عبد العزيز بركة ساكن 1- معظم كُتاب العالم ممتحنون، أما محنة الكاتب والكاتبة في السودان، فمن أعمق وأغور جراحات العاملين بالفنون ومجالات الإبداع الأخرى،

وذلك لأسباب اجتماعية وسياسية واقتصادية شكلت الوعي بمفهوم الهُوية والنظرة الي الأدب والفن بصورة عامة، ومن جانب خلق المادة الفنية وطباعتها ونشرها ونقدها لاحقا..

2- 

تلعب اللغة دور الممتحن الأول، فاللغة التي يفكر بها الكاتبُ او الكتابة كما هو معروف هي لغة المخاطبة اليومية ولغة حياتهما الشخصية والعامة، أي لغة المكان والزمان، او كما يقول البعض هي اللغة التي يتحدثان بها عندما يحلمان. وهذه اللغة في السودان هي العاميات السودانية المشتقة من اللغة العربية ولهجاتها وتمثل ما يُعرف ب lingua franca.وكثير من اللغات المحلية القبلية التي تُقدر بحوالي 113 لغة تتحدث بها 120 قبيلة افريقية. العاميات العربية وتلك اللغُات هي ما يُفترض الي حد كبير، ان تكون لسان الأبطال المحليين في النصوص السردية، ما لم تفترض ضرورات فنية غير ذلك. وغني عن الذكر ان اللغة العربية هي احدى اللغات الآسيوافريقية Afro-Asian languages.

3-  

 صلة الكاتب والكاتبة في السودان باللغة العربية الفصحى المعيارية في الغالب، هي صلة تعلم مدرسي وأحيانا صلة عمل، أقصد لغة مكاتبات وتدوين أو تدريس وصلة قراءة. وعندما يبدع كِتابيا، مطلوب منه أن يستخدم اللغة العربية الفصحى في المتن مع حُرية اكبر في الحوارات، أي اللغة التى لا يفكر بها، أي مطلوب منه أن يفكر بلغة ويكتب بأخرى، بالتالي يعاني من ذلك المخاض التحويلي الهدمي البنائي، الذي يعمل على مستوى الصورة والفكرة والإحساس بالشيء.

في مجال الشعر خاصة ذلك الذي ينهض على الموسيقى التقليدية الخليلية، فالمسألة أكثر تعقيداً، فالموسيقى الخليلية هي ليست ما يجب أن يمشي عليه الإيقاع الشعري، ولكن هي ما وجد عليه الخليل الإيقاع الشعري في زمان ومكان بعيدين وغريبين عن أمكنة وأزمنة كثيرة، ومنها الزمان والمكان السودانيين، والشيء الآخر أن تلك الموسيقى بلا شك قد بُنِيت في الأصل لدى الشعراء على أمزجة لا تنفك من الموسيقى السائدة والغناء والإيقاعات التطريبية وإيقاعات الحياة منها أدوات العمل، المواصلات، طرائق النطق، أصوات المكان، وطرائق العيش وغيرها. وإذا لم تنتبه الشاعرة والشاعر السوداني لكل ذلك سيجد نفسه مورطا في الالتزام بأدوات صنعة لا تذهب عميقا في وجدانه الإبداعي، أي تظل فوقية، فيصبح انتاجه أيضا كذلك، ولا ينجح فيه إلا من وطن نفسه على أمزجةِ أزمنةِ وأمكنةِ الفراهيدي، وهذا يحتاج لتغريب ومران صعبين وغالبا ما يُلهيان عن الشعر بالصنعة.

ولقد بدأتْ لي تلك الملاحظة واضحة عندما أخذتُ أدرسُ أحد شعراء العامية السودانيين، شاعر الدُوبيت المدني عبد الله الكردوسي توفي في 1934، قد لاحظ قبلي الأستاذ ميرغني ديشاب صاحب كتاب قاموس شعراء البطانة، أن الشاعر المدني كتب شعره بأوزان غريبة، غير معتادة لدى شعراء البطانة الذين سبقوه وأيضا لدى شعراء وشاعرات الفصحى السودانيين، وبدراسة حياته عرفت أنّ الشاعر ما كان يستخدم الجَمَلَ في ترحاله كما هي عادة الشعراء من قبله، حيث أنهم يرددون الشعر على ظهور نوقهم ويتغنون به في الترحال، فلقد كان يستخدم الحمار كوسيلة ترحال، ومعروف أن ايقاع سير الحمار ليس كإيقاع سير الجمل، فظني أن ذلك أحد العوامل المهمة في أن تأتي ايقاعات شعره في بحور غريبة وسريعة وشديدة التنوع.

الكلام،

بالبمبقايا.

الحديث،

بالإنتكاية.

يموت فلان،

راجل هناية.

يعيش فلان،

يعشق هناية: ليلي ليل يا شكل ليل.

لا يكتب مثل هذه الإيقاعات إلا من خبر كربات الحمار “الريفاوي” وحران الجحش “المكادي” علي “ببادوبة” وطينة مدينة  القضارف.

نواصل