ناصف بشير الأمين لماذا الإصلاح؟ - أزمة البعث: الأزمة في حزب البعث قديمة قدم التجربة البعثية نفسها. وهي أزمة مركبة فكرية وسياسية وتنظيمية.

وقد تجلت فكريا في غياب مبادئ الديمقراطية وحقوق الأنسان والحريات الفردية من خارطة المنطلقات المؤسسة لآيديولوجيا البعث. وبالرغم من أن الحرية هي إحدى أهداف البعث المركزية الا ان مفهوم الحرية في أيديولوجيا البعث قد انحصر في التحرر من الإستعمار والإحتلال الأجنبي دون الحريات الفردية والعامة. وتجلت كذلك في طرح خطاب وحدوي مثالي قائم على إنكار/إدانة “الواقع” القطري القائم على الأرض والتبشير بوحدة عربية مبنية على اللغة والعواطف والشعارات، وليس على المصالح والمنافع الإقتصادية والسياسية، وعلى الحقائق الجيوسياسية/القطرية القائمة على الأرض. وكذلك في غياب التفكير العلمي والواقعي حول طرق الوصول لهذه الوحدة وكذلك تصوراتها الدستورية. فالوحدة لا تحقق في فكر البعث بناء على رغبة وإرادة غالبية الشعب التي يعبر عنها في إستفتاءات عامة، وانما هي مهمة تنفرد بإنجازها -نيابة عن الشعب – “طليعة” حزبية “تستولي” على السلطة. ورغم المصدر الأوروبي للفكر القومي، فان ضمور الخطاب الحداثوي والنزعة الإنسانية يمثل ايضا أحد أهم جوانب أزمة الفكر البعثي والقومي العربي عموما. يتجلى ذلك في غياب طرح علماني واضح، وتبني خطاب علماني خجول ومرتبك يعلن حياده تجاه الدين تارة وتماهيه التام مع الإسلام تارة أخرى. وكذلك عدم تبني موقف نقدي جذري تجاه الثقافة العربية-الإسلامية التقليدية وتجاه قضايا الإصلاح الديني-إصلاح النظام التعليمي-تحديث المجتمع (إحلال المجتمع المدني مكان البنى القبلية والعشائرية السائدة وتحرير النساء..الخ).

 

سياسيا تجلت الأزمة في سيطرة نظام الحزب الواحد وقفل قنوات المشاركة السياسية، ومصادرة الحريات العامة. مع مرور الوقت وتراكم الأزمات تطورت تجارب البعث إرتداديا من نظام الحزب الواحد الى دكتاتورية الرجل الواحد الحاكم بأمره والذي تحيط به دائرة مغلقة، تضيق باستمرار، حتى انتهت الى مجموعة صغيرة هم أفراد الأسرة الحاكمة والأقارب ومواليهم (الإرتداد عن قيم الجمهورية والتراجع الى نموذج أقرب الى نظام الحكم الملكي الوراثي الذي تمت تصفيته ثوريا في العراق وسوريا)، يحيط بهم عدد محدود من البهلوانات وحارقي البخور والمنتفعين. تنظيميا تطلب هذا التحول إلحاق الحزب وإخضاعه للسلطة الحاكمة وتحويله الى ما يشبه أي دائرة حكومية يشغلها موظفون حكوميون، لا يملكون اي سلطات او صلاحيات سياسية. وتطلب ذلك تصفية البؤر المستنيرة وتلك الملتزمة وإفراغ الحزب حد الخواء من اي محتوى فكري او سياسي تقدمي وتحويله الى واجهة ديكورية للسلطة وتجمع للعاطلين فكريا وسياسيا وقيميا. ومثلما كانت هزيمة 5 يونيو 1967 تعبيرا ونتاجا مباشرا ومبكرا لهذه الأزمة الممتدة، فقد توالت – مع تعقد وإزمان الأزمة – الكوارث والنكبات والأخطاء التاريخية من الإبادات الجماعية لقسم من السكان وإستخدام أسلحة الدمار الشامل ضد المواطنين, الى العودة بالبلاد عقودا الى الوراء الى مرحلة الحكم الأجنبي المباشر.

