بدأت الحكومة السودانية والحركة الشعبية(شمال) جولة جديدة من المفاوضات بأديس أبابا، مدفوعين بضغوط دولية كثيفة تدفع في اتجاه التوصل إلى تسوية بين الطرفين،

تتوقف بموجبها الحرب الدائرة في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، وتصر الحكومة بقيادة حزب المؤتمر الوطني على حصر التفاوض في قضايا المنطقتين فقط وعدم التطرق لأزمة الحكم الشاملة في البلاد التي هي الجذر الرئيس لقضايا المنطقتين، فيما تتبنى الحركة الشعبية(شمال) موقفا تفاوضيا ينادي بالحل الشامل للأزمة السودانية، فأي الموقفين سوف ينتصر؟

لا شك ان انتصار موقف الحكومة يعني إبرام اتفاق سلام هش وغير قابل للاستدامة يتم بموجبه تقديم تنازلات تكتيكية للمنطقتين وبعض الوعود بالتنمية وإعادة الإعمار، وهي في الغالب غير قابلة للتنفيذ في ظل النظام الدكتاتوري الفاسد، الذي سوف يبتلع تدريجيا تعهداته  للمنطقتين كما ابتلع كل تعهداته التي حوتها جميع اتفاقيات السلام السابقة مع كل قوى المعارضة المسلحة والمدنية على حد سواء ابتداء من اتفاقية الخرطوم للسلام مرورا باتفاق نداء الوطن مع حزب الأمة واتفاقية أبوجا مع حركة تحرير السودان واتفاقية سلام شرق السودان واتفاق القاهرة، وصولا الى أخطر اتفاقية في تاريخ السودان وهي اتفاقية السلام الشامل(نيفاشا) التي انتهت بتقسيم البلاد وعودة الحرب إلى المنطقتين اللتين يجري التفاوض حولهما الآن، وهذه المعطيات تؤكد ان اي اتفاق حول المنطقتين في معزل عن قضايا السلام الشامل والتحول الديمقراطي، والعدالة الانتقالية والتنمية المتوازنة في كل السودان سوف يمهد لفصل المنطقتين عن السودان أسوة بالجنوب وسوف يخلف أوضاعا تحتم تجدد الحرب ثانية.

وتفادي هذا السناريو الكارثي مسئولية تاريخية مشتركة بين كل القوى السياسية المؤثرة  في السودان، فموقف الحركة الشعبية(شمال) رغم انه الموقف الصحيح، إلا أنه لن يقوى على الصمود طويلا ما لم يجد إسنادا قويا من القوى السياسية والمدنية في كل السودان، وهذا الإسناد لا يعني التماهي السياسي مع الحركة الشعبية(شمال) بل يعني الاصطفاف خلف (الحل الشامل) كهدف وطني استراتيجي، وكمطلب شعبي لا تراجع عنه حتى إن غيرت الحركة الشعبية موقفها التفاوضي، وحتى هذا الاصطفاف لن تكون له قيمة ما لم يترجم الى فعل حركي جماهيري نوعي يمارس أقصى درجات الضغط الشعبي على المؤتمر الوطني في كل مدن السودان، فبدون فعل سياسي ملموس على الأرض ينزع الشرعية (مقدما) من أي حل ثنائي ناقص عبر نزع الشرعية عن المؤتمر الوطني نفسه، لن تغير الأطراف الدولية، وهي عنصر مؤثر بدرجة كبيرة على مسار التفاوض، لن تغير موقفها الداعم للمسار التفاوضي بشكله الحالي. فالحل الشامل لن يخرج من قاعات التفاوض في أديس أبابا، الحل الشامل يجب ان تفرضه شوارع الخرطوم الثائرة! أما إذا تأخرت الثورة، ولم يحدث تغيير ينتزع مصير البلاد من المؤتمر الوطني، فسوف يتم التوقيع على اتفاق سلام هش في المنطقتين، لأن مواطني المنطقتين المكتوين بنيران الحرب وعذاباتها، الذين يقصفهم الأنتنوف يوميا، لن ينتظروا كثيرا، وسوف يتعلقون كما هو حال كل غريق بقشة اي اتفاق سلام مهما كان معيبا