شكل من اشكال الاساءة العاطفيّة اعتاد البعض استخدامها للتحكم في الشريك واخضاعه. وتصدر عادة من الاشخاص الذين يشعرون بعدم الامان وقلة الثقة في أنفسهم وقد تكون فعّالة جدا وبشكل مؤذ خصوصا للاشخاص الذين يعوّلون كثيرا على قبول الآخرين لهم. فالانسان بطبعه كائن اجتماعي يشعره التواصل مع الآخرين بأنّه مقبول ومحبوب. والصمت كطريقة في ادارة الصراع مع الشريك هي حالة من سحب هذا القبول واشتراطه بالاعتذار او التذلّل للشريك او ايّا كان ما يهدف اليه الشخص المعتدي. حين يتركنا الاحباء في الصمت، نشعر بالخوف والحزن وقد نحاول ان نحوم حول دوائر الصمت هذه معتذرين او متزلفين لننال المغفرة والقبول حتّى ولو لم نكن مخطئين بسبب أحابيل الصمت العاتية والمتسلطة. وهذا ما فعله ود مسيخ( رسايلي الليها يومين فوق بريدك طافية/ افتحي ليها باب ليم شان تدخلك حافية!) وفي مربع آخر( اربعة يوم وزاهيات الحروف ما غنّت/ ولا النغمة المخصّصة لي جنابك رنّت/ مشاعري اللا قست في غناك ولا بتتعنّت/هسي مناها ليك عافية ان بقيت اتمنّت).

لقد عرف النّاس عبر التاريخ تلك الطريقة المؤذية في التعامل وكتبوا عنها ومن ذلك ما جاء في كتاب طوق الحمامة للامام ابن حزم الاندلسي((.. وآفات الحب الهجر.. وهو على أنواع: فأولها هَجرٌ يوجبه تحفُّظٌ من رقيب حاضر، وإنه لأحلى من كل وصل، فترى الحبيب مُنحَرفاً عن محبه مقبلاً بالحديث على غيره مُعرضاً عنه لئلا يُعرَفُ حبه له.. وترى المحب أيضاً كذلك ولكن طبعه له جاذب! ثم (هجر يوجبه التدلُّل) وهو الذُّ من كثير من الوصال، ولذلك لا يكون إلا عن ثقة كل واحد من المتحابين بصاحبه، فحينئذ يظهر المحبوب هجرانا ليرى صبر محبه.. ثم (هجر) يوجبه العتاب لذنب يقع من المحب، وهذا فيه بعض الشدة، ولكن فرحة الرجعة تعدل ما مضى، فإن لرضى المحبوب بعد سخطه لذة لا تعادلها لذة.. وهناك (هجر) يوجبه الوشاة وربما كان سبباً للمقاطعة التامة.. ثم (هجر الملل) وأخرى بمَن دُهي به ألا يصفو له صديق ولا يدوم له حبيب..أما أخطر أنواع الهجر فهو (هجر البغض) وهو الذي خَلَّى العقول ذواهل..)!!

ان ترك الاحباء للصمت يجعلهم يقاسون من هذه الغيبة غير المفهومة ويشعرون بالوحدة والعزلة كلما طالت معاناتهم. حين يصمت الاحباء نغرق في مشاعر الذنب وتأنيب الضمير والهواجس والظنون، ويتضخم فينا الاحساس بالخطأ وكأننا غارقين في فداحة كل شيء. هذه الكآبة والقلق قد تنعكس سلبا على صحة اجسادنا واحساسنا بها. يقول ود مسيخ: ( وجع راسي ال أبن ما يوقفنّو سرامس/سببو غيابك الخلّا الظنون بتهامس/ انا يا ام ديسا اتحدّى الظلام الدّامس/ بين ريدي وصدودك خشّى يومي الخامس) . في بداية الصمت تختلط المشاعر بالفقد والحزن والرغبة في المصالحة. وكلّما اوغلت في الصمت كلّما تلونت المشاعر بالغضب. يقول ود مسيخ ( سادس ايّامنا هلّا يا العلي متقاضي/ومحتار فكري في الغيبة وبريدي الفاضي / كتيرة المدّة يا المنّك مغبّن وراضي/فيها الهي خلق ام برج وسبعة اراضي).

كثيرا ما يستخدم الشركاء والاحباء الصمت كوسيلة لعقاب الشريك او اخضاعه والسيطرة عليه ودفعه احيانا للاعتذار. وهذه الطريقة هي شكل من اشكال العنف السلبي الموجّه والمتعمّد لايذاء الشريك. والاشخاص الذين يقومون به من اجل الحصول على علاقة بشروطهم قد ينجحون في المدى القريب. لكن مع تكرار الاسلوب وعلى المدى البعيد يؤثر بطريقة سلبية تقتل الحب وتدفع للكراهية وتعمل على عكس ما وظّفت له في البداية. يقول ود مسيخ( قبيل مستنّي جيتك والشهور اتوالت/ وفيك القسوة يا ستّ الحسان ما خالت/ دمّاعي الطمح من الفراق واتخالت/ بخاف جففانو كان فترة عنادك طالت). ورغم انّ رهافة الشاعر صاغت التحذير في قالب العشق الغفور وجعلته يقول ان دموعه ستنتهي بدلا عن ان عواطفه التي تموّله وتمدّه بالدموع ستنتهي. الّا ان بوادر حزم الامتعة للمغادرة واليأس من الانتظار قد بدت تلوح في الافق للمستبصر.

اذا كنت او كنت- بفتح و كسر التاء- من الذين او اللواتي يستخدمن الصمت في العلاقة مع المحبوب او الشريك فمن المهم ان تعلم/ي انّ هذه الطريقة يعتبرها علماء النّفس شكلا من اشكال الاساءة العاطفية والتي يسمّى مرتكبها معتديا عاطفيا. وعلى الذين او اللواتي يتلقين معاملة مسيئة بهذه الطريقة ان يتحرروا من هكذا علاقات فليس هنالك فرق بين الاساءة الجسدية والاساءة العاطفية فكلاهما شكل من اشكال القهر والابتزاز بغرض السيطرة والاخضاع. وكلاهما ايضا وجوه يابسة من الحب. فاذا كنت لا ترضى البقاء في علاقة يساء اليك فيها جسديا فمالذي يبقيك في علاقة يساء اليك فيها عاطفيا؟!

محطّة اخيرة:

(“هجرتُك حتى قلت: لا يعرفُ الهوى/ وزُرتُك حتى قلت: ليس له صبرُ /صدقت!.. أنا الصبُّ المُصَابُ الذي به /تباريحُ حُبّ خامرَ القلب، أو سحرُ/ وإني لتعروني لذكراك هزَّةٌ /كما انتفضَ العصفورُ بلَّلهُ القَطرُ / فياحَّبذا الأحياءُ ما دُمت فيهمُ /ويا حبذا الأمواتُ ما ضَمَّك القبرُ”!) ابو الصخر الهذلي