 

في السودان انضافت الى أزمات البعث الفكرية والسياسية الموروثة والعامة أزمة فشل البعث السوداني في تطوير خطاب سياسي وصيغة تنظيمية يستجيبان للخصوصية الإستثنائية للواقع السوداني بتنوعه الثقافي والإثني والديني وخصوصية هويته القومية التعددية العربية-الأفريقية. تجلى ذلك في استمرار طرح خطاب متعالي على ومغترب (لحدود كبيرة) عن الواقع السوداني، بسبب إعتماده على عموميات الفكر القومي التقليدي، في مخاطبة قضايا واقع وطني شديد الخصوصية والتعقيد. وفي تبنيه الصيغة التنظيمية فوق القطرية للبعث التي لا توفر الإستقلال التنظيمي اللازم الذي تتطلبه هذه الخصوصية الوطنية. وينضاف بعد ثالث حيث ان أزمة بعث السودان تحدث داخل أزمة وطنية شاملة تشهدها البلاد انتقلت مع إنقلاب الإسلاموين من أزمة نظام سياسي الى أزمة مجتمع شاملة. فكانت أزمة البعث السوداني لذلك أزمة مزدوجة ومركبة. على ضوء هذه الخلفية فان خيار الإصلاح الشامل لم يكن، في نظر الكثيرين، ترفا ورفاهية خياراتية، وإنما ضرورة تاريخية لضمان إستمرار الحزب جزءا من قوى المستقبل، وحتى لا ينتهي الى المتحف مثل سائر الأجناس المنقرضة بسبب فشلها في التكيف والإستجابة للمتغيرات حولها. مثلما ان الإصلاح الحزبي العام والشامل يمثل الآن أيضا في نظر الكثيرين ضرورة وشرط تاريخي للخروج من أزمة السياسية والمجتمع في السودان.

 

إنفجار الأزمة في بعث السودان وبروز التيار الإصلاحي

 

