حيدر ابراهيم علي توقفت الحلقة السابقة عند القول بأن مفهوم "الهوية" يتميز بالتجريد، والثبات، والجوهرانية (essence)، ويقترب من الميتافيزيقيا. ويفترض في الهوية أن تكون موحدة ، وخالية من التناقضات ،

ولا تتأثر بالتاريخ والزمن أي خالدة أو ازلية. ومثل هذا الوضع النقي ، والصافي، وغير الخاضع للتغيير والتحولات، لا يمكن أن يوجد في الواقع. ولذلك مفهوم ” الهوية” ل لا يساعد في وصف ظاهرة اجتماعية، وسياسية، وثقافية مثل الوطن، أو المواطنة، أو الأمة، أو الشعب، أي لايصلح كأداة تحليلية لفهم الإنسان أو المجتمع السوداني، أو غير السوداني. ويظل مفهوما ايديولوجا وسياسيا ، وغير علمي، تستخدمه اطراف المتنافسة سياسيا خلال الصراع القائم بينها. وبالتالي لم يعد الاكاديميون، والسياسيون الجادون يستخدمونه، وفضلوا مفاهيم مثل: الشخصية الأساسية (Basic Character) أو في حالات أخري الشخصية الوطنية (National Character)، ولذلك استخدم (جمال حمدان)مفهوم (شخصية مصر)ولم يقل (هوية مصر). فالشخصية الأساسية لشعب ما هي مجموع الصفات، والخصائص الثقافية أوالنفسية، والروحية ، والفكرية، التي تتكرر وتتواصل ضمن الغالبية العظمي لشعب ما. وفي هذه الحالة يمكن للباحث أن يعمم هذه الصفات – بحذر- علي الجميع في هذه الفئة أو الجماعة. والتعميم في بناء نظرية ليس عيبا- كما يظن البعض- لو كانت غلبة تكرار الحدوث واضحة، والاستثناء يؤكد القاعدة ولا يدحضها.

يبرز سؤال هام، وهو: لماذا رغم غموض المفهوم، وعدم تحديده بدقة، يقفز هذه الأيام إلي مقدمة اهتمام النخبة السياسية والمتابعين عموما؟ والسبب هو أن مفهوم “الهوية” ينتمي الي قضايا زمن الأزمة، وفترات العجز عن حل المشكلات الحقيقية الصعبة. وهنا يُهمل الواقع ويتم الهروب الي القضايا المصطنعة، مثل “الهوية”. فمع تفاقم الأزمات، يرجع البعض الأزمات الي فقدان “الهوية”، وتتجدد فكرة كيف نستعيد هويتنا؟ وتكون وسيلة استعادة الهوية ، حسب ما نسمعه هذه الأيام “عن طريق استدعاء ثوابت الامة التي لا تتغير وبثها في نفوس الناشئة والشباب”. وفي هذه الأجواء يظهر من يطالب بإعادة كتابة تاريخنا. وسبب الدعوة ايديولوجي بحت، ولا توجد أسباب موضوعي للمطالبة. هذه دعوة خبيثة تستخدمها الأنظمة الشمولية بالذات. والدعوة الحالية في السودان هي انحراف واستنزاف لطاقات الناس.

يحتار المرء من هوجة “الهوية” التي اجتاحت البلاد بعد خطاب”الوثبة”. فهل يعني ذلك أن النظام الذي جاء بمشروع حضاري إسلامي، وحكم علي هديه حوالي ربع قرن، لم يكن يعرف “هوية” الشعب الذي يحكمه؟ والغريب أنه توجد فقرة واضحة في الدستور الدائم تحدد الهوية بصورة قاطعة. ولكن هناك من جعل قضية “الهوية” مولدا للتكسب بعقد الندوات وإقامة المهرجانات . وكدراسة حالة، نورد من صحيفة (الرأي العام)بتاريخ16/4/2014، خبرا عن ندوة بعنوان : ” الهوية والانتماء ودورها في تعزيز السلام”، نظمها (المجلس الأعلي للتعايش السلمي) مع منظمة (منار) الطوعية، وبرعاية معتمد (جبل أولياء) تحت شعار: ” نحن في السودان نهوي أوطانّا”. ويظهر الارتباك في فهم المشاركين للهوية، إذ يقول نائب الوالي: “إن الهوية السودانية معروفة في العالم وأن أي سوداني يفتخر بهويته”. وتتفلسف إحدي المشاركات متسائلة: “من أنا؟الاجابة عبارة واحدة: يجب أن تكون الوطنية ديدننا”.أما الراعي-معتمد جبل أولياء- فيري: ” إن القبيلة أحد مكونات المجتمع، ولكن يجب أن توظف في ما يفيد الوطن والمجتمع بشكل سليم”. ويبشر رئيس (المجلس الأعلي للتعايش السلمي)بأن المولد والسوق انطلقا، فقد أكد” أنه ستكون في مقبل الايام سمنارات وورش علي مستوي المحليات في هذا الشأن للاسهام في رتق النسيج الاجتماعي وحمايته من التمزق الراهن. الوطن في حاجة الي انسجام واستقرار وحل هذه المعضلة هو اللبنة الأولي: الهوية التي نريدها هي الهوية الوطنية”.

