بابكر فيصل بابكر * كتبتُ الأسبوع قبل الماضي مقالاً حول الوديعة القطرية الأخيرة تناولتُ في جزءٍ منه الطريقة التي يتبعها البنك المركزي ووزارة المالية في ترويج أحاديث عبر مُختلف قنوات الصحافة و الإعلام تهدف لبث نوع من الطمأنينة "الكاذبة" عن الأوضاع الإقتصادية المتأزمة.

وأوردتُ العديد من الأمثلة في هذا الخصوص منها تقليل المسؤولين في بنك السودان ووزارة المالية من أثر الأزمة الإقتصادية العالمية 2008 على السودان, بجانب نفيهم تضرُّر الإقتصاد السوداني من ذهاب بترول الجنوب عقب الإنفصال.

وقلت كذلك إنَّ محاولة هؤلاء المسؤولين التضخيم من الأثر الإيجابي الذي ستحدثهُ الوديعة القطرية البالغة بحسب أقوالهم ( دون تأكيد من قطر ) “مليار دولار” على إستقرار سعر صرف الجنيه مقابل الدولار لا تخرج من إطار سياسة “التخدير” وعدم نشر الحقائق المرتبطة بالإقتصاد, وهى السياسة التي إعترف وزير المالية السابق على محمود أنهم مارسوها أبَّان إنفصال الجنوب.

وقد صدق تحليلنا في هذا الخصوص رغم التصريحات التي ملأت صحف الخرطوم عن ضخ البنك المركزي لكميات كبيرة من العملات الأجنبية, حيث عادت أسعار الدولار للإرتفاع  بصورة كبيرة في السوق الموازي بعد هبوط محدود إستمر ليومين فقط لتتخطى حاجز التسعة جنيهات.

وقبل أن يجف المداد الذي سطرنا به ذلك المقال, عاد وزير المالية بدر الدين محمود بعد زيارة لواشنطون لحضور إجتماعات صندوق النقد الدولي ليطلق وابلاً من التصريحات التي لا تخرج عن إطار نهج التخدير وبث الطمأنينة الذي يبدو أنه أضحى يمثل النهج المعتمد لدى المسؤولين في قطاع الحكومة الإقتصادي.

قال وزير المالية إنَّ ( السودان قد أكمل النواحي الفنية لإعفاء الديون، خاصة في ما يتعلق بالبرنامج القصير المدى الذي تم الاتفاق عليه مع صندوق النقد الدولي كأحد المتطلبات ), ووصف اللقاءات التي عقدها على هامش اجتماعات الربيع بواشنطون بالمثمرة قائلاً إنه ( سيكون لها ما بعدها في القريب العاجل ).

هذا التصريح يمثل نسخة كربونية من أخر تصريح أدلى به الوزير السابق على محمود عقب مشاركته في إجتماعات الصندوق العام الماضي, ومع ذلك فإنَّه لم ( ولن ) يتم إعفاء الديون, ولم (ولن) تثمر هذه الإجتماعات عن أية نتيجة إيجابية رغم التصريحات الباعثة على الإطمئنان من الوزيرين, والسبب في ذلك معروف لكليهما, وهو ما يجعلنا نتساءل عن إصرار هؤلاء الوزراء على الإدلاء بتصريحات غير حقيقية ؟.

السبب يتمثل في أنَّ قضية ديون السودان الخارجية ( تبلغ حوالى 43 مليار دولار, ثلاثة أرباعها تخصُّ دول نادي باريس) هى قضية “سياسية” في المقام الأول وليست قضية “إقتصادية”, وقد ذكرت في مقال سابق أنَّ القول الفصل “بوتوم لاين” في هذا الصدد هو ما صرَّح به بوضوح في أبريل 2013 رئيس بعثة صندوق النقد الدولي للسودان إدوارد جميل الذي قال إنه : ( سيكون من شبه المستحيل بالنسبة للسودان إعفاء ديونه حتى إذا أوفى بكافة المتطلبات الفنية والإقتصادية, والسبب في ذلك هو أنَّ الأمر مرتبط بقضايا سياسية تتطلبُ جهوداً في العلاقات العامة مع الدول الأعضاء في نادي باريس). إنتهى

وأشار جميل كذلك إلى أنَّ : ( أية صفقة لإعفاء ديون السودان تتطلب الموافقة بالإجماع من قبل الـ 55 بلداً الأعضاء في نادي باريس وهو أمر غير وارد الحدوث ). إنتهى

وحتى إذا نجح السُّودان في إقناع 54 دولة من دول نادي باريس – وهو أمرٌ يُقارب المستحيل – فإنَّ وجود الولايات المتحدة ضمن تلك الدول سيحول دون إعفاء تلك الديون وهو أمرٌ مرتبطٌ بعلاقتها مع السودان.