مثلما ادت هذه التطورات الى تحويل التنظيم القومي الى واجهة ديكورية للسلطة العراقية لا تتوفر لها أدنى درجة من الإستقلال السياسي والتنظيمي ولا تملك أي سلطة قرار، تحول التنظيم البعثي في السودان الى ما يشبه وضعية الملحقية السياسية لهذه السلطة العراقية. وطغت داخليا علاقات القرابة والشلليات على العلاقات التنظيمية الموضوعية. ونتيجة لتكوين ومصالح وعقلية وإرتباطات المجموعة المسيطرة على القرار الحزبي، بدأ البعث السوداني يفقد تدريجيا القدر المحدود من الإستقلالية الذي كان يتمتع به في بداياته، في إدارة شئونه الوطنية. واصبح[NA1]  الخط السياسي وحتى التفاصيل التكتيكية اليومية تحدد بواسطة مجموعة صغيرة من الحزبين المرتبطين بمركز سلطة صدام حسين والمقيمين حينها بصفة دائمة في بغداد. بعد وقوع إنقلاب الجبهة الإسلامية في السودان عام 1989 اختارت قيادتا صدام حسين وحسن الترابي التقارب الى درجة الحلف غير المعلن. واجبر البعث السوداني على ان يدفع، من حسابه الخاص، مهرا غاليا لزواج المتعة بين قيادتي صدام والترابي. حيث تم “تقديم” الجناح العسكري للبعث قربانا لهذا الزواج فيما عرف بحركة 28 رمضان 23 أبريل 1990م. والتي لم تكن سوى عملية إنتحارية مكشوفة قصد بها التخلص من الجناح العسكري للحزب، بالتنسيق التام مع أجهزة نظام الترابي (وهذه قصة أخرى). وبعد شهور قليلة من التخلص من الجناح العسكري لبعث السودان في مجذرة 28 رمضان 23 أبريل 1990م (وقبل ان تنفض صوالين العزاء) أرسلت المجموعة المرتبطة بمركز السلطة العراقية والمقيمة في بغداد برنامجا متكاملا لقيادة الحزب في السودان “يأمرونهم” فيه بالإنسحاب من التجمع الوطني الديمقراطي المعارض حينها والتصالح مع نظام الترابي والدخول في حكومته الإنقلابية. وكونت لجان الحوار من الطرفين وبدأت جلسات الحوار (البعثي- الأخواني) في الداخل والخارج في “صنعاء” وغيرها, ولم تكن دماء شهداء رمضان قد جفت بعد(وتلك قصة أخرى ثانية). وكان ان رفضت قيادات الحزب الوسيطة وقواعده ان يدخلوا في هذه الصفقة المشبوهة والتي رأوا فيها بيعا لأنفسهم وإهدارا لكرامتهم وخيانة لقضية شعبهم – في إسقاط دكتاتورية الإسلامويين وإستعادة الديمقراطية. لذا رفض معظمهم ان يدوسوا على جثث رفاقهم شهداء رمضانأبريل 1990م ليصعدوا عليها للمشاركة في السلطة مع قتلتهم، من أجل إرضاء نظام صدام وحلفه مع إسلامويي السودان. ومارست القاعدة وبعض القيادات “القليلة” التي تضع مصالح شعبها الوطنية أولا ضغطا على القيادة نتج عنه بروز تيارين متصارعين داخل الحزب: تيار وطني-قومي يضع مصالح وقضايا السودان اولا وفوق أي إعتبارت أخرى وتيار آخر يرى ضرورة “تنفيذ” ما تراه قيادة بغداد غض النظر عن محتواه (بحجة أنه يمثل الشرعية!!!). وقد تبلورت نقاط الخلاف الرئيسية حينها حول قضية الديمقراطية وعلاقة الوطني بالقومي وأولوية أحدهما على الآخر والخط السياسي للحزب (الموقف من تجمع المعارضة). ولأن الرفض لمشروع المشاركة في النظام الإسلاموي كان شاملا لكل القاعدة الحزبية (تقريبا)، اضطرت المجموعة المقيمة في بغداد الى سحب مشروعها (تكتيكيا)، وإستبداله بمشروع جديد – لايختلف عنه كثيرا في الجوهر. عرف المشروع الثاني وسط بعثي السودان ب”تعميم أغسطس 1993″. وخلاصة المشروع البديل هو الإنسحاب من التجمع الوطني الديمقراطي المعارض (وهو ما تم بالفعل)، والعمل على معارضة المعارضة (والتي صنفت بانها صنيعة إمبريالية صهيونية لإدانتها غزو العراق للكويت في 2 أغسطس 1990م) والحكومة معا. والعمل على إنشاء تحالف سياسي سمي “بالتحالف الوطني الصحيح” مع قوى أخرى (مع ملاحظة حقيقة انه لم تكن هناك على أرض الواقع السوداني أي قوى سياسية أخرى، سوى قوى التجمع المعارض من جهة والنظام الإنقلابي الإسلاموي في الجهة الأخرى). كذلك تم “تجريم” المعارضة الخارجية بشقيها المدني السلمي والمسلح بدعوى أن المعارضة “الوطنية الصحيحة” للنظام يجب ان تنحصر فقط في المعارضة الداخلية من الداخل ومن خلال العصيان المدني. والمضحك/المبكي ان هذا “الفتوى” بتجريم وتحريم المعارضة الخارجية حينها كانت قد اصدرت من “الخارج” وبواسطة مجموعة “مغتربة” تقيم بصفة دائم في “بغداد”!!! ,وان إدانة المعارضة المسلحة تصدر من مجموعة لا تنفي صلتها بحركة 28 رمضان/23 أبريل 1990 العسكرية!!! قاد ذلك الى تعزيز حالة الإنقسام في بعث السودان والى تبلور التيار الإصلاحي الرافض للأجندة العراقية ولفكرة معارضة المعارضة (التجمع الوطني). والداعي للإصلاح الحزبي الشامل وتبنى أجندة التجديد والديمقراطية، والى سودنة الفكر القومي ووضع القضايا الوطنية أولا. وهو التيار الذي اعلن على الملأ إنفصاله النهائي عن قيادة حزب البعث العربي الإشتراكي في بغداد في 1997م، تحت إسم حزب البعث السوداني، بعد سنوات من التوتر والصراع الداخلي. بالمقارنة، التيار او الجناح الثاني (والذي لايزال مرتبطا ببقايا قيادة بغداد وحلفاءها من رجال الطريقة النقشبندية والتنظيمات الجهادية الأخرى) لا يعترف بأن هناك أي أزمة في الأساس لا أيديولوجيا ولا سياسيا او تنظيميا. وحسب خطابه (الجهادي) الرسمي فإن ما حدث ويحدث في العراق وغيره لايخرج عن كونة مجرد مؤامرة صهيونية إمبريالية!!! لذا، ووفقا لهذا المنطق، فإنه لا يوجد مبرر للحديث عن التجديد والإصلاح الحزبي، والذي اعتبر أيضا جزءا من هذه المؤامرة الصليبية الصهيونية!!!