استراتيجية “الهوية” الحالية، بسيطة وساذجة، سوف يتنهي هذا الضجيج، بالقول: – السوداني عربي إسلامي نقي بعد فصل الجنوب، حسب خطاب البشير في القضارف. لذلك، من الضروري والحتمي ، أن يقرر الشعب دستورا إسلاميا بدون “دغمسة”.

خلفية تاريخية

من مظاهر الانتقائية لصناعة وتركيب “هوية” نقية وثابتة، العمل علي إعادة تشكيل التاريخ ، وتوظيفه من جديد. وبسبب البحث عن “هوية” تطغي فيها فكرة السوداني “العربي-الإسلامي”، كان لابد أن تقوم الطبقات المهيمنة بالغاء أو إهمال كل التاريخ السابق لدخول العرب والإسلام للسودان. وكأن تاريخ السودان يبدأ مع دخول العرب السودان أو دولة الفونج، وماعداه جاهلية أولي. وقد كان في الانتساب للعرب حماية وامتياز اجتماعي، وبدأت من الفونج صناعة الهوية العربية-الإسلامية واختراع الانساب. ويقول التاريخ أنه كان في نية السلطان (سليم) الزحف علي سنار بعد أن ضم سواكن ومصوع، ودخل الحبشة. وقد خاطب (عمارة دونقس) يدعوه للطاعة، فأجابه بما مفاده: ” إني لا أعلم ما الذي يحملك علي حربي، وامتلاك بلادي، فإن كان لأجل تأييد دين الإسلام فاني أنا وأهل مملكتي عرب مسلمون ندين بدين رسول الله وإن كان لغرض مادّي، فأعلم أن أكثر أهل مملكتي عرب بادية، وقد هاجروا إلي هذه البلاد في طلب الرزق ولا شيء عندهم تجمع منه جزية سنوية”. (شقير، 1981: 100). وقد أرسل (عمارة) إليه مع الرد كتاب انساب قبائل العرب الذين في مملكته جمعه له الامام (السمرقندي)أحد علماء سنار. وكانت هذه –كم يقول الشباب- بداية “نجر”الانساب. واستمرت العملية حتي اليوم، وقبل فترة قصيرة جاء في الأخبار: “. . رئيس رابطة العباسيين بالسودان الاستاذ عامر عبد الحميد قال ان الزيارة ستمتد الى منطقة العرشكول بالنيل الابيض اليوم السبت وتقام ندوة كبرى يوم الاحد بالخرطوم على شرف زيارة نقيب العباسيين الهاشميين للسودان”. (الراي العام 16/6/2013).

حقيقة التصوف السوداني

يحمد للعرب إدخال اللغة العربية والإسلام الصوفي ، ولكن عدا ذلك لم يعرف السودان أي مظهر حضاري مادي مثل المعمار، والإنتاج الاقتصادي الجديد من زراعة أو تربية حيوانات، أو أدوات والآت عمل، أو إدخال الفنون تشكيلية أو تعبيرية أخري كالمسرح مثلا، ولا ثقافة النحت والتماثيل، حتي ولا الموسيقي العربية. يعود ذلك للموقف من العمل اليدوي ، ومن قيمة ودور الجسد في الثقافة العربية . ومن الواضح أن العناصر التي هاجرت للسودان لم تكن الأفضل والأكثر تطورا، واجبرتهم ظروف قاسية باللجوء لهذا البلد الصعب. فحتي الإسلام الصوفي القادم معهم كان سطحيا، ويميل إلي “الطرائقية” نسبة للطرق الصوفية أكثر من كونها فكر أو فلسفة صوفية.

