رشا عوض بعد أن أكمل نظام عمر البشير جريمة تقسيم السودان، وجريمة حريق دارفور، وأشعل الحرب التي تنذر بتقسيم جديد في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق،

ما زال البشير يتحفنا بأحاديثه التي تبرهن على ان الرجل مثابر وبإصرار عنيد على مواصلة برنامجه”الإنقاذي” ويؤكد عبثية ولا جدوى أي حوار معه، والسبب باختصار هو عدم وجود أية مراجعات جادة للأفكار وللمنهج السياسي الذي أنتج الأزمات، بل هناك “تراجعات تكتيكية” للخداع ومن ثم تمديد عمر النظام رغم انتهاء صلاحيته.

آخر ما أتحفنا به البشير هو الحديث الذي أوردته وكالة أنباء السودان(سونا) حول “تلقى السودان اعتذارات من قوى دولية عملت من اجل فصل الجنوب بغية تدمير الشمال واذا بها تطالب الان باعادة النظر فى انفصال الجنوب والعمل على اعادة الوحدة بين السودان ودولة جنوب السودان. و ان الامر حتى ولو تم قبوله يتطلب استفتاء اهل السودان ليقرروا فيه”! ويضيف البشير في خطابه لفعالية حزبية في المؤتمر الوطني:.
“اعداء الوطن محتارين بعد فصلهم الجنوب لدمار الشمال وليس لاى سبب اخر والان يأتون ويقولون نحن غلطانين لم نسمع كلامكم ونحن ندمانين، ودعونا للتوحد”. وقال “نحن دولة قائمة ولكى ينضم لنا جزء اخر لابد ان نستفتى الشعب السودانى لاخذ رأيه، هذا اذا نحن اقتنعنا”
ولنبدأ مناقشة حديث البشير من عبارة(نستفتي الشعب السوداني لأخذ رأيه) فهنا يقفز سؤال مهم جدا وهو هل يؤمن البشير حقا بأن القضايا الكبيرة تستوجب استفتاء الشعوب؟ وإذا كان الأمر كذلك لماذا قفز البشير إلى السلطة بانقلاب عسكري دون ان يستفتي أحدا، وكل من قال (بغم) في معارضة النظام الانقلابي قتل أو سجن أو أرسل الى بيوت الأشباح وذاق الإذلال والتعذيب؟ وهل البشير يجلس على كرسيه الآن بتفويض من الشعب او نتيجة لاستفتائه ام انه يجلس عليه بالقوة التي جاء بها ابتداء، وكل الذي تغير هو المسرحيات الانتخابية الهزلية التي لو أجريت آلاف المرات لكانت نتيجتها واحدة: فوز البشير وحزبه المهيمن بأغلبية ساحقة؟! ولماذا لم يتم استفتاء الشعب السوداني في”استمرار حكم البشير ونظامه” عقب انفصال الجنوب الذي يصفه البشير بأنه (مؤامرة عدائية ضد الشمال) أليس من واجب البشير كحاكم وكمسئول أول في الدولة السودانية أن يتصدى للمؤامرات العدائية ويهزمها، ليس بالصياح والهتاف الأجوف بل بالسياسات الحكيمة والتخطيط الاستراتيجي؟! هل يليق برجل دولة مسؤول ان يكتفي بدور”الشامت” في الوطن الذي انقسم من وطنه، ويلمح بلا حياء إلى أنه زاهد في عودة هذا الجزء المنقسم؟ ألا يدل ذلك على ان الذي فصل الجنوب ليس المؤامرات الدولية بل هو  مؤامرات البشير ونظامه المستعد دائما  لمقايضة وحدة الوطن باستمرار سلطته الشمولية وامتيازاته المرتبطة بالفساد والاحتكار؟

وهل نجح البشير في إدارة الشمال بعد أن انفصل الجنوب حتى يقف شامتا في فشل دولة جنوب السودان؟ ألا يعاني الشمال نفسه من حرب طاحنة في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق ودارفور ويعاني المواطنون السودانيون في تلك المناطق من القتل والترويع والقصف الجوي والنزوح واللجوء والجوع والامراض أم أن الشمال من وجهة نظر البشير لا يشمل تلك المناطق؟

إن الشعب السوداني في “الشمال” و”الجنوب” منكوب بمتلازمة الفشل ومفرداتها: الاستبداد والفساد وانغماس القيادات السياسية في (شهوات السلطة والمال) واستخفافها المخجل والكارثي بمصائر شعوبها، وبالتالي فإن الوقت الآن ليس وقت شماتة الفاشلين في بعضهم البعض، وإنما الوقت هو وقت يقظة الشعوب شمالا وجنوبا واستجماع إرادتها للتخلص من الفاشلين أولا، ثم التفكير في علاقة جديدة بين الشمال والجنوب قائمة على الوصال الاستراتيجي وحماية المصالح المشتركة وتعزيز الروابط بين الشعبين بإرادتهما الحرة.

ولكن خطورة حديث البشير ليست في إظهار الشماتة، وربما يكون الهدف من حديثه التمهيد لمغامرة جديدة بالتورط أكثر في الصراع الدائر في الجنوب، بحجة ان هناك جهات دولية وكذلك قوى جنوبية نادمة على الانفصال، خصوصا في ظل ظهور مؤشرات قوية لدعم نظام البشير لرياك مشار(حليفه القديم في التسعينات)، فالمنظار الذي ينظر به نظام البشير للجنوب هو أنابيب النفط، وربما فكر النظام في ظل أزمته الاقتصادية الخانقة في  السطو على الولايات المنتجة للبترول تحت ذريعة ان سكان تلك المناطق ندموا على الانفصال وجرفهم الشوق والحنين إلى وحدة البشير! وهذا التفكير الانتهازي يشبه نظام البشير، ومن الراجح جدا أن تكون عبارات الزهد في الوحدة والحديث عن”استفتاء الشعب السوداني” مجرد تكتيكات، فنظام الإنقاذ عودنا ان قوله في اتجاه وفعله في الاتجاه المعاكس!

إن التفكير الناضج في العلاقة مع الجنوب لا بد ان يستبعد إعادة الوحدة بالصورة القديمة، ويتجاوز التفكير الرغائبي في إعادة عقارب الساعة الى الوراء بصورة دراماتيكية عبر استغلال واقع الفوضى والتمزق الماثل في جنوب السودان ومحاولة ابتلاعه كليا أو جزئيا بعقلية توسعية، فلا بد من التأسيس لتصور جديد لعلاقة استراتيجية بين البلدين يحكمها منطق التكامل والتعاون وليس منطق الأطماع والانتهازية السياسية، علاقة هدفها تحقيق السلام المستدام والتنمية والاستقرار والحرية للشعبين، وليس ترجيح كفة أحد “لوردات الحرب” سواء في الشمال أو الجنوب.

والشرط الابتدائي لمثل هذه العلاقة هو التخلص من عوائقها شمالا وجنوبا! ومن أهم عوائقها في الشمال نظام البشير، وفي الجنوب “لوردات الحرب” والنظام الحاكم في جوبا الذي استنسخ بكل أسف خصائص نظام البشير.

بكل مرارة وأسف ستظل دماء الأبرياء نازفة وأشلاؤهم مبعثرة وكرامتهم الإنسانية منتهكة، يطاردهم الرعب والفزع، ويذلهم الجوع والمرض والتشرد، إلى ان تتبلور مشاريع تحررية حقيقية، الماكينة التي تحركها، والبوصلة التي توجهها، هي مصالح الشعوب وحقوقها في الحياة الحرة الكريمة.