محمّد جلال أحمد هاشم* ما إن نجح انقلاب 30 يونيو 1989م في استلام السّلطة حتّى باشر النّظامُ الجديد الشّعبَ السّوداني بموبقة (ضمن مجموعة من الموبقات وخيمات العاقبة) لم يسبقه عليها نظام من قبله.

فقد اتّخذ النّظام جملة إجراءات تعتبر الأخطر في تاريخ مؤسّسة الدّولة الحديثة في السّودان. فلأوّل مرّة في تاريخها، تقوم مجموعة أيديولوجيّة باختطاف مؤسّسة الدّولة والتّعامل معها كما لو كانت فيئاً حازوه في ميدان القتال. فقد تمّ تشريد ملايين المواطنين من أعمالهم إمّا بالفصل المباشر، أو بتصفية المؤسّسات التي كانوا يتعملون فيها، أو بدفع تلك المؤسّسات إلى الإفلاس نكايةً في أصحابها الذين لا يُدينون بالولاء لتلك الطائفة الأيديولوجيّة، أو بإشعال الحرب في مناطق عمل تلك المؤسّسات إلخ من أسباب يطول حصرُها. في المقابل، قام النّظام بإحلال الموالين له في المواقع التي تمّ إخلاؤها فيما عُرف بالتّمكين، فكان الولاء قبل الكفاءة، الأمر الذي انعكس سلباً على أداء مجمل مرافق الدّولة أوّلاً ثمّ لاحقاً شمل الانهيار باقي مؤسّسات القطاع الخاصّة إذ قام نظام الإنقاذ بشنّ حرب إداريّة وقانونيّة منظّمة ضدّ مؤسّسات القطاع الخاصّ بغية دفعها إلى الإفلاس في سبيل إحلال مؤسّسات جديدة يملكها أهل الولاء. وقد بلغ الانهيار بعد مضيّ ما لا يزيد عن العشر سنوات درجة خطيرة بمقتضاها احتاج النّاس لاستجلاب العمالة غير الماهرة من الخارج، دع عنك العمالة الماهرة.

ثمّ كانت هناك موبقة ثانية للنّظام تمثّلت في مباشرة القوى السّياسيّة المعارضة له بحزمة إجراءات قمعيّة فارقت جميع القيم الدّينيّة السّمحاء في تاريخ البشريّة، نمّت عن أيِّ نفسٍ مريضة جُبل عليها ذلك التّنظيم بقيادة حسن التّرابي. تلك الموبقة كانت ما يُعرف ببيوت الأشباح، حيث سيق أتباع الاتّجاهات السّياسيّة الأخرى بعموم إلى عدد غير معروف حتّى الآن من البيوت الحكوميّة التي كانت مخصّصة لسكنى كبار موظّفي الحكومة فاستخدموها كمعتقلات سرّيّة. ليس هذا فحسب، بل بلغت درجة الانحطاط أن قام بتعذيب المعتقلين مجموعات مختارة من تنظيم الإخوان المسلمين كانوا قد قد درّبوهم لهذه الأغراض منذ سنوات. اتّساقاً مع حالة الخور والتي وسمت سلوك قيادات الانقلاب وعلى رأسهم حسن التّرابي، توقّى زبانية بيوت الأشباح بإخفاء وجوههم فلبسوا البراقع خشية أن يُعرفوا في حال فشل الانقلاب. بلغت الوحشيّة غير الإنسانيّة درجة غير مسبوقة في تاريخ السّودان، حيث كان يُعذّب المعتقلون لأيّام وهم مكدّسون في زنازين ابتناها على عجل زبانية النّظام في جوف تلك البيوت وتحت أرضها. وقد كشفوا في تعذيبهم عن نفس مريضة هي طبق ما تحكي عنه جميع الحركات الدّينيّة الأصوليّة من حيث ارتباطها المرضيّ بالجنس، فعمد الزّبانية إلى انتهاك أعراض الرّجال إمّا باغتصابهم أو بإحضار زوجاتهم وتعريتهم ثمّ اغتصابهم، أو الموبقتين معاً.

