خالد فضل هل يمكن النظر الى ما يسمى بدعوة الحوار الوطني في السودان الآن بغير النظر الى مأزق الحركات الاسلامية في المنطقة وفي كل العالم ؟

ذلك أن الأجندة التي تم طرحها مسبقا في خطاب الوثبة الرئاسي المشهور على أخريات يناير الماضي ليس من بينها جديد , فهي قضايا قديمة وتفاقمها ووصولها لحد جعلها أجندة لحوار وطني لم يهبط من السماء , كما أن السيدات والسادة المدعووين لمناقشتها , ومع فائق الإحترام لشخوصهم , لا يحملون من الفكر والبرامج والأطروحات ما يجعلهم مؤهلين للمساعدة على تلافي الإنهيار التام لكل ملامح السودان السياسية والاقتصادية والاجتماعية بل والعقائدية , الواقع أن تجربة الحكم الاسلامي للسودان قد أضافت سجلا حافلا من الإخفاقات للحركة الإسلامية السودانية ونظيراتها في المنطقة , فقد كشفت تجربة ربع قرن من زمان السودانيين عن فرية كبرى اسمها (الحكم بما أنزل الله ) على أن يتولى هذه المهمة جماعة أطلقت على نفسها اسماء حربائية تتبدل كل فترة مع ثبات الغاية وهي غاية بائسة مع الأسف هي التمكن من الحكم والسلطة وامتيازاتها كافة دون تقديم أي جهد نظري وعملي يواءم ما بين الشعارات البراقة والحقائق على الأرض وهنا يكمن المأزق الفعلي للجماعات التي تزعم المدد الرباني والهدي السماوي.

  في الواقع فإن أجندة الحوار المزعوم تمثل هي ذاتها أوضح أفدح علامات فشل تجربة الإسلاميين في الحكم , فالسلام الذي دعا له خطاب الوثبة ودعوة المقاتلين للحوار قد إبتدأ تقريبا من ذات نقطة العام 1989م , فقد كانت أجندة السلام التي رفعها الانقلابيون يومها وعنوا بها الحركة الشعبية / الجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة الراحل د. جون قرنق تحتوي على أربع نقاط هي (وقف اطلاق النار , والعفو العام ,والمفاوضات ,والاستفتاء حول الشريعة ان لم يتم وفاق بشأنها ). ورفض النظام كل ما سبق من جهود وما أبرم من اتفاقات واشهرها ما عرف باتفاقية الميرغني قرنق (نوفمبر 1988م)وأصر على البداية من الصفر , المهم وكما هو معلوم دارت الأيام دورتها وتعاقبت سنوات كالحة وسالت دماء عزيزة غزيرة لتنتهي الحرب في الجنوب القديم باتفاق نيفاشا ونتيجته الموضوعية (الانفصال وقيام جمهورية جنوب السودان المستقلة). فهل السلام وفق عبقرية الاسلاميين لا يتحقق الا بالدماء والقتل والسحق للمتمردين ومن ثم العودة من جديد للنقطة الابتدائية بعقد المفاوضات وتوقيع الاتفاقات بشروطها الجزائية الصارمة بما فيها حق تقرير المصير ؟ كما حدث في تجربة الجنوب . وهاهو السيد مني أركو مناوي يطرح قبل اسابيع فكرةالحكم الذاتي الحقيقي كمدخل لحل الكربة الوطنية المفجعة في اقليم دارفور , ومن الحكم الذاتي الحقيقي في وصف مناوي يمكن أن تتبلور فكرة تقرير المصير ويمكن أن تنشأ دولة مستقلة في اقليم دارفور اسوة بما حدث في الجنوب ولا يعللن أحدا بالقول إن تجربة الاستقلال الجنوبي ليست مشجعة على السير في طريقها , صحيح قد تكون الاحداث الراهنة في الجنوب غير مشجعة ولكن منذ متى كانت التجارب الانسانية تقاس بالمسطرة ؟ لقد تم تحاشي طرح الأسباب الحقيقية لاستمرار الحروب الأهلية في السودان ولم يتم الاعتراف الرسمي حتى الآن بان الحرب ليست هواية المتمردين انما لها جذورها الضاربة في تربة الممارسة السياسية القاصرة خاصة في عهد الاسلاميين فهي مأزق من مآزقهم التي تورطوا فيها وورطوا الشعب كله فيها وهاهو الشعب يسدد في فواتير هذه الورطة في شكل ضحايا من القوات النظامية والمتمردين والمدنيين  وأموال وميزانيات وتدمير للبنى التحتية والبناء المؤسسي نفسه فقد أضحت قوات الجنجويد هي اليد الباطشة لجهاز الأمن والمخابرات الذي تحول ليحل محل القوات المسلحة في سياق الحروب الأهلية المتصلة في نصف مساحة البلاد تقريبا , فماهو الحوار حول السلام وكيف ومع من ؟ كما أن هناك منابر دولية مفتوحة الآن للتفاوض مع الحركة الشعبية لتحرير السودان فكيف تتم الدعوة للسلام في حوارات الذات هذه بقاعة الصداقة ومع من يتم التفاوض؟ هذه  إحدى دلائل الاستهبال والاستهتار وشغل الناس بالفارغة ومقدودة فلا فاطمة عبد المحمود تحقق سلاما ولا نهار ولا الدقير ولا الترابي أو المهدي والميرغني  السلام يتحقق عندما تطرح القضايا الصحيحة مع الجهة الصحيحة عبر الاجراءات الصحيحة , فقد دعت ورقة الحل الشامل التي قدمها وفد الحركة المفاوض في أديس أبابا الى الحل السلمي الشامل فعليا عبر التفاوض الجاد وتهيئة المناخ المناسب بالبدء بمعالجات فورية لحاجات مئات الآلاف من المواطنين النازحين والمشردين بسبب الحرب فهولاء هم ضحايا هذه اللحظة وأي سلام يبدأ بهم فهل الاسلاميون على استعداد ليتجاوز معهم السودانيون مأزقهم وبالتالي مأزق الوطن؟ وكما وصف الاستاذ الحاج وراق حياه الغمام , إن الاسلاميين مثل الطفل لا يتعاطى الدواء طوعا ولكن يجب أن يكرعه غصبا إذ لا مناص من العلاج . ولأن الحروب التي أشعلوها ضارية قد أكدت على طبيعة تفكيريهم التدميري فهم وعبر الحروب يقتاتون دعاية وأكاذيب ويصورون الوقائع بغير حقيقتها وقد أشار أحد كتبتهم في حوار صحفي قبل فترة الى أنه يتعمد نشر الكذب لأنه _أي ذلك الكاتب _ يحرس بوابة الاسلام في السودان فأي شقاء هذا الذي يعيش فيه الاسلام في السودان تحت حكم الحركة الاسلامية!!!!وأي سلام يرجوه أهل السودان ممن لا يتورعون عن الكذب وممارسة الحيل ليل نهار , أليس في أصحاب العمائم التي تدور في فلك هذه الأكاذيب شخص رشيد؟ والعالم كله يصرخ بصوت الضمير الانساني والتقارير اليومية وصور الأقمار الصناعية تنقل على مدار الساعة صور المآسي الحية التي يعيش في قسوتها عشرات الآلاف من الأسر السودانية في دارفور والجبال والنيل الأزرق , أطفال لم يدركوا من طفولتهم سوى الهلع والخوف ونساء لم يبلغن من حياتهن سوى الفزع وانتهاك العرض والاغتصاب وشباب يدركهم رصاص القناصة الاسلاميين حتى داخل سوح الجامعات فهل هذه العقد تحلها حوارات العلاقات العامة وخطب ود (الأخ الرئيس) وأي رئيس ؟ أليس هو ذاته من تطلبه لاهاي للمثول أمام قضاة محكمتها الجنائية الدولية, بتهم تتعلق بذات هولاء الأبرياء الذين ما تزال قوات جنجويده تفعل فيهم الأفاعيل ؟ لماذا لا يعلن الاسلاميون وقفا شاملا لاطلاق النار في جميع مسارح العمليات إن كانوا جادين في البحث عن السلام , لماذا لا يلجمون قسوة قواتهم الجنجويدية فكيف يفرض السلام وهل السلام رسوم جباية يفرضها الحكام الاسلاميون على حزمة الجرجير في الملجة؟ إن ما مارسه وجلبه عهد الاسلاميين في السودان فيم يتعلق بسلب الحق الإلهي للبشر في الحياة لا تجبه حوارات الذات هذه بل تعوضه إجراءات محاسبة شاملة ومحاكمات عادلة وعدالة ناجزة وردع لكل من ارتكب جرما فقد أغرى الافلات من العقوبة كل المجرمين على الاستمرار في جرائمهم وبغير العدالة وانفاذها ورؤيتها ماثلة امام كل الناس لن يتحقق السلام وهنا يكمن مأزق آخر من مآزق الاسلاميين إذ أن أي إجراءات من شأنها إقرار العدالة تستوجب وضعا انتقاليا كاملا لا تكون لهم فيه الكلمة العليا وساعتها سيجد الضحايا  جلاديهم بغير غطاء تطالهم اجراءات العدالة فيشعرون بالرضا ويحل السلام فهل يعتقد السادة المهرولين لعزومة مراكبية الاسلاميين هذه انهم سيحققون شيئا اكثر من بصمهم على كل تاريخ الخراب الوطني بالموافقة ؟ إن السكة المفضية الى التغيير الحقيقي تحتاج الى المواجهة والمصارحة وعدم اللف والدوران الحقيقة إن الاسلاميين في ورطة جراء ما اغترفت أياديهم وساعة الحقيقة آتية لا ريب فالصبح سيطلع مهما استطال الليل .