 

 1997- العناوين الرئيسية للإصلاح في البعث السوداني

 

 تمثلت أهم عناوين الإصلاح في قطع الصلة بقيادة بغداد وفي الـتأكيد على استقلالية التنظيم الحزبي السوداني وعدم إرتباطه بأي مركز خارجي في المستقبل، وفي إطلاق عملية تجديد فكري وسياسي وتنظيمي جذرية وشاملة تحت شعار “التجديد من خلال الديمقراطية.” والهدف هو تطوير خطاب فكري وسياسي حديث ومنفتح، يستفيد من التطور العلمي الهائل وينفتح على كل التجارب السياسية المعاصرة متحررا من قيوده الآيديولوجية، بما يمكنه من الإستجابة لأسئلة العصر وقضايا المرحلة التاريخية وتحدياتها وطنيا وأقليميا ودوليا. وبناء تنظيم حزبي حديث وديمقراطي يتسع للرأي والرأي الآخر ولمبدأ التداول ضمن مؤسسات ديمقراطية وشفافة. وقبل التوغل في تفاصيل أجندة الإصلاح والتجديد الحزبي التي طرحت، يجب الإشارة هنا الى الأصوات العديدة التي ترى بأن برنامج الحزب يحتوي على عناصر ايجابية عديدة يجب المحافظة عليها. وان المطلوب فقط هو تطوير هذه المنطلقات الفكرية على ضوء التقدم الكبير الذي تحقق في العلوم الإنسانية وفي الفكر السياسي وعلى ضوء التغييرات الهائلة التي شهدها العالم من حولنا، خاصة في العقدين الأخيرين، وكذلك على ضوء مختلف التجارب السياسية الناجحة إقليميا ودوليا. ويشمل ذلك، من بين عناصر كثيرة، الخطاب العلماني المنحاز لمشروع الدولة المدنية، والبرنامج الاشتراكي والنزعة اليسارية التقدمية ونزعة التحرر والإستقلال الوطني والقومي. وأن ما عدا ذلك يجب ان يلقى به، بهدوء تام، في سلة المهملات باعتباره فاقدا للصلاحية.  بالرجوع لحركة الإصلاح داخل حزب البعث السوداني نجد انها اخذت مسارا متعرجا وحالات مد وجذر وذلك قبل ان تنتكس وتتراجع. في عنفوان بدايتها في العام 1997 وبعده ، قطعت حركة التجديد شوط او شوطين ولكنها ظلت عملية غير مكتملة. فهي لم تصل الى مرحلة القطيعة الكاملة مع القديم ولم تنجز الجزء الأعظم من مهام الوصل التام مع الجديد المأمول. فصارت بذلك معلقة بين بين تتأرجح إرتدادا وتقدما بين القديم والجديد.

 

 ففيما يتعلق مثلا بموضوع الهوية الوطنية الشائك، تبنى الحزب إجتهادات ومساهمات فكرية نقلت موقف الحزب من مربع عروبة السودان الكاملة الى اطروحة الهوية المزدوجة التي هدفت الى استيعاب التنوع الثقافي والديني واللغوي والعرقي – التاريخي والمعاصر. وعبر هذا التطور الفكري عن إدراك لمركزية موضوع الهوية في أزمتي الوطن والحزب، وعن إقرار بحقائق الواقع الثقافي والمجتمعي. فالسودان بلد يتميز بتنوعه الثقافي والعرقي واللغوي والديني في الماضي منذ الالاف السنين وفي الحاضر. وهو واقع كان يقتضي حسن إدارته حياد الدولة تجاه هذه المعطيات الثقافية والعرقية والدينية منذ لحظة الإستقلال. وأن تكون المواطنة المجردة هي أساس كافة الحقوق والواجبات الدستورية، وهو مالم يتم. وبسبب تكوين ومحدودية النخبة التي قادت عملية الإستقلال، نشأت الدولة السودانية منحازة تكوينيا للثقافة واللغة العربيتين على حساب الثقافات الأخرى منذ لحظة ميلادها. وبسب هذا التوتر وحالة الإستقطاب والصراع الناتجة عنه جرى تسيس الهوية وتحولت من حالة ثقافية الى أيديولوجية سياسية، ولاحقا الى مكون رئيسي من مكونات أزمة السياسة والمجتمع في السودان. ووصل تسيس الهوية الثقافية والدينية اقصى تجلياته سودانيا عند الإسلامويين الحاكمين. الإسلام والعروبة هما عماد الآيديولوجيا الرسمية للنظام الإسلاموي الشمولي الحاكم في السودان. وتحت رايات هذه الآيديولوجيا قاد النظام حروبه الأهلية الجهادية ضد مواطنيه. تلك الحروب التي حصدت مئات الآلاف من الضحايا وهتكت النسيج الوطني والإجتماعي للبلاد مما ادى الى فصل جزء كبير منه، ويرجح ان يقود إستمرارها البلاد الى مزيد من التفتيت والتقسيم على أسس دينية وعرقية وجهوية. وتحت هذه الراية شيد الإسلامويون نظام أقلية جهوية وقبلية احتكرت السلطة والثروة تحت راية “التمكين” وهمشت بقية الأطراف والمجموعات العرقية. هذه التجربة الإسلاموية التي اوصلت البلاد الى مرحلة الدولة الفاشلة المهترئة، تطرح تحديا فكريا وسياسيا وأخلاقيا ليس فقط امام القوى التي تعتمد ايديولوجيا على تسيس الدين، وإنما ايضا امام القوى التي تعتمد ايديولوجيا على تسيس “العروبة” او الهوية القومية (بتعبير عبد العزيز الصاوي). وذلك بحكم الميراث السياسي اللاديمقراطي المشترك بين القوميين والإسلامويين وبحكم التداخل البنيوي بين مكوني العروبة والإسلام.

