د.ناهد محمّد الحسن منذ أيّام كنت في زيارة لمدينة بورت سودان بدعوة كريمة من ادارة مدارس القبس للتدريب في برنامج البدائل التربوية للعقوبة البدنية بالمدارس.

وفي طريق عودتي من زيارة بيت احد الاقارب توقفت ناقلتي الصغيرة لتتزود بالوقود في احدى محطات البنزين (ماثيو) ان اسعفتني الذاكرة. وأنا انتظر هذا الاجراء تقدّم منّي شاب يضع ابرول العاملين بصيانة السيارات ومحطّات البنزين يحاول جاهدا ان يزيل آثار الزيت من يده على عجل ليصافحني…فكّرت في نفسي: تلك الايدي التي يحبّها الله..التي تشقى وتكد من اجل العمل الحلال..ابتدرني قائلا:

– د.ناهد محمد الحسن ؟! مرحبا بك في بورت سودان..نوّرت البلد…اتابع مقالاتك باستمرار وحضرت محاضرتك بجامعة البحر الاحمر قبل سنوات..الخ

كنت دائما اتعجّب من قدرة البعض على التعرّف على الوجوه العاملة في العمل العام..انا نفسي ما كنت لاتعرّف علي في هذا المكان…هذه التحيّة العفويّة المرحّبة من شاب صغير السن في احدى زوايا هذا البلد الذي كان شاسعا ظلّت تحاصر تفكيري طوال اليوم فقررت التخلّص منها بالكتابة عنها…

ذلك اليوم في الجامعة كنت بصحبة بعض الزملاء..نتناقش حول رواية (المسيح يصلب من جديد ) لكزانتزاكس..كنّا صغار السّن وقتها لكنّا كنّا نتساقى هذه الكتابة بوله خاص…ظللنا نتحدّث عنها لساعات..حتّى قال احدهم: لو قدّر لكزانتزاكس ان يحضر هذا الحوار لعرّشت فيه الكتابات وأزهر..كنا نقرأ بعض العبارات ونصرخ كالدراويش في حلقة الذكر…ندور في فلك الكلمات ونغيم حيث ذهبت المعاني..نعاني من ويلات الكشف والاستغراق ..ونغادر تلك اللحظات ممتنين للرجل الذي منحنا بين دفّتين رحلة في عالم من الجمال والاسرار.. لقد منحني هذا الشعور بالكشف والالهام كثير من الكاتبات والكتّاب..بعضهم رحل وبعضم لا زال على قيد الحياة..بعضهم التقيته وبعضهم لم التقه..بعضهم شاركته تلك الاحاسيس وبعضهم لم تتح لي فرصة معه بهذا الثراء…الى علي عبدالقيوم،صلاح احمد ابراهيم،جيلي عبدالرحمن،محمد المكي ابراهيم،مصطفى سند،ماركيز،فرجينيا وولف،كارول بي كريست،سيمون دي بوفوار،عاطف خيري،محسن خالد،الصادق الرضي،مأمون التلب،عبدالقادر الكتيابي،أزهري محمد علي

،هاشم صديق،فضيلي جمّاع،ليلى صلاح..والكثيرين الكثيرين..من الذين دفقوا مدادهم في منبع الروح ولوّنوا بالحبر عميق الرؤى والمشاعر..شكرا.

ان تراقب كلماتك وهي تحبو في عقول الناس وقلوبهم..ان تشعر بأنّ تلك اللحظة من اشراق الكتابة قد التقطها شخص ما لا يتحدّث لغتك في احدى بقاع العالم..ان تضحك وتفرح الجميع وتواسي وتؤازر في أحايين أخرى..ان تكون صديقا للذين يعانون من عزلة الطبيعي والدارج في المجتمع..ان تكون هناك وراء بعض البسمات والدموع…هذه التجارب وغيرها قد يرحل بعض الكتّاب دون ان تتاح لهم تجربتها…ولكنهم يظلّون يعتقدون بها ويتواصلون معها عبر كتاباتهم المؤمنة بالقاريء المختلف..الذي يقدّر دفق الابداع ويلوم عاديّة السرد في بعض الاحيان..ذلكم الذي يلقاك معلّقا بعد الكثير من رحيلك فيعتنقك.

وانا اقرأ كتاب (الاتجاهات الفكرية للحركة النسوية في السودان) للكاتبة العظيمة فاطمة بابكر، لاحظت فاطمة وهي تحلّل وتدرس خطاب الحركة النسوية منذ خمسينيات القرن المنصرم بصرامة فكريّة عالية..قلت في نفسي انّ الذين يكتبون دون ان يحسبوا حساب هذه اللحظات لفي جحيم. ستأتي أجيال قادمة تنظر لاقلامنا بحياد كبير..دون بهاء السلطة وجاه المكانة الاجتماعية..حيث تمحّص الاقلام وتمتحن الرؤى والاتجاهات..وتنصف القيم المثلى والرؤى البعيدة..وتسقط الهتافيات والافكار الفطيرة…ولمثل هذه الايام فليكتب الكاتبون….

يبدو انّني الان بدأت أفهم شيئا ممّا عنته تلك اللحظات المليئة بالرّهبة لكلينا…بالنسبة لي كانت تجليات صوفية لخبرة ماضية..فقد تركت ذلك الحديث في ذلك الزمان والمكان..وخرجت هذه التحية الملهمة والمتجاوزة لتذكّرني بأنّ هنالك في مكان ما وزمان ما..شخص يقرأك بعناية ويلاحظك بإهتمام..يستحق منك ان تبزل قصارى جهدك لترتفع لمستوى وعيه وتطلعاته…وهو شخص لا يجامل ولا تؤثر صناعة الكتّاب في معاييره..مهما اجتهد الصنّاع وسوقوا للاقلام..يقيسك بارتفاع الحس في ينابيع الروح…ويقيّمك بحجم الاضافات في بنيان الوعي…ويقسو عليك حين تبيعه تالف الفكرومشقوق المعنى ومشوّه العبارة…

الى عبدالله مصطفى..ذلك الطالب المجتهد والعامل