د. عبدالسلام نورالدين * -1- سقوط الحضارة الاسلامية: انك لا تجني من الشوك العنب فرض السقوط الكامل للحضارة الاسلامية (القرن الثالث عشر الميلادي) بعد  تبدلات  مأساوية ذات طابع تناسخي  انتقلت فيها الدولة الخراجية بعد تفككها واحتلالها من الداخل وغزوها من الخارج،  

فرض على مسلمي الشرق العربي وعلى الذين كانوا يوما بناة  في اسبانيا (93 هـ – 711 م  1492   ) فخربوا يأيديهم ما قد شادوا، ان يترجلوا مكرهين من مسرح صناعة التاريخ فتفرقوا مشردين  عقلا وروحا في الافاق ولم يكن امامهم سوى  ان يعودوا  مرة أخرى الى منازل العشائر والقبائل  التي عنها  قديما قد ترحلوا  من رسومها واطلالها  أو في تجليات أخرى أن   يتشخصوا في مشهد  كيانات وطوائف وفرق وملل ونحل  تسعى بالضغائن  والنزاعات  العرقية والمناطقية  كأن لم تكن يوما أمة لها دولة موحدة وعطاء،  فسيقت  بما آلت اليه  بقوة  دفع  الهزائم  التي حاقت بها من كل جانب  فاضطرت أن تجلس لا مشيئة لها وبالطبع لا خيار  على مقاعد التبعية والخمول الذهني وان  تكتفي من واقع بوارها   باسترجاع ايام  زاهية كانت لها، وأن تمتن حيث لا يصغي اليها أحد  بآلائها على الجميع  حينما كانت لب هذا الكون أما  “الفرنجة”  فقد كانوا وقتئذ قرودا على جذوع الاشجار ولا تنسى هذه الكيانات والطوائف  والملل والنحل أن تصوغ   من تفكيرها  الرغائبي باعادة  عقارب الساعة الى الوراء  مذاهب في النظر وايديولوجيات  مونقة تجعل من  مغالطات الوقائع وتزييفها   منطقا وجدلا  ومرشدا لرجعتها الى مجدها   التالد  الذي كان   .

 

-2-

ثانيا:   تبادل المقاعد

 

 شبت أوروبا  التي نضت ثيابها من تبن  وغبار ووعثاء  القرون الوسطى  وقد رمز الى ذلك النهوض خرستوفر كولمبس بابحاره وكشفه (1492  )  للاراضي الجديدة  وقد تواشج صعود الرأسمالية في القرن الخامس عشر الميلادي بخروح اوروبا  من عصور الظلام التي دخلها بخطى ثابتة ومنتظمة العرب والمسلمون الذين تم اجلاؤهم من إسبانيا  في نفس عام الابحار ودفعوا الى  ما وراء جبل طارق.

 

-3-

ثالثا: سوآت الاحتلال العثماني للشرق العربي

 

 صدت اوروبا الغربية جحافل جيوش الاتراك العثمانيين  الذين توغلوا في  جنوب اوروبا السلافية وانتاشوا بعض اطراف المجر في عمق الامبراطورية الهنغارية النمساوية”هابسبورج”  فتوجهوا ( 1516 ) قدما لوضع الشرق العربي تحت هيمنتهم  فاحتلوا الشام والعراق ومصر وميناء سواكن واليمن وشمال افريقيا  ولما كان ذلك الفتح العثماني للبلاد العربية  قد وقع في عشية  خروج أوروبا من عصور الظلام  الى أنوار عصر النهضة* فقد تضمن الظلام معني ودلالة  في الذهن الغربي – أنقشاع  الخطر التركي وزوال الدويلات العربية  من اسبانيا.