حيث أنَّ هناك قراراً صادراً من الكونغرس بمنع ممثلي أمريكا لدى المؤسسات المالية الدولية من التصويت لصالح أية دولة مدرجة في قائمة الدول الراعية للإرهاب, وهى العقبة الكؤود التي سيظلُّ يصطدمُ بها السودان في محاولاته المتكررة لإعادة جدولة الديون أو إعفائها في المؤسسات التي تتمتع فيها أمريكا بأصوات راجحة أو بحق النقض, أو يتطلب إتخاذ القرار فيها إجماعاً مثل نادي باريس.

ومعلوم لكل عارف بآليات إتخاذ القرار في أمريكا أنَّ قرارات الكونغرس – بعكس قرارات الخارجية التي يتم تجديدها سنوياً – لا تستطيع الحكومة الأمريكية أن تفعل شيئاً تجاهها, و لا تتمُّ مراجعتها إلا بقرار صادر من الكونغرس نفسه.

وبالتالي فإنَّ أي حديث عن إعفاء الديون دون تحسن العلاقات مع أمريكا لا يخرج من إطار “التخدير”.

غير أنَّ حواراً مع الممثل المقيم لإدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بصندوق النقد الدولي في السودان, لويس إرسموس, نشر الإسبوع الماضي بصحيفة “اليوم التالي”, كشف بوضوح سياسة التضليل و “إخفاء الحقائق” التي تمارسها الحكومة مع الشعب السوداني فيما يخصُّ الأوضاع و البرامج الإقتصادية.

قال إرسموس إنَّ صندوق النقد ينفذ مع الحكومة السودانية حالياً برنامجاً للإصلاح الإقتصادي يُعرف بالبرنامج رقم (14), والذي سبقه تنفيذ ثلاثة عشر برنامجاً خلال العقدين الماضيين, وعندما سئل عن طبيعة ذلك البرنامج أجاب بالقول :

( غير متاح لى الإفصاح عن البرنامج رقم (14) بالتفصيل، كما تعلم فإن الحكومة وافقت عليه لكن لم توافق على تمليك معلومات تفصيلية حوله لعامة الناس بعد، ولذلك أكتفي بما أعلنته الحكومة في موقع البنك المركزي الالكتروني، وما تم نشره على لسان مسؤولي المالية بوسائل الإعلام المختلفة ). إنتهى

نحن هنا بإزاء نموذج مُدهش في التعامل بين الحكومات والشعوب, حيث تشترط الحكومة على الصندوق إخفاء المعلومات عن “عامة الناس”, وهو أمرٌ في غاية الخطورة لأنه يعني ببساطة أنَّ الحكومة تخشى من معرفة “الرأي العام” بتفاصيل ذلك البرنامج لأنه يحتوي على سياسات لا يوافق عليها الشعب.

وقد سبق أن قلت في إطار الحديث عن غياب الشفافية في التعامل مع الرأي العام أنَّ عدم مصارحة الشعب بطبيعة البرامج الإقتصادية يؤدي في الغالب للإطاحة بحكومات بأكملها في البلاد التي تحكم بالنظم الديموقراطيَّة لأنه ببساطة شديدة يُضلل الشعب بإخفاء حقائق يمكن أن تؤدي لإنهيار الإقتصاد, و أنَّ مسئولية رجال الدولة في الحكم  توجب عليهم مصارحة الشعب بالحقيقة المجرَّدة حول أوضاع الإقتصاد.

وتساءلتُ كذلك : إذا كان هذا هو ديدن الحكومة في التعامل مع الشعب فكيف يثق الناس فيها ويتأكدون أنها لا تخدعهم في كل مرَّة تتحدث فيها عن الإصلاح الإقتصادي خصوصاً إذا تكشف خطأ سياساتها وبرامجها ؟.

