مــحــمود دفع الله الشيـــخ- المحامى  قلة أولئك الذين اصطفاهم ربهم بغية قيادة أوطانهم وشعوبهم من المجاهيل السحيقة نحو مشارف النور ، أمثال هؤلاء تفرد لهم الليالي ،

وتشييد من أجلهم التماثيل ، وتخصص لهم دور وأفنية ، وأضعف الإيمان أن تكنى ساحات وقاعات بأسمائهم ، ولكنه ذلك لا يتم إلا في الدولة التي تجعل شعارها وديدنها ( سيادة حكم القانون ) ، أما في الدول التي كان بلاؤها نظماً عسكرية فإن تلك الفئة لا تلقي من النعيم والتخليد سوى أقبية السجون ، وقتر في الرزق ، وكثير من التشريد ، وقليل من الاعتراف بآدميتهم ، ورغم ذلك تراهم يقاومون ، ولذلك فإن يقيني  أن المبدعين في دول العالم الثالث وبالتحديد – الدول المحكومة بأنظمة شمولية – هم أكثر إبداعاً وأشد صلابة ، فكيف يتأتى لمبدع في ظل نظام سياسي خانق أن يتعايش ؟ ناهيك أن يعطي ثم يبدع ؟!! .

 الذين تغازلهم المشانق والمحابس يتماثلون تماماً مع الطالب الجائع، كلاهما لا يرجى منه منتوج ، ولكن العبقرية أحياناً لا تعترف بمناخ ، أو بالأحرى تكيف نفسها مع ما هو متاح ، ولذلك قد تعتريك الدهشة حين يضحي الجائع العاري أول دفعته في مقاعد الدراسة ، قاهراً لكل الظروف الحياتية ، وقد تلازمك بعض من الحيرة حين يبلغك أن ذلك المبدع ما كان له أن يخرج كل مخزونه الإبداعي دون تلك القيود ، ولولا تلك المشانق التي عقدت حبالها حول عنقه حتى زلزل بالثبات وقارها ، فتراخت عن العنق وتحولت مهمتها من اقتلاع الأرواح نحو خلق الأرواح،  فأي تناقض هذا ؟! بل ما هذا الإيمان ؟!!

لعل قدر السودان في السنوات الخيرة كان متربصاً بخيرة أبنائه وأنجب عقوله ، بل حري بنا أن نقول أنه كان شديد التربص بمبدعيه ، أهي سنة الإحلال والإبدال ؟ أم هو غضب على الذين لا يستثارون ولا يثورون ؟ لست أدري !! .

رحل الكثيرون في ظرف أعوام ستة أو يزيد ، في كل الضروب ، في الفنون والآداب والرياضة والسياسة والثقافة والشعر،  وجلهم إن لم يكن معظمهم ينتمي إلى ذلك السودان القديم ، السودان الذي عرف بفقره وحسن خلق أبنائه  ، السودان الذي عرف بتواضع مبانيه وعلو ثقافة وتعليم أنجاله ، السودان الذي إشتهر بحرارة طقسه ودفء كرم بيوتاته ، السودان الذي كان شاسعاً مترامي الأطراف  والذي باتت خرطته لايقوى على رسمها (دافنشى)!! ، السودان الذي كان يستنكر كل شاذ وقبيح ، وصار اليوم يحتفي بكل نكرة ، وكل عتل بعد ذلك زنيم !! السودان الذي  كان لا ينتقي من الخلاصة إلا خلاصتها ، وصار اليوم يصطفى من القذارة أقذرها ! السودان الذي كان يمنح أراضيه لدول الجوار بغرض إنشاء مشاريع حيوية تضمن البقاء لأبناء دول الجوار، وصار اليوم متسولاً أن هلموا أنجدوا اقتصادنا المتهالك !!، ورغم ذلك ، أي رغم التسول، يتم إهداء المانحين حيوانات وطيور تمت تنشئتها في مزارع ( الخواص) من ( الحفاة العراة) الذين قدموا لعاصمة الثقافة ليلة غدر وعدوان !! فلله الأمر من قبل ومن بعد .