 

تصدى تيار التجديد كذلك لنقد أزمة الديمقراطية في فكر البعث وفي تجربة حكم البعث الشمولية في العراق. فالبعث -وبحكم تكوينه كجزء من حركة اليسار في الخمسينات والستينات من القرن الماضي – نشأ منحازا لنموذج حكم الحزب الواحد ومفهوم “الديمقراطية الشعبية”. ومعاديا بالمقابل لقيم ومفاهيم الديمقراطية اللبرالية وحقوق الإنسان والحريات الفردية، بإعتبارها “بضاعة برجوازية إستعمارية.”  على ضوء ذلك جاءت تجارب حكم البعث في العراق وسوريا لتجسد نموذجيا التطبيق العالمثالثي الأكثر إنغلاقا لنظام الحزب الواحد وما عرف حينها بالديمقراطية الشعبية. ولأن السلطة المطلقة تنتهي دوما الى فساد سياسي وإداري عظيم، شيد البعث نظاما شموليا كان يزداد ديكتاتورية وحصرية بمرور الوقت، حتى انتهى الى دكتاتورية الرجل الواحد وحكم العائلة. البعث يتحمل لذلك قدرا كبيرا من المسؤولية عن أزمة الديمقراطية في الفكر والممارسة السياسية في المنطقة. عموما من خلال نقد هذا الميراث الشمولي الثقيل، جرى التأكيد على مركزية قضية الديمقراطية في برنامج الحزب وفي علاقاته التنظيمية الداخلية. سياسيا صحح الحزب مواقفه السياسية واستعاد موقعه في التجمع الوطني المعارض حينها، وتبنى خطا سياسيا يتمحور حول هدف إسقاط النظام سلميا وتحقيق التحول الديمقراطي.

 

بالمقابل ظلت هناك قضايا وجوانب كثيرة من فكر الحزب على حالها ولم تطالها جذريا عملية المراجعة والنقد وعلى رأسها المنطلقات الفكرية التقليدية للبعث حول قضية الوحدة العربية وموقع السودان فيها. وقضية تجديد الفكر الإشتراكي والبرنامج الإقتصادي والإجتماعي للحزب. كذلك الخطاب المتأرجح للبعث حول موضوع العلمانية والدولة المدنية والموقف العام من الإسلام وعلاقته بالدولة وقضايا الشريعة الإسلامية خاصة فيما يتعلق بقوانين العقوبات والأسرة، وقضايا أخرى كثيرة.

 

علامات التراجع في تيار التجديد

 