يعرفُ كل من لديه إلمام بسيط بطبيعة برامج الإصلاح الهيكلي التي يتبناها صندوق النقد الدولي أنَّ أبرز بنودها يتمثل في رفع الدعم عن السلع, وهو الأمر الذي طبقتهُ الحكومة بصورة جزئية في سبتمبر الماضي, وظل المسؤولون ينفون بشدَّة نيَّة الحكومة في زيادة أسعار السلع الأساسية التي تقول أنها ما تزال تدعمها.

ولكنَّ معرفتنا بأساليب هذه الحكومة في المراوغة و خداع الرأي العام تجعلنا نقول بدرجة كبيرة من الثقة أنَّ سبب تحفظها على نشر تفاصيل البرنامج رقم (14) يرجع في جزء منهُ لموافقتها على زيادة أسعار الوقود ودقيق الخبز.

قالت الحكومة الأسبوع الماضي على لسان وزير الدولة بالمالية, مجدي حسن يس, أنها ما تزال تدعم الوقود والقمح, وأنَّ نسبة الدعم بلغت 14 % من موازنة هذا العام بواقع 5 تريليون جنيه (بالقديم) للوقود, و ما يزيد عن التريليون للقمح.

ما يؤكد إستنتاجنا حول سبب إخفاء الحكومة لتفاصيل البرنامج رقم 14 هو التصريح الذي ورد يوم الأحد الماضي على لسان أمين أمانة المزارعين والرعاة بالمؤتمر الوطني, إبراهيم يوسف هباني, الذي قال إنه  لا يوجد اتجاه لرفع الدعم عن القمح في “المدى القريب”, وهو ما يعني أنَّ رفع الدعم أمرٌ مفروغ منهُ و يتبقى فقط إختيار التوقيت.

إنَّ سياسة إخفاء الحقائق وتعمُّد التمويه التي ظلت القطاعات الإقتصادية الحكومية تتبعها مع الرأي العام أضعفت كثيراً من “مصداقية” الوزراء والمسؤولين, وأصبح الناس لا يثقون في تصريحاتهم المتعلقة بقضايا الإقتصاد, خصوصاَ وأنَّ “الواقع” كثيراً ما يكذَّب تلك الإفادات الحكومية.

وفي هذا الإطار جاءت التصريحات الأخيرة لوزير المالية حول بعض مؤشرات الأداء الإقتصادي, حيث قال إنَّ إجمالي صادرات البلاد قد ارتفعت من 4.1 مليار في 2012, الي 7.4 مليار في 2013, وهو ما يعني زيادة الصادرات بـ 3.3 مليار دولار.

يستعصي على كاتب هذه السُّطور – بعد ما ذكرناه عن التمويه في تصريحات المسؤولين – أن يُصدِّق الزيادة التي ذكرها وزير المالية في قيمة الصادرات السودانية خصوصاً وأنهُ ذكرها دون تفصيلات سوى ازدياد صادر الحبوب والسكر وهذا لا يكفي لأن ترتفع قيمة الصادرات بأكثر من ثلاثة مليارات دولار.

إعتاد المسؤولون الحكوميون على إطلاق هذه الأرقام الجزافية بإعتبار صعوبة التحقق منها خصوصاً وأنَّ الجهات المختصة تعجز عن توفيرها للرأي العام, وفي كثير من الأحيان يكون هناك تضاربٌ في الأرقام بين مختلف المصادر الحكومية.

وقد لا يقف أمر التعامل مع الأرقام عند هذا الحد, بل قد يصل إلى درجة “الفضيحة” , وليس أدلَّ على ذلك من التصريح المدهش الذي ورد مؤخراً على لسان وزير التجارة عن أنَّ قيمة صادرات الصمغ العربي في ثلاثة الأشهر الماضية بلغت 3 مليارات دولار.

إنَّ سياسة التخدير والتمويه وإخفاء المعلومات الحقيقية عن الرأي العام التي يتبعها المسؤولون الحكوميون لن تحل أزمة الإقتصاد السوداني العميقة, ولن تؤدي إلا للمزيد من فقدان الثقة بين الحكومة والمواطنين.

  

boulkea@gmail.com *