ثمّ كانت الموبقة الثّالثة عندما وسّع النّظام من دائرة الحرب الأهليّة بحكم طبيعته الأيديولوجيّة ثمّ سياساته التي لا تعرف حرمةً للموجّهات الوطنيّة. فقد انتشرت واتّسعت دائرة الحرب الأهليّة لتشمل جميع مناطق السّودان بما في ذلك الشّرق والغرب، بجانب مناطق اشتعالها السّابقة (الجنوب، وجبال النّوبة وجنوب النّيل الأزرق). كما لم يكفه هذا، بدافع من عقليّته الأيديولوجيّة الملتاثة، حوّل النّظام الحرب الأهليّة إلى جهاد ضدّ الكفّار الذي لا يستحقّون أن يرعَوا لهم إلاًّ ولا ذمّة، فكان تقتيل المدنيّين بطريقة منظّمة، ممنهجة، بجانب تصفية أسرى الحرب. كان ذلك هو الإسفين الذي غرزته الإنقاذ في جسد الوحدة الوطنيّة، الأمر الذي سينتهي بجنوب السّودان. عندما تمّ توقيع اتّفاقيّة السّلام عام 2005م بين النّظام من جانب والحركة الشّعبيّة لتحرير السّودان من جانب آخر، لم يتمكّن النّظام من تسليم الحركة الشّعبيّة أسيراً واحداً لتلك الحرب الطّويلة، هذا بينما قامت الحركة الشّعبيّة بتسليم النّظام الآلاف من أسرى الحرب.

حدث كلّ هذا في ظلّ سياسات أقلّ ما يمكن وصفها به أنّها كان يعوزها الذّكاء، فقد اتّصفت بنفس حالة الغباء الأيديولوجي الذي وسم الحركة من حيث سلفيّتها وانغلاقها في صورة ذهنيّة لا تمتّ إلى الواقع بصلة، بما في ذلك الفترة التي يزعمون بأنّها شهدت تطبيقها (القرن السّابع الميلادي). ففيخلال السّنتين الأولتين، تفاقمت الأزمات وأحاطت به من كلّ جانب. فقد تدهور الاقتصاد السّوداني بوتيرة متسارعة عجز الاقتصاديّون عن استيعابها. كما فقد السّودان موقعه الوسطي ما بين العالمين العربي من جانب والعالم الأفريقي من جانب آخر، لإاصبح يعيش في عزلة ماحقة على جميع الأصعدة. هذه هي الفترة التي تمّ تصنيف السّودان على أنّه دولة تدعم الإرهاب، وتشكّل خطراً على سلامة واستقرار جيرانها. فبجانب فتح أبوابه على مصراعيها لشذّاذ الآفاق من السّلفيّين ومنحهم الدّعم اللوجستي بل الجنسيّة السّودانيّة والجوازات الدّبلوماسيّة، تورّط النّظام في جملة سياسات خارجية الهدف منها تغيير أنظمة الحكم في دول مجاورة، أو حتّى اغتيال رؤسائها. وكان كلّ هذا بدافع الغرور الذي يتملّك الحركات السّلفيّة التي تحلّق فوق الواقع دون أن تعيش فيه.

 

 

