عبدالسلام نور الدين -1- مقدمة يمكن الاستغناء عنها كتب هذا المقال  مباشرة بعد أن خرج أحمد الطيب زين العابدين بن حليمة من أم كدادة وسنار في الثالث من يناير عام 1998  من منزله بالكلية المهنية العليا بالخرطوم ولم  يعد  بعدها ابدا الي هذه الساعة  وينشر بصورة كاملة  الآن لأول مرة  في ذكري غيابه  الثالثة عشر فارجو من القراء مراعاة فروق الوقت.

-2-

الاعلان بالتوبيخ لمن يلفت نظر أو يلوم الفن والتاريخ علي استتارهم أو غيبتهم  الصغرى والكبرى

لك أن تصدق أو لا تصدق هذا الخبر  غير السار , ان قد خرج أحمد الطيب زين العابدين غير المجهول في مساكن الكلية المهنية العليا بالخرطوم والمعلوم  في مقرن عمدة الصواردة الشيخ المرضي الكبير والد محمد أحمد المرضي الصغير رجل المهمات الماكرة لدى الرئيس اسماعيل الازهري حفيد السيد المكي – حيث انشأ الخواجا قرين لوو  في مقرن المرضي  كليتة للرسم والتحبير والتلوين بعد ان فصلها  في نهايات القرن الماضي من كلية الخرطوم الجامعية  التي ضاقت به وضاق بها .لا ينبغي ان يفوت علي أحد ان  احمد  الطيب زين العابدين المشهور بالكجور لدى ودالهادي ورباح وابراهيم الصلحي وابرهيم العوام  وأحمد عبداللة جلي وعبدالمنعم (بتاع المطبعة) وصالح الخزاف  وعطا الكشاف وسوركتي الشطرنجاف وشبر وشبرين وعربي وكمالا ابراهيم اسحق  , واحمد عبدالعال وكل جماعة “براحة مافي” له  ايضا المكانة والتجلة والتهلال   في عموم مسارح البزعة وقوز بعشوم وارض الهمباتي الوطني عبدالعزيز وفي أم كدادة   وشرقها واللعيت جار النبي ومهاجرية وسنار  وكذلك في الدويم وكسلا وبورتسودان ومع ذلك ورغم كل ذلك قد خرج الاستاذ أحمد الطيب  زين العابدين ويبدو انه لن يعود الي الكلية المهنية العليا أو الي المقرن أو الي جماعة “براحة مافي” أو الي سنار أو اللعيت أو الي أم كدادة , لكل ذلك نرجو من كل اصدقائه واحبائه وحبيباته وعلي وجة خاص : دخرية ووفاء وسناء وهاجر والسيدة المتألقة زهرة التي تعلق بها أحمد كما لم يتعلق بسواها  من النساء حتي تلك الحسناء التي تسمى “هاجر” ان يعلموا  ان أحمد الطيب قد دخل في خلوة “السيد أحمد التيجاني والشيخ الحافظ وسيدي ابن عمر الذي بهر بنوره” والأمر كذلك  قد تطول تلك الخلوة  بعد ان استبعد منها الكيف  وحزب  السيف وسيقرأ  أحمد في  ثنيات اورادها  “مولد سيد الكمال” الف مرة وحزب الجمال الف الف مرة وسيخرج بعدها “قطع شك” الي جنينة الرضي المرتضى “رضوان” الذي دعاه  واغراه “بالزوغان” فاتركوه يرحمكم اللة ومن اراد المزيد من التفاصيل فليقرأ التالي رغم التكرار والأعادة.