ففي ذلك الوقت، كانت البلاد والمنطقة عموما في حالة كاملة من الفوضي وعدم الاستقرار حين اتجه السودانيون نحو خيار التصوف للابتعاد من تقلبات السياسة والنزاعات القبلية. ويورد (عابدين) عن (العقاد) قوله: ” ويخطر لنا أن شيوع الطرق الصوفية في السودان قد نجم عن هذا الشقاق بين اشياع الدول الاسلامية المتعاقبة، فانتشرت فيه الجماعات الصوفية التي تدين بالألفة بين أعضائها وتعرض في سبيل ذلك عن التشيع لهذه الدولة أو لغيرها”. (1967: 66) ويري الكانب أن الطرق الصوفية كانت مفيدة مرحليا، فقد أدت وظيفتها في زمن الفونج: ” ولكنها بعد هذا العصر، ومع تطاول الزمن، أخذت تتجاوز حدودها، حتي أصبحت داعيا من دواعي التفرقة والخصومة، وحتي رأينا الدعوة المهدية تضطر الي ان تقف منها موقفا عدائيا”. (نفس المصدر السابق).

يكتب (عبدالهادي الصديق) عن علاقة الفكر الصوفي باليئة السودانية، أي عنصر المكان الذي انطلقت منه تيارات الأصل الصوفي مؤثرة في الثقافة الاسلامية الوافدة، وتعديلها الي النزعة الصوفية . إذ بعد سقوط دولة المقرة عمت البلاد فوضي شديدة وانقطعت صلة البلاد بالخارج. وقد عاش الفرد السوداني فترة التية تلك، زاهدا في الحياة لأنه لم يكن يملك فيها شيئا. فقد طبع العصر، الفرد السوداني، بالزهد في الحياة ومكاسبها، وأصبح علي استعداد روحي للإنتظام في سلك الطريقة الصوفية (80: 1989). وحسب (الطيب صالح) إن ما جعل (حاج حمد) يوجد مصالحة بين الموت والحياة عدم إسرافه في طلب الحياة، وأنه “بقي علي أي حال رغم الآوبئة وفساد الحكام وقسوة الطبيعة. وأنا موقن أن الموت حين يبرز سوف يبتسم هو في وجه الموت”. فقد تجاوز الاسراف في طلب الحياة ومن ثم سلم من خشية الموت ورهبته: ” إنه ليس شجرة سنديان شامخة وارفة الفروع في أرض منّت عليها الطبيعة بالماء والخصب، ولكنه كشجيرات السيال في صحاري السودان، سميكة اللحي، حادة الأشواك، تقهر الموت لأنها لا تسرف في الحياة”. (1992: 85). وفي موقع آخر في الرواية: “مثل هذه الأرض لا تنبت غير الانبياء. هذا قحط لا تداويه إلا السماء. الطريق لا ينتهي والشمس لا ترحم”. (ص110). وكان لابد لهم من الهروب الي السماء، والخيال، والمعجزات، وكراهية الحياة الدنيا والتوجه نحو الآخرة. فدنياهم حسب أمثالهم : “خربانة أم قدود شن فيها”و “المتغطي بيها عريان” و” الدنيا دار الزوال” و” الدنيا كتيرها وقليلها رايح” و ” الدنيا ما بتدوم متل الزيق في الهدوم”. ومن يحمل مثل هذا الفهم والرؤية للدنيا، بالتأكيد لن يتعب نفسه في تعميرها، ولن يفهم الاستخلاف علي الارض. لذلك، ببساطة يدخل من هذا الباب ويخرج من الباب الآخر. ومن هنا نفهم لماذا لم يترك لنا أجدادنا الكثير من المعمار والابداعات ووسائل الإنتاج؟ تركوا لنا الكلام ( حتي ولا المكتوب) والفصاحة فقط.

