د .زهير السراج يتحدث بعض مسؤولى الحكومة عن الانضمام لمنظمة التجارة العالمية وكأنها جمعية خيرية لإيواء الفاشلين والعطالة، وليست هيئة دولية لتنظيم التجارة وتقديم المساعدة الفنية لتسهيل حركة التجارة الدولية بين الدول الأعضاء ..

وقد ظلت تفعل ذلك منذ تأسيسها فى عام 1995 بعد جولة مفاوضات صعبة وطويلة امتدت لحوالى ثمان سنوات وشملت 125 دولة تم الاتفاق خلالها على أسس عمل المنظمة واهدافها وبرامجها وشروط ومتطلبات الانضمام إليها، وهى شروط ومتطلبات صعبة جدا أهمها وجود نظم مؤسسية وقانونية واضحة وبنية تحتية مؤهلة لممارسة التجارة الدولية …إلخ، وليس كما يعتقد بعض المسؤولين السودانيين بضع لافتات حكومية يستظل بها أهل الولاء والثقة ويتخذونها وسيلة لممارسة الفشخرة والاستمتاع بالسفريات الخارجية  ..!! 

* آخر هؤلاء المسؤولين الاستاذة سامية محمد أحمد نائب رئيس المجلس الوطنى التى حشرت نفسها فى ما لا تعرف عنه شيئا وطالبت المنظمة بالابتعاد عن الأجندة السياسية وقبول عضوية السودان التى تأخرت كثيرا، وبررت مطالبتها  بأن السودان عضو الأمم المتحدة وبالتالى يحق له الانضمام لمنظمة التجارة الدولية علما بأن المنظمة وان كانت وثيقة الصلة بالأمم المتحدة إلا انها هيئة مستقلة تماما ولها شروط  فنية للعضوية لا علاقة لها بالسياسة او بشروط الانضمام للأمم المتحدة، ولا شك ان كل من سمع الاستاذة سامية وهى تدلى بهذا الحديث الفج قد ضحك كثيرا فى أعماق نفسه ..!! 

* من المعروف أن السودان قد تقدم بطلب العضوية قبل أكثر من تسعة اعوام وتشكلت لجنة عمل، حسب قانون المنظمة، لنظر الطلب وتقديم المساعدة الفنية للسودان لاستيفاء متطلبات الانضمام الكثيرة والصعبة، وكان ذلك بعد أقل من شهر من الطلب الذى تقدم به، ثم انعقدت بعد ذلك الكثير من ورش العمل لتأهيل الوفود السودانية للتفاوض أولا، وتنويرهم بنوعية المذكرات التى يجب ان تقدمها حكومة السودان للانضمام الى المنظمة والتى تتضمن عددا من الجداول عن الإمكانيات السودانية فى مجال البنى التحتية بما فى ذلك المؤسسات المالية والتكنولوجية القادرة على تنظيم وادارة العمل التجارى الدولى، والأطر القانونية وجداول التعرفات الجمركية التى ستلتزم بها الحكومة السودانية فى تعاملها مع الدول الأعضاء، وجداول المنتجات والصادرات ..إلخ 

* وبما أن الحكومة السودانية لم تكن لديها مثل تلك المؤسسات والبنى التحتية والخبرات، بل حتى الأشخاص المؤهلين لادارة المفاوضات مع لجان المنظمة، فلقد تأخر السودان كثيرا فى تقديم المذكرات المطلوبة منه، وجاءت أول مذكرة فى عام 1999، أى بعد اربعة اعوام كاملة من تكوين لجنة العمل الدولية لبحث طلب عضوية السودان، وهى لجنة لا علاقة لها بالسياسة والمسائل السياسية، وانما بالمسائل الفنية وغيرها التى لا بد منها للانضمام للمنظمة وممارسة التجارة الدولية حسب الأسس الدولية المتفق عليها بين الدول الأعضاء ..!! 

* وللأسف أظهرت المذكرة وبعد مناقشتها باستفاضة مع الوفود السودانية المختلفة التى كان أغلبها يأتى لمقر المنظمة فى جنيف لممارسة السياحة والتسوق، القصور الكبير فى الامكانات التى تؤهل السودان للانضمام للمنظمة، فأوصت اللجنة بإجراء المزيد من الجهد فى انشاء البنى التحتية والأطر القانونية وتأهيل الكوادر المطلوبة وجداول التعرفات الجمركية ..إلخ ، ثم اجتمعت فى عام 2004 لتبحث مدى تقدم السودان فى المجالات التى طلبت منه، ومرة أخرى وجدت نفس العيوب والنقائص لم يتغير فيها شئ، فأوصت مرة أخرى بالمزيد من العمل. 

* ومرة ثالثة ورابعة وعاشرة، ظل السودان يعانى من وجود نفس النقائص والعيوب، بل إزداد الطين بلة بالانهيار الاقتصادى بعد انفصال الجنوب ، وهجرة المزيد من الخبراء السودانيين الى الخارج للبحث عن ظروف أفضل للعمل والحياة، كما وان الحكومة لم تلتزم بوضع الأطر القانونية المطلوبة لممارسة العمل التجارى الدولى، ولم تفعل شيئا يذكر بخصوص جداول التعرفات الجمركية المطلوبة، غير أن اللجنة ونسبة لطول الزمن منذ تقديم السودان لطلب العضوية أقامت ورشة عمل فى عام 2012 حضرها وفد سودانى كبير والعديد من الخبراء الدوليين فى مجال التجارة الدولية لبحث ملف السودان، وخرجت بالآتى: 

1 – غياب الآليات المؤسسية السودانية اللازمة للانضمام للمنظمة وممارسة التجارة الدولية. 

2 – عدم وجود البنى التحتية والمؤسسات المالية المؤهلة. 

3 – عدم وجود الأطر القانونية المناسبة 

4 –  عدم وجود التمويل اللازم لعمل المؤسسات المالية 

5 – عدم وجود البنى التحتية لتكنولوجيا المعلومات. 

* وعليه أوصت الورشة ببذل المزيد من الجهد حتى يصبح السودان مؤهلا لاكتساب عضوية المنظمة  وممارسة التجارة الدولية، وهى نفس التوصية التى ظلت اللجنة تتكرم بها على السودان منذ عام 1995 ولم تفعل حكومة السودان شيئا  لتنفيذها، ثم تاتى الحكومة لتتهم المنظمة من حين لآخر بوجود أسباب سياسية تمنعها من قبول عضوية السودان .. معتقدة ان هذه الاتهامات ستبعد عنها مسؤولية الفشل والاخفاق والتسيب والاهمال ..!!