-3-

تجليات التنحي والاختباء

لقد انتحى الاستاذ أحمد الطيب زين العابدين  عميد كلية الفنون الجملية بجامعة السودان ومنذ الثالث من يناير 1998  مكانا قصيا  وعلى غير عادته اعتزل زوجته الطيبة  “دخرية” ، وبدوره الزواهر “وفاء” “وسناء “وابنه الوديع  المشذب “أنور” وحتي  الصغيرة هاجر التي لم  يخطر علي باله أن يستغني  يوما عن  أحاجيجها ووجيجها  وذهابها ومجيئها  بين يديه وكتفه وصدره ولا أحد يجيب حتي أحمد حسب اللة  “وكاربينو” وكل تجار الفول والصمغ والسمسم الذين لا يعقلون  ابدا  أن يأتوا الي حيث الرئيس ينوم والطائرة تقوم ولا  يحجون الي حيث “العجوز زهرة ” في زياراتهم الي الخرطوم – لماذا غاب  واستتر عن  بلور حدقات عيونهم أحمد الطيب  وهجر ايضا  وهذا أمر غير قابل للتصديق صديقه الحميم الشيخ الطيب زين العابدين (ابوه)، وقد تخلى  بغتة عن عشيقته الوضيئة ” الكتابة الرصينة ” عن تاريخ التشكيل، الثقافة السودانية ، والنقد الجمالي ، وإعادة بناء الحكايات الشعبية من شرق دارفور ، وقراءة منمنمات الفنون والصناعات اليدوية  في الانقسنا، ليس ذلك نهاية الخبر كما قد يتبادر إلى الذهن ، فقد توقف أيضاً أحمد الطيب زين العابدين وعلى نحو صارم لم يتوقعه أحد ، ودون إعلان ، أو إخطار ، أو إنذار عن إكمال لوحاته ورسوماته للشخصيات التي ظل يحاورها بالخطوط والالوان والافكار  منذ أيام الصبا الباكر ، وعرف بها وقد عرض بعضها في كبرى قاعات الفن في مدن العالم ونالت إعجاباً وتقديراً له وقعٌ ومعنى ، أليس عجيباً ومثيراً للتساؤل والتشاؤم أن  لا يدخل أحمد الطيب زين العابدين ومنذ التاريخ الأنف الذكر حديقته الوارفة الأثيرة كلية الفنون الجميلة بجامعة السودان ؟ تلك التي رعته أياماً فرعاها سنين عدداً وظل هناك كالبتول في معبد الجمال منذ أن قدم إليها من أقاصي أقاليم السودان من أم كدادة للتدريب على التربية الفنية في مقررات المدارس الإبتدائية ، فقرر أن لا يعود من حيث أتى وأن يبقى هناك في تلك الحديقة الآسرة ملازماً ومهاجراً وطالباً ومعيداً وأستاذاً وعميداً لم يغادرها إلا مبعوثاً لنيل الماجستير في المملكة المتحدة ( بردن وليدز) في عقد السبعين أو مدعواً لأيام معدودات للمشاركة عارضاً أو ناقداً في معارض الأسكندرية والقاهرة ولندن وماليزيا ، أو منتدباً من منظمة اليونسكو لشهر أو بعضه لتقويم ثقافي أو فني في البلاد الإفريقية والآسيوية ثم يؤوب على عجل إلى حديقته التي تشتاق إليه ولا يستطيع فراقها . لم يعد أحمد الطيب زين العابدين ومنذ الثالث من يناير الماضي 1998 يتوكأ على عصاه ويهش بابتسامته الوادعة الحكيمة على المقبلين عليه تحسبهم شتى وقلوبهم جميعاً عليه ومعه ، يحاصرونه بحبهم وتوقهم إلى سماع أحاديث الشيخ الكجور كما يلقبه بعض أصدقائه من جماعة “براحة مافي”، عن الفنون اليدوية في جنوب النيل الأزرق لدى قبائل الأنقسنا والبرتا وتقاليد مدارس حفظ القرآن في زالنجي وجبل مرة وعن حلي النساء وولعهن بتمائم حفظ الذهب والزينة في مروي القديمة  والتي لا تزال لها آثار باقية لدى النساء المتعلقات بالذهب والعطور سيما في بربر ، والمتمة والدامر ومروي الحديثة ، أو يضيف الكجور مجدداً أو معيداً النظر في بعض قواعد نظريته في خصائص بناء الشخصية السودانية وما يطلق عليها بالسودانوية .