ومن ناحية اخري، يكتب (محمد المكي إبراهيم) عن اعتناق التصوف، لم يكن السبب الفلسفة أو الفكر، ولكن: ” فقد كان الوتر الافريقي في العقلية السودانية يستجيب للصوفية بأذكارها، واناشيدها وجوها المسحور”، ويضيف: ” . . كان تيار الثقافة الفقهية في السودان من الضعف بحيث لم يستطع الصمود أمام بدع الصوفية وغيبياتها فانتشرت بلا مقاومة في ميدان مفتوح وأرض ممهدة، وأيا كان الأمر، فقد افلحت خمسة قرون من التصوف في طبع الفكر السوداني بطابع غير علماني مازلنا نجد رواسبه في أكثر من مجال”. وفي رأيه أن ملامح الشخصية السودانية أو العقلية السودانية هي نتاج غلبة التصوف، فيقول: “. . فهو المسؤول عن قلة احتفال الفكر السوداني بالبحث العلمي، وهو المسؤول عن ظاهرة قصر النفس الكتابي والخطابي لدي أجيال السودانيين، وهو المسؤول عن السذاجة العاطفية التي تتجلي في ضعف الأداة المنطقية والميل الي تقرير الايمان بالرأي بدلا من الإقناع به، كما أنه المسؤول أيضا عن معظم مظاهر الحياة الاخلاقية كالقناعة والزهد والعزوف عن طيبات العالم”. (19: 1989 ). كانت الصوفية هي الخيارالوحيد، فالبلاد خالية تماما من معاهد العلم والمعرفة. وتستلزم العلوم الدينية جهدا أكبر في الدرس والتحصيل، في حين أن بلوغ درجة الولاية في الصوفية لا يحتاج إلي أكثر من الاخلاص، وتنقية النفس، وانتظار الفيض. ويري أن ما تلقاه السودان من مباديء التصوف لم يكن أكثر من قشور وتسميات، فرغم انتشار الصوفية الواسع، لم يظهر طوال عهد الفونج صوفي واحد يتفهم روح التصوف الاصيلة ويقرأ كتبه الأساسية، ويعمل وفق فلسفته- لقد عجزوا عن فهم أهم ركنين في التصوف الإسلامي، وهما الحب الالهي ووحدة الوجود. واستعاضوا عنهما بمظاهر تقليدية وسطحية للحب النبوي تتلخص في المديح الذي يتراوح بين المحبة والتشوق وبين التمجيد المتزلف لا اكثر، مضيفا لشخصية الرسول المعجزات التقليدية المسومة بطابع المبالغة والتهويل. (الاستثناء الوحيد هو الشيخ احمد الطيب البشير، مؤلف كتاب: ” الحكم” المسمي بالجوهر الفريد غي علم الوحدة والتوحيد). ويعرض الكتاب في معظم فصوله نظرية وحدة الوجود ولكن بطريقة يغلب عليها الاستشهاد والاقتباس بحيث يبدو اشبه بالمختارات (ص20).

يلاحظ (عبدالمجيد عابدين) أيضا، الانحياز الظاهر الي الجانب العملي من الصوفية. فقد كانت الثقافة الصوفية قليلة ومحدودة في الجانب النظري. ولم يحتاج الاتباع الي ثقافة نظرية صوفية واكتفوا بتلقي التعاليم والاذكار واساليب العبادة، فينفذون ما يتلقون. واقتصر الجانب العلمي ومعرفة نظريات التصوف علي عدد قليل من كبار المشائخ. ويكتب (عابدين) أنهم “قد تحدثوا عن المجاهدة والكشف والتصرف بالكرامات، والملامة والشطح وغيرها. ولكنه سريع خاطف لا يكون في جملته فلسفة صوفية، إن صح التعبير، ولا منهجا شاملا لحياة روحية”. (ص71).

أنتجت الصوفية السودانية عقلية متناقضة تساعد علي تساكن كراهية الدنيا وحبها في وقت واحد. إذ لم يكن الزهد شرطا لولاية في كل الاحوال، بل يمكن للولي أن يفسر بعض تصرفاته الغريبة بأنها حالة جذب او شطح. فقد تزوج بعضهم الكثير من النساء وامتلكوا السراري، ولبسوا الحرير، وناموا علي الريش. (محمد المكي ابراهيم، ص20) ويقول أنهم لم يتعرضوا للوم أوتثريب” وعلي العكس من ذلك كان هذا السلوك مفهوما ومبررا لدي العامة والخاصة”. وحالات الملامتية المعروفة، وقصص (سليمان الطوالي زغرات). كما أن بعضهم امتلك اقطاعيات كبيرة من هبات السلاطين. ولم يكن تساكن التناقضات وقف علي السلوك، ولكنه ظل سمة التفكير وشكّل العقل السوداني حتي اليوم.

(نواصل)
e-mail: hayder.ibrahim.ali@gmail.com