فى ظل هذه الظروف ، السالفة والآنية ، خرج لجموع السودانيين رجل رضى بالفقر رداءا ودرعاً ، رجل امتشق سلاح العفة دفاعاً عن حقوقه وحقوق البسطاء من غمار الشعب،  ناشداً قليلاً من حرية وكثيراً من عدل إجتماعى،  ولذا لم تجد كل السلطات الشمولية التى تعاقبت على البلاد ثمة ثغرة تلج من خلالها لنقطة ضعف فى الرجل ، السلاح الممشوق يجعل من الاستحالة بمكان الوصول لرداءه ودرعه، ناهيك عن جسده وعقله  .

( العفة ) التي إشتهر بها ترجمها فى كلمات ذات وزن مقفى .. محسوسة قبل أن تكون ملفوظة ، مجسدة قبل أن تكون مقروءة ، الحرف الواحد منها بمثابة أرض ، والكلمة منها ترتقى لمنازل ، والشطر منها يجسد وطناً بحاله .

صحيح أنه إنتمى سياسياً لحزب تأبى أن يحيد عنه ، ولكن جماهيرته كانت بحجم وطن كامل متكامل قبل ( الجرح والتعديل ) ،وطن خاطبه وكناه بإسمين مؤنثين ( عشة ” عائشة ” وميرى ) ، خالطاً بين عروبته وإفريقيته،  بتماه مع الحدود والأقدار وقدرة ذلك الشعب على التعايش قبل قدوم ( الإخوة الأعداء ) ! ولذلك لم استعجب أبداً حين لحظت فى المقابر أن أعلام ورايات الطوائف الدينية والسياسية كانت تتفوق حجماً وعدداً على رايات وأعلام الحزب الشيوعي ، لما لا …أولم يكن السودان والسودانيون ديدنه ومبتغاه ؟!!

 المبدئية التى لازمته فى حياته جعلته ينشد الأشعار لانقلاب مايو 1969 ، وذات المبدئية جعلته يقلب ظهر المجن عليه بعد عام أو يزيد وهو ابن الثالثة والعشرين من عمره ، فكان أن كافأه أهل السلطان سجوناً وتعذيباً ، ولم يشفع له أنه قد أطال قاماتهم ، ورفع هاماتهم بجميل أشعاره ونشيده . هل استكان الرجل ؟ كلا وأيم الحق .

ما أن حلت انتفاضة أبريل المجيدة في العام 1985م إلا وكان صاحبنا يقود برسنها  مع خدنه  الموسيقار الراحل (وردي) ، فعطرا سماوات السودان بصالح النشيد والكلم المموسق ، كان بعد الانتفاضة المجيدة مطلب كل مجلس ومحفل ، بل مطلب كل فرد . هل تنادى الرجل بعد الانتفاضة أن هلموا كرمونى  فأنا الأول والآخر والأوحد ؟ كلا وجلال ربه ، فقد آثر الانزواء بشخصه مقدماً فنه وجميل كلمه ، فكيف يمكن أن نتسمى نحن بعد ذلك بجواره بذات المسمى … ( بشر) ؟!! غفرانك ربي .

أما عن قصته بعد الثلاثين من يونيو للعام 1989م فنحتاج لمداد بحجم النيلين ( أسوده وأبيضه ) لكي نقص ونروي مقدار إبداعه ومعاناته الذاتية ، لكي نتحدث عن نقيض النقيض ، وكيف يمكن أن ينهض الطائر الأسطوري من وسط أرتال الرماد!! كيف يمكن أن ينسى الفقير نفسه ليهتم بأناس أقل منه فقراً ، بل ينشيء من أجلهم المشاريع ويستجلب لمصلحتهم الأموال ثم يقول لنفسه ( بخ ، بخ ) !!.

 فيا أيها الفتى (العمري ) حقاً وحقيقة ،  يا ابن ( مريم) ويا ( أباها )،  يا من علمتنا الحب والسلام والتحية ـ يا أيها الرجل الذي للظلم يوماً ما ركع مهما جري ، يا من جادت أنفاسه الأخيرة علينا بقصيدة وداع واستقبال لما هو آت .. يا من ضحيت بعمرك ووقتك وجهدك في سبيل رفعة هذه الأمة وهذا الوطن، أيها الرجل العفيف .. أيها الرجل الشريف ( محجوب شريف) رضوان الله يغشاك وكل رحمته وإن كره الكارهون .

 يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) ، فيا  رسول الله ، إن (محجوباً ) كان ( تمامتنا ) و(عمامتنا) …وكفى.