أن الدهشة الصاعقة لتدهش الكثر من محبيه الخُلص من جنوب البلاد ومن الهدندوة وأبناء غرب السودان القادمين من السعودية والخليج الذين يغشون بيته العامر بالضيوف والكتب واللوحات فيمكثون ليالياً وأياماً يستمتعون فيها بوجودهم معه ، ويضحكون من أغوار أعماقهم  كعادة ابناء دارفور  من نوادره وشوارده وقذائفه الساخرة  ويبادلونه اضاحيكهم  عن “الملخلخين”  “والملغلغين” من عربان نجد والحجاز والتهاميين وعسير ثم يواصلون ترحالهم الدائم  الي أم كدادة ومليط وودعة وعد الغنم  ورهيد البردي وشماريخ جبل مرة  وخور برنقا وفافا “وبير تولو” ثم يكرون كظعائن  الرزيقات وبني هلبة والزغاوة  والميدوب  في رحلة الخريف والصيف  من بحرالعرب وحفرة النحاس الي واحات  الفزان والمهرية والعطرون  من حيث اتوا الي جدة وتبوك وسكاكا  وبكاكا وخميس مشيط والى قرى ما أنزل اللة بها من اسماء ككعل وجعران وشيفا وجيفا وبيها  وفيفا وابها ونجران. ولكن هذه المرة  وإبتداء من يناير الذي مضى لن يخرج إليهم أحمد الطيب زين العابدين المصاب بالشلل النصفي متوكئا على عصاه لإستقبالهم والترحيب الضاحك معهم وبهم  لاستعادة اقاصيصه التي يجددها علي الدوام وللتندر علي أوابد  وليد دارفور  في اسفاره التي لها سبع فوائد .لن يخطر ببال أصحاب وأصدقاء ومعارف أحمد الطيب من التشكيليين وكتاب القصة والشعراء والمترجمين  والعارفين بأجنحة روحه التي تحلق في كل ربوع السودان ثم تحط علي اكف اصحابه الاحباب  من أمثال الامين محمد عثمان  وشريف مطر وصلاح مطر ومحمد عثمان كجراي ومبارك أزرق  وجلي وصالح الزاكي  ومختار ابو الدش وسمير ود الدينكاوية  أن كجورهم  قد فقد الإحساس بهم ولم يعد يطيقهم ، الشعراء يرجونه بشغف بالغ وقد يعمدون إلى إستفزازه أن يعيد على مسامعهم ترجمته الشعرية لرباعيات  عمر الخيام التي تجاوزت في دقتها وإبداعاتها ترجمة أميل البستاني وأحمد رامي   وأحمد الصافي النجفي وأضحت نصاً موازياً ، وكتاب القصة يلحون عليه أن يخرج من تقيته والأعيبه المعروفة وإنكاره لبعض مواهبه أن يعلن عن نفسه قاصاً كاملاً ، أما التشكيليون فيرفضون كل ذلك ويعلنون بعناد أن مكان عميد الفن عوالم الفنون ولوحاتها ومعارضها ونقدها والتأريخ لها . يبدو أن الخبر الذي لا يود أحد أن يسمعه أو ينقله أو يتقبله أو يتصالح معه أن البروفيسور أحمد الطيب زين العابدين لم يعد بينهم ولم يعد هناك  فقد دخل الخلوة الابدية   في الثالث من يناير الذي إنقضى . اذا بدا لأحدهم من هذا القول ان قلب أحمد الطيب زين العابدين قد توقف عن الخفقان فجأة  فقد جانبه الصواب والقولة  غير المشهورة ولكنها صحيحة ان المهدي  غير المنتظر قد استتر.