 حمل  الغزو العثماني للبلاد العربية  ثلاث سوآت –الاولى احتلال المسلم للمسلم  بكل الوسائل والآليات والفظائع التي يحملها الاحتلال الكافر للمسلم  ولم يكن  العثمانيون في احتلالهم  أرق قلوبا والين افئدة  على المسلمين العرب الذين سقطوا ضحايا حرابهم وخيولهم  وبنادقهم من الفرنسيين أو البريطانيين الذين حلوا محلهم  في  وقت لاحق والانكي من كل ذلك تلك المغالطات الفظة التي زاولها الاتراك  العثمانيون على العرب بان عليهم طاعة أولى الامر منهم كما يأمرهم الاسلام ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59  النساء﴾ وأن الباب العالى بالآستانة يمثل ظل الله في الارض (ويبدو أن قد تبنت في وقت لاحق   الحركة الاصولية التي أسسها حسن البنا (1928-) الاخوان المسلمون تلك المغالطات بوصفها  ميراثا وتراثا دينيا مقدسا).

السوأ ة الثانية أن قد عزل الاتراك العثمانيون البلاد العربية في عشية استعمارهم لها 1516 من التواصل مع عصر النهضة في اروبا  وقد امتد ذلك العزل لاكثر من ثلاثمائة عام (1516-1798 ) عادت فيه الشعوب العربية الى أطوار قد تخطتها   تحت زعازع الاستعمار العثماني  الذي جمع الي جانب اقتصاديات الاقطاع العسكري ( الجبايات والمكوس -الطلبة – ضريبة الراس) الفظاظة  البالغة التي طبعت استبدادهم السياسي * ووسمته بالغباء والعنجهية  وصاحب ذلك بدائية  فى التنظيم الاجتماعي والجمود الثقافي   فاضفوا تزمتا  على الفقة الحنفي الذي تبنوه  وضربوا على العلاقات بين الجنسين حصارا  وعزلا وفرضوا الحجاب الاسود ( الشرشف والنقاب والبرقع والبلامة) على فئات لم  تك تعرف ذلك من قبل  وقد تبنت حركة الاخوان  المسلمين  كل ذلك.

  أما السوأة الثالثة فقد حول الاحتلال التركي  الاختلافات والتباينات الدينية بين المسلمين والمسيحيين واليزيديين والزرادشتيين  واليهود من جهة وبين السنيين والمذاهب الشيعية الاخرى الى حواجز سياسية وتقاسيم  اجتماعية ودرجات في الانتماء الوطني بعضها فوق بعض  بين ابناء البلد الواحد والدين الواحد  يحددها   القرب والبعد منه   كحاكم وقد تيسر له  عبر قاعدة ” فرق تسد ” التي تبناها في ادارة  المحكومين   البقاء كمحتل  امدا طويلا .

وكان من النتائج الوخيمة  التي ترتبت على سياسة فرق تسد  ازدهار ثقافة الكراهية بين المسلمين والاقباط في مصر وبروز الكيانات الطائفية  المتناحرة في لبنان وسوريا والعراق وحينما فشل  الاحتلال العثماني في تنمية وادارة الشرق العربي واستحق بجدارة لقب رجل اوروبا المريض استقدم ( وقد غاب عنه لحظتئذٍ انه ممثل الخلافة الاسلامية وظل الله في الارض)  الأمبراطوريتين البريطانية والفرنسية لتحلان محله” الاخطر من كل ذلك قد عزق “العثماني” الارض الاجتماعية التي نبتت منها واعشوشبت  وامتدت حبال الاصولية السلفية السنية. أضاف الغزو الإستعماري الأوروبي طينه اللازب  فوق كل ذلك فزاد  الوعي واللاوعي تفسخا. ظل الغزو الأوروبي يبحث عن تبرير نظري وعملي كي  يتجنب صوريا  ان  يخرق مبادىء الحرية والإخاء والمساواة – التي طرحها كهوية حضارية تميزه عن الحضارات والثقافات الأخرى فاستقطب قيادات العشائرالقبلية  والطوائف  الدينية لتكون ظهيرا  ومرشدا  له  في المجتمع العربي  الاسلامي  ومنحها المفاتيح والمقاليد  التي صنعها بدهاء  واستلحق بها الجزء الحضري. وكان لوضع الفئات العاجزة تاريخيا أمام الفئات  الحديثة القادرة من المجتمع  أن قد تمرأى  الزمن  وكأنه يتقدم الى الخلف . بذل الغزو الإستعماري مكرا كبارا أن تصبح القبائل والطوائف أوطانا وأمما وحدودا. والشيء الآخر أن الغزو الامبريالي قد أدخل في ذهن  عامة المسلمين  أن الخلاف بين الشرق والغرب قائم على التقابل   بين المسيحية والإسلام  ( الشرق شرق والغرب غرب وهيهات ان يلتقيا) رغم الحقيقة التي يشق انكارها ان المسيحية ذات اصول شرقية  وليست اليهودية بعيدة عن ذلك.

