د.زهير السراج * توردت خدود ميدان المدرسة الأهلية با مدرمان وعادت اليه الروح أمسية السبت الماضى حيث احتشد الالاف لحضور الليلة السياسية للحزب الشيوعى السودانى بعد سنوات طويلة من الجفاف والبؤس،

وسيف القطع المعلق على رقاب الميادين العامة وعلى رأسها ميدان الأهلية ذى التاريخ الطويل فى مقاومة الظلم والظالمين .. ولكنه نجا بفضل الله ومواطنى حى الملازمين الذين ثابروا واجتهدوا لمنع اعدام الميدان الذى اشتراه عدد من شيوخ الحركة الوطنية فى عام 1927 من حر مالهم وشيدوا فى جزء منه المدرسة الأهلية الوسطى وجعلوها والميدان وقفا تعليميا بغرض تعليم ابناء الشعب السودانى وغرس روح الوطنية فيهم ومقاومة سياسات الاستعمار البريطانى التى كانت تكرس التعليم لخدمة اهدافه ومراميه، .

 

* محاولات عديدة جرت بواسطة مسؤولى الانقاذ طيلة فترة حكمها الظالم الفاسد لاغتيال ميدان الأهلية وتحويله الى موقف مواصلات تارة، أو لكتل خرصانية تارة اخرى يثرى من ورائها المفسدون، ويتحقق لهم الهدف الأساسى باعدام التاريخ الطويل للميدان وعدم استخدامه فى المستقبل كرأس حربة للخلاص من النظام الفاسد الذى جثم على النفوس طيلة ربع قرن من الزمان وعاث فى الأرض فسادا وولغ فى الحرام ودمر كل مشاريع البلاد الكبرى وحوّل السودان الى دولة فاشلة بائسة تمزقها الحرب الأهلية ويقتلها الجوع والفقر والظمأ .. و(الخير فوق ظهورها محمول) ..!! 

 

* بدأت المحاولات منذ وقت مبكر بعد اغتصاب الانقاذ للسلطة، حيث أُغلق الميدان امام اى نوع من التجمعات حتى ممارسة الرياضة، ثم أُغلقت المدرسة الأهلية نفسها فى فترة من الفترات (وحدث نفس الشئ لمدرسة ام دمان الأهلية الثانوية وعدد من المدارس الثانوية الأخرى بالعاصمة والأقاليم) وأعطيت مبانيها لاحدى مؤسسات عصابة الاخوان المسلمين بزعم ممارسة العمل الخيرى الذى اتضح فيما بعد انه ليس سوى مأكلة من مآكل العصابة، فكان من الطبيعى ان يفلس يموت ويدفن بكل فضائحه كما حدث لكثير من مؤسسات العصابة التى مُولت من مال الشعب.

 

* ثم جرت بعد ذلك، وتحت مشروع تخطيط العاصمة القومية واشراف وزراة التخطيط العمرانى، محاولة اقتطاع مساحة  كبيرة من المدرسة والميدان لتكون جزءا من ما أطلق عليه زورا وبهتانا اسم (طريق ام درمان الدائرى) ولقد كان من الغريب ان يقام مثل ذلك الطريق وسط احياء سكنية مكتظة بالسكان وتُدمر من أجله مئات الميادين والحدائق العامة ومساكن المواطنين والمدارس والمستشفيات والاسواق والمنشئات العامة، وعندما إتضح عدم جدوى المشروع فضلا عن المقاومة الشرسة التى أبداها مواطنو المنطقة ماتت المحاولة قبل ان تولد ..!!

 

* غير ان الانقاذ ظلت مصرة على اغتيال الميدان، فظهرت الى السطح فى عام 2008 فكرة تحويل الميدان الى موقف مواصلات، واجتهد معتمد ام درمان آنذاك عبدالقادر محمد زين لتحويل الفكرة الى واقع حتى يصفق له قادة الإنقاذ ويمنحوه الوسام الزائف الذى أطلقوا عليه (وسام الإعجاز والانقاذ) … ولكن مرة ثالثة أو رابعة وقف مواطنو الملازمين وحى الزعيم الأزهرى وحى الشهداء (ألف أحمر) أمام المحاولة واصطفوا نساءا ورجالا وأطفالا امام البلدوزرات الضخمة عندما جاءت لهدم المدرسة وتسوية الميدان، فلم يجد المعتمد ومن كان يحرضه من وراء ستار حلا الا إلغاء الفكرة  تحت ضغط وعزيمة اهل المنطقة واستعدادهم لتقديم ارواحهم رخيصة من أجل استمرار الميدان رمزا للنضال وعنوانا للوطنية والعمل الجليل الذى أسسه رجال مخلصون وطنيون لتعليم ابناء السودان.

 

* واستمرت المحاولات ونجح بعضها ولكن بشكل محدود وذلك عندما أفلحت معتمدية ام درمان فى السماح لبعض التجار بإقامة معارض سيارات فى جزء من الميدان، وهنا تبدت حكمة أهل الحى واللجنة التى كانت مكلفة بمتابعة موضوع الميدان والمدرسة والاهلية فى عدم الاعتراض على اقامة المعارض باعتبار انها تشكل بشكل او بآخر حماية للميدان من المحاولات التى لا تتوقف لاعدامه ..!!

 

* وبالفعل لم تتوقف المحاولات، فقد ظهر فيما بعد من يدعى ملكية الميدان والمدرسة وأظهر مستندات مزورة، ونجح فى تحويل سجل الميدان لاسمه بل تصرف ببيع جزء منه، وكانت خطة المشترى ان يقيم عليه مبان تجارية، وتم ذلك بسرية كاملة ولولا تسرب بعض المعلومات عن هذه المؤامرة والتحرك السريع من اللجنة والمواطنين للتأكد منها ثم اجهاضها لضاع الميدان الى الابد، ولكن عناية الله كانت حاضرة فنجحت اللجنة بعد مجهود مضنى وجلسات طويلة فى المحاكم فى إلغاء السجل المزور واعادة السجل القديم مرة اخرى باسم مجلس امناء المدرسة الأهلية، وظل الميدان حاضرا فى سجل النضال السودانى الذى لا يموت ولا ينقطع، وشهد أخيرا العرس السياسى الذى أقامته القوى الوطنية كخطوة أخرى ضمن الخطوات الكثيرة السابقة واللاحقة لازاحة نظام الظلم والفساد والخراب قريبا ان شاء الله.