أحد أهم تلك القضايا الخلافية والإشكالية المعلقة هو موضوع تغيير إسم الحزب. الكثيرون يعتبرون ان اسم الحزب القديم “البعث” لا يعبر عن المحتوى الفكري والسياسي الجديد للحزب ولا ينسجم معه. وذلك رغم تعديل الإسم عام 1997 من “البعث العربي الإشتراكي” الى “البعث السوداني”. كذلك يرى الكثيرون ان لافتة البعث يصعب فصلها في الوعي الجمعي عن الحمولة الآيديولوجية والسياسية الشمولية الثقيلة لتجارب حكم البعث في العراق وسوريا، وعن الكوارث التي ارتكبت تحت هذه اللافتة. وهي بالتالي لا تتسق مع أي محتوى تجديدي ديمقراطي متحرر ايديولوجيا ومنفتح على تجارب الآخرين. ينضاف الى ذلك الصعوبة العملية الناتجة عن تعدد الأسماء والإلتباس الناتج عنه، حيث توجد حاليا 4 أحزاب سودانية تحمل إسم البعث. والطريف في هذا الخصوص إنه وبينما يرى الكثيرون من أعضاء المجموعة المرتبطة ببغداد (والذين يعتبرون أنفسهم البعث “الأصل”) في إسم البعث مكسبا ورأسمالا رمزيا تجب المحافظة عليه، (والعمل على إنتزاعه من تيار البعث السوداني الذي يعمل على تشويهه – حسب وجهة نظر هؤلاء),  فأن العديدين من أعضاء تيار التجديد يرون في إسم “البعث” عبئا وتركة ثقيلة يجب التخلص منها. إلا ان “إستعصاء” إسم الحزب، رغم ذلك، على التغيير يمثل في نظر الكثيرين أبرز علامات تراجع التيار التجديدي. وقد بدأت تظهر أولى علامات التراجع في تيار التجديد في محاولات وضع سقوف لعملية النقد والنقد الذاتي.  حيث ظهرت بعض الكتابات من داخل معسكر التجديد والإصلاح الحزبي التي حاولت ان تقدم تبريرا للعديد من أخطاء التجربة السياسية للبعث بإعتبارها أخطاءا في التطبيق. وذلك بدل الإعتراف بأنها تؤشر، وقبل كل شيء، لخلل أعمق كامن في الفكر والمنهج. ترافق ذلك مع الإدعاء بوجود أصل بعثي صافي ديمقراطي – تقدمي – متسامح وخال تماما من الأخطاء والنقائض ومن بذور الدكتاتورية والتسلط. وبذلك يتم وبطريقة سحرية وضع كل التجارب القومية بين “قوسين” تاريخين والعودة الى أصل صاف وخالد. وهذا نمط تفكير يتطابق، الى حدود كبيرة، مع تفكير الإسلاموين الذي يلتف على نقد النماذج المعاصرة للدولة الدينية، من خلال نسبة الأخطاء الى التطبيق مع ترديد الإدعاء بوجود النموذج الإسلامي المعياري الراشدي المنزه عن الخطأ والصالح لكل زمان ومكان. وهو تفكير يكشف أيضا عن تماهي عاطفي مع الفكرة رغم الإدراك العقلي للخلل الكارثي الذي كشفته التجارب السياسية. وذلك خوفا من ان يؤدي النقد الجذري الى تصفية عناصر فكرية وشعارات عزيزة على القلوب التي الفتها.

 

أيضا من علامات تراجع تيار الإصلاح والتجديد في البعث السوداني الدعوات المتكررة (منذ الإنقسام في 1997م) الى الحوار الهادف الى إعادة الوحدة مع الطرف الآخر (المرتبط حينها بقيادة صدام حسين)، دون تحديد اي أرضية او مرجعية واضحة للحوار. وأهمية تحديد المرجعية تنبع من حقيقة وجود هوة فكرية كبيرة تفصل بين الطرفين تتسع وتتعمق مع مرور الوقت. ولنأخذ مثالين لقضيتين أساسيتين لتوضيح ذلك، موضوع التعددية الثقافية والعرقية في السودان والعلمانية. فيما يتعلق بالموضوع الأول، وبينما طور تيار التجديد خطاب الهوية التعددية الذي أشرنا اليه، تعتبر المجموعة المرتبطة بالقيادة العراقية السودان بلدا عربيا بالكامل ولا تعترف بأي خصوصيات ثقافية سودانية. ويشمل ذلك حتى الجنوبين (قبل الإنفصال) وغيرهم من المجموعات ذات الأصول غير العربية، فهؤلاء جميعا، في خطاب هذه المجموعة، عرب رغم أنوفهم. أما فيما يتعلق بالنقطة الثانية، وبينما اقترب تيار التجديد من الخطاب العلماني المنحاز للدولة المدنية وفصل الدين عن السياسة بدرجة أكبر، (وهو الخطاب المرتبط تاريخيا بالهوية التقدمية لقوى اليسار)، فإن المتابع لخطاب الطرف الآخر يجد أنه يستخدم بإطراد (ومنذ الغزو العراقي للكويت 1990م) تبريرات ولغة دينية كثيفة لتبرير مواقفه السياسية، مثله في ذلك مثل أي جماعة إسلام سياسي. وتكاد ان تصل كثافة المكون الديني في خطاب هذه المجموعة الى درجة طمس الهوية اليسارية العلمانية التاريخية للبعث بالكامل. ومع الإدراك الواسع لإتساع للمسافة الآيديولوجية التي تفصل الطرفين ولصعوبة الوصول الى أرضية مشتركة للحوار المفضي للوحدة، الا ان الدعوات “العاطفية” للحوار على “الطريقة السودانية” لم تتوقف طوال هذه السنوات. فصار تيار التجديد يتقدم كمن يسير وهو متجه الى الخلف وعيناه مركزتان على الوراء، حنينا الى الماضي وذكرياته. صحب ذلك في الآونة الأخيرة العودة الي الإحتفاء ببعض الرموز وتمجيدها (كبدرالدين مدثر) الذي جرت محاولة إنتاج صورة جديدة له كرمز مشترك يقف على مسافة متساوية فوق خلافات الطرفين. وهذه صورة غير صحيحة ومضللة في نظر الكثيرين، حيث ان الراحل مدثر كان طرفا أصيلا في إنقسام 1997م وقائدا للمجموعة المرتبطة بقيادة بغداد وهو المسؤول الأول عن كل مواقفها وخطاباتها ذات الصلة بالأزمة. ومع التأكيد التام في على الدور القيادي “التاريخي” الذي لعبه الراحل في تأسيس البعث والتيار القومي عموما في السودان، الا ان ما يجب الـتأكيد والتشديد عليه أكثر ان هذين أمرين مختلفين يجب التفريق بينهما بوضوح كبير.