يتحمّل حسن التّرابي مسئولية جميع هذا ليس بحكم أنّه كان مهندس الإنقلاب ومدبّره فحسب، وليس  لأنّه كان يُدير شئون البلاد من وراء الكواليس مباشرةً بعد العام الأوّل وخروجه من السّجن الاختياري، بل لأنّه هو الذي خطّط لجميع هذا. فقد ظلّ النّظام يسير على هدي الخطط التي وضعها حتّى بعد مفارقته له. بمجرّد وقوع الانقلاب، اتّبع حسن التّرابي حيلة لا تنطوي على كبير ذكاء بقدر ما تنطوي على إفلاس أخلاقي كامل في التّعامل مع طفله غير الشّرعي (انقلاب الإنقاذ. فقد قضت خطّتُه بأن يكذب من على المنابر (وكذبةُ المنبر بلقاء)، نافياً ليس فقط أيّ علاقة له بالانقلاب، بل بلغت الخسّة ومدى الانحطاط غير الأخلاقي درجة أن يحمل باقي أعضاء تنظيمه على مجاراته في الكذب وإنكار أنّ الانقلاب قد قامت به الجبهة القوميّة الإسلاميّة. على هذا قضت خطّة حسن التّرابي بأن يدخل هو نفسه السّجن ضمن القادة السّياسيّين الذين حُصروا من جمعٍ وأُدخلوا السّجون أينما وُجدوا أو وُجدت. انطوت خطّة حسن التّرابي، بجانب تناقضها مع كلّ مخايل الأخلاق الإسلاميّة التي أفنى الرّجل عمره وهو يبشّر بها ويدعو إليها، على موبقة أخرى ربّما لم يشاركه فيها أيٌّ من القادة السّياسيّين، ألا وهي الخور من تحمّل مسئوليّة ما يفعله. فقد خشي أن يفشل الانقلاب، فأراد أن يتوقّى بنفي علاقته بالانقلاب خشية أن يُحمّل مسئوليّة الانقلاب في حال فشله. وزاد في سقوطه في معياره الأخلاقي بأن حمل باقي قيادة حزبه على الانزواء والعمل من خلف الكواليس تحوّطاً لفشل الانقلاب. في هذا قدّموا عدداً من أعضاء حزبهم غير المعروفين بالإضافة إلى الجيش العرمرم من الانتهازيّين وقصيري النّظر الذين على استعداد كيما ينهوا عمرهم قبل أوانه مقابل أن يتسنّموا موقعاً مرموقاً ضمن قائمة المستوزرين، فضلاً عن أعداء الدّيموقراطيّة من بقايا فلول نظام مايو البائد. ليس هذا فحسب، بل تمادى حسن التّرابي في خوره وبلغ حدّه غير المسبوق عندما أطال فترة غيابه بأكثر ممّا يجب حتّى ظنّ الكثير من المراقبين أنّه قد فضّل أن يلعب دور المخرج في الفيلم فلا يظهر فيه ولو كان صانعه ومهندسه.

 

 

لم تنطلِ حيلة حسن التّرابي في التوقّي بالكذب وإنكار صلته بالانقلاب إلاّ على نفسه. فقد كان جميع أتباعه وتلاميذه على علم بنواياه، فكان أن سقط في نظرهم. في هذا كتب أحد تلاميذه ممّن سلخ شبابه وهو يتبعه، ألا وهو محمّد طه محمّد أحمد قائلاً: «وحينما رفض العميد عثمان أحمد حسن، رئيس اللجنة السّياسيّة لمجلس قيادة الثّورة الانصياع لأوامر التّرابى ورفض العميد عثمان أن يبصم على كلّ ما يقوله التّرابى وقدّم عثمان استقالته من مجلس الثّورة أشاع التّرابى أنّ العميد عثمان لم يكن له دور إيجابى فى التّحرّك فجر 30 يونيو 1989م، بل وظلّ يردّد أنّ العميد عثمان خاف وأصابه الجبن. وهذا كلّه من باب التّجريح. إنّ العميد عثمان تحمّل المسؤليّة ولكن التّرابى هو الذى اختفى فى السّجن ليقول للسّياسيّين إذا فشل الانقلاب وتعرّض قادته للانقلاب [المضادّ] إنّنى برئ ممّا حدث بدليل أنّنى معكم فى السّجن مع الميرغنى، زعيم الاتّحاديّين والصّادق المهدى، زعيم حزب الأمة، ومع نقد، زعيم الشّيوعيّين». وقد ذهب العديد من تلاميذه إلى مثل ذلك، إلاّ أنّ محمّد طه محمّد أحمد يقف كحالة استثنائيّة، إذ رمى شيخه بالتّهم، ونعته بالنّعوت، التي ظلّ أعداء تنظيم الإخوان المسلمين يرمونه بها وينعتونه بها، وبعضها يدخل في باب المقذعات (راجع المقال في موقع سودانيّات: http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?t=3569).

لقد جاء الانقلاب بتدبير تام من قيادة الجبهة الإسلاميّة.وقد استمرّ اللجّ في النّكران لأكثر من خمسة أعوام ظلّ حسن التّرابي خلالَها يُدير البلاد وهو يظنّ أنّه يلبس طاقيّة الإخفاء في الوقت الذي كان الشّعب كلّه يراه. فما قاله محمّد طه محمّد أحمد هنا كان شيئا يعرفُه جميع أعضاء تنظيم الإخوان المسلمين؛ إلاّ أنّ التّرابي كان غافلا عن هذه الحقيقة، ذلك ربّما بأثر من نزعته في استغباء أتباعه.

*مجتزأ من الفصل السّابع من كتاب: الفقه الإسلامي الحداثوي