 

 تضافرت كل العوامل  التي اشرنا  إليها ابتداءً من تفكك الدولة الخراجية الكبرى  الى سقوطها الحضاري الذي رمى بالمجتمعات المسلمة  في معطن   الانحطاط  الذي سرى كترياق سام في  كل فضاءاتها  وقد وقع لها ذلك   في ثنايا حروب واجتياحات متبادلة  استمر تمريرها  وغزوها من الباطن وآخر من الخارج  فضرب عليها  عزلة  امتدت قرون عددا  ثم تفتحت عيونها في صحوة قسرية من سباتها الذي دام طويلا على  كابوس   الغزو الاوروبي الحديث الذي اصطنع لنخب الشعوب المسلمة   صيغة للوجود والتعايش  والقيادة  جد مربكة  أن تحافظ بها الشعوب الاسلامية على “تخلفها الحضاري  بوصفه اصالتها وهويتها في سياق التحديث الغربي الذي لا ينبغي له أن يخل بتشكل شخصيتهاالتقليدية  الفضلى  . وهكذا  تجمعت وتضافرت وقائع ذات طابع تاريخي  ومفارقات من صنع غباء بدائية الاحتلال العثماني وفسيفسائيات  تجمع المتجاورات المتناحرات  من الاحاسيس والتصورات في عقل ووجدان  واحد من ابتداع  الدهاء الاستعماري لفرنسا وبريطانيا   مع العجز العصامي الذي طبع سلوكيات دولة  الاستقلال في البلدان الاسلامية  التي انجبت  بدورها نخبا منبتة اضفت, واضافت الى  طموحاتها  التي لا تتجاوز حدود الانا فيها  التي لا تبتغي  في مسعاها  اكثر من  الهيمنة والاستئثار بالثروة والسلطة  مهما كان الثمن  وايا كانت الضحايا،  تعينها  اكروباتيات برعت في التدرب عليها  في   التحلل من اي  قيد وطني او التزام اخلاقي  وقد تأتى لها  ان تقتطع من الدين  الذي يحظى بالتقديس من شعوبها حطبا يصلح بعد اعمال نجارتها عليه  لوحا واطارا لذلك التحلل   لتمنحها الشرعية الدينية  جرأة في الفعل وحماسا في اقتراف الموبقات من كل شاكلة ونوع دون ان يتحرك في باطنها وازع   فاستوت  السلفية الاصولية – اللوح والاطار” القلب والقالب   وعيا  اجتماعيا وشرعية ثقافية  وايدولوجية لها ديباجة ومقولات لشرائح  وفئات  ونخب  عاجزة  عن صياغة وتنفيذ مشروعات قومية شاملة لبناء اوطان  تتخطى التبعية الى الاستقلال  ومع ذلك ليس من الموضوعية في شئ اغفال أن  لتلك السلفية الاصولية  مواهب وقدرات واسعة  في  تكميم أفواه وايدي المسلمين باكمام قمصانهم وجلابيبهم  وعمائمهم واجبارهم بالاصطفاف الاجباري للسير في صراطهم  لتحقيق هيمنتها وتمكينها  في الدنيا باسم الآخرة. بكلمة واحدة  تبرز و- تتجلى الاصولية السلفية معادلا موضوعيا   لوقائع الف عام من الانحطاط  الذهني  والتاريخي  والسير في الاتجاهات الخاطئة  والانطلاق دائما وابدا من المقدمات الزائفة  ومع طموحات ومصالح واشواق  لا تتحقق خارج سياق تلك الوقائع والمقدمات والنتائج .

 

* abdelsalamhamad@yahoo.co.uk