 

من علامات التراجع المبكرة أيضا ما عرف ب”الحوار القومي-القومي.” في الوقت الذي كان يعاني فيه حزب البعث السوداني انقساما هو الأكبر في تاريخه ويصارع من أجل وجوده، وبدلا من حشد كافة الجهود وتركيزها في مهمة إكمال مهام الإصلاح وإعادة التأسيس، تم طرح أجندة غير واقعية تقضي بأن يقود حزب البعث السوداني عملية إصلاح ديمقراطي شاملة تشمل كافة الأحزاب البعثية في المنطقة العربية (تحت لافتة الحوار القومي -القومي). وهي خطوة لم تخضع، في نظر الكثيرين، لأي تقييم واقعي وعقلاني لحدود إمكانات الطرف السوداني ولمصادر قدرته على التأثير التي تؤهله لقيادة عملية إصلاح بهذا الحجم. كذلك لم يكن هناك اي تقييم عقلاني للإحتمالات الواقعية لفرص قبول الأطراف البعثية المعنية لهذه المبادرة، مبني على تحليل للأسباب والدوافع المحتملة التي يمكن ان ترجح تلك الإحتمالات. ولتوضيح هذه النقطة نشير الى مثال تجربة الحوار مع النظام السوري (2000 – 2001م)، الذي تم تحت هذه اللافتة.  فالقائمون على أمر الحوار اقنعوا أنفسهم بقدرتهم السحرية على إقناع النظام السوري بالتخلي عن طبيعته الدكتاتورية طواعية وتبنى أجندة الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة!!! إلا ان الأمر الطبيعي والمنطقي الذي حدث هو ان السورين استطاعوا بسهولة إقناع أعضاء الوفد المحاور بالتخلي عن “أوهامهم” والإنضمام الى حزب البعث السوري. فكانت النتيجة المباشرة ان قاد ذلك المفهوم الهلامي وغير المدروس لما عرف ب”الحوار القومي –القومي” الى إنقسام مجموعة من تيار التجديد وإرتباطها بالنظام السوري. الغريب ان هذا المشروع الفضفاض وما أدى اليه من إنقسام ثان لم يخضع لأي تقيم لاحق.

 

أسباب التراجع في تيار التجديد والإصلاح

 

أهم أسباب التراجع إنه لم تكن هناك، ومنذ لحظة البداية، تصور وإرادة مشتركين لدى الغالبية حول أجندة الإصلاح ومداه. قرارات 1997 القاضية بإستقلالية الحزب وعدم إرتباطه مستقبلا بأي مركز خارجي وبتبني أجندة التجديد من خلال الديمقراطية فهم العديدون منها ميلاد تيار تجديدي يهدف الى إعادة تأسيس الحزب على أسس جديدة منفتحة وديمقراطية. الا ان فهم البعض لهذه التطورات لم يتجاوز النظر اليها كمجرد تغيير في الأشخاص حدث نتيجة لصراع مجموعات على المواقع. لذلك غرق البعض، في بداية الإنقسام الذي اعقبه بروز تيار الإصلاح، في تشريح المخالفات الإدارية والشكليات التنظيمية والإجرائية بإعتبارها جوهر الأزمة الحزبية، في حين انها لم تكن في حقيقتها سوى أعراض تنظيمية لأزمة فكرية وسياسية أعمق. الراجح هنا أن سؤال التجديد يمثل تحديا فكريا وسياسيا ومهمة معقدة وغير يسيرة خاصة في هذا النوع من الأحزاب. فمهام التجديد والإصلاح تتعارض وتتناقض مع الطبيعة التكوينية للعقلية المتشكلة في ظل نظام أيديولوجي مغلق مؤسس (في حالة الفكر القومي) على ركائز ثقافية وتاريخية مرتبطة بالوجدان الجمعي. ينضاف الى ذلك غياب الرأي الآخر والديمقراطية الداخلية، والتربية السياسية والتنظيمية المستندة لعقود على مبادئ المركزية. هذا النمط من التربية الحزبية لا يصلح في نظر الكثيرين الا لخلق جيش من التنفيذيين الذين لا يصلحون الا لتنفيذ الأوامر وطاعة القيادة. من جهة أخرى غادر عدد مقدر من الكوادر المستنيرة ومنهم كتاب ومثقفون الحزب عام 1997 وبعده. كانت اهم النقاط التي برزت في مناقشاتهم ان الأحزاب العقائدية كالبعث قابلة فقط للإنقسام ولكنها غير قابلة للإصلاح من الداخل. وحجتهم في ذلك عدم وجود سابقة تاريخية واحدة في تاريخ السودان او المنطقة لنجاح حركة إصلاح داخلي لمثل هذا النوع من الأحزاب او الأنظمة المرتبطة بها. وأن هذا النوع من الحركات والأنظمة يظل محكوما بطبيعته الشمولية المغلقة وغير القابلة للتجديد والتطوير الى ان يندثر. ومع وجاهة هذا الرأي الذي برهنت التطورات اللاحقة على صوابيته، لحدود كبيرة، الا ان الذين تصدوا لعملية التجديد داخل البعث السوداني قبلوا تحدي انجاز ما هو أقرب الى المستحيل. إلا ان العاملين المذكورين اديا الى تقليص عدد الكوادر المؤهلة فكريا وثقافيا للمساهمة في إنجاز مهام التجديد والتغيير. والنتيجة قلة الفاعلين الفكرين والسياسيين المنخرطين في المهمة وانحصار المبادرات الفكرية في أعضاء محدودين في القيادة.  ومظاهر التراجع عموما تكشف أيضا عن إحتمالات الكسل الفكري عن القيام بمهام التجديد العديدة والمعقدة، وربما الخوف من المجهول ومن التوغل في أراضي جديدة غير مطروقة. وهنا يجب الوضع في الإعتبار محددات السياق المجتمعي العام الذي يشمل الجميع والثقافة التقليدية السائدة القائمة على المحافظة على القديم والنفور من الجديد. كذلك عوامل التعود والإرتباط النفسي والعاطفي بالذكريات وبالقديم عموما خاصة الرموز والشعارات التي الفتها النفوس وإعتادتها، وهذا يعود أيضا لعوامل التربية والتكوين الثقافي والثقافة السائدة عموما. في رأي العديدين الإصلاح التنظيمي لم يكن بدرجة الإصلاح الفكري والسياسي الذي تحقق نسبيا. كنتاج لذلك لم يحدث تداول ونقاش واسع حول الكثير من القضايا الفكرية المرتبطة بمسار وأجندة التجديد والإصلاح. كذلك الحال بالنسبة لمبادرات هامة كان لها تأثير كبير في مستقبل وتوجهات مسيرة التجديد. وكمثال على ذلك مشروع الحوار القومي –القومي المشار اليه والذي لم يخضع للنقاش الكافي، رغم ما أدى اليه من تشتيت لجهود تيار الإصلاح.  يجب التأكيد أخيرا على أن عوامل وأسباب تراجع تيار التجديد في البعث السوداني ليست فقط ذاتية. هناك عامل موضوعي هام وهو ان مهام الإصلاح الواسعة والمعقدة تتم في ظل ظروف مناخ دكتاتوري خانق تنعدم فيه الحريات العامة وأهمها حرية التنظيم والتعبير التي تمثل شرطا ضروريا للتفاعل الفكري والسياسي، مما صعب وعقد مهمة التجديد والإصلاح.

 

السؤال الذي يثور هنا هل سينهض تيار التجديد والإصلاح في حزب البعث السوداني ويكمل مهامه ام يواصل تراجعه وربما يندثر؟، هذا ما سنحاول الإجابة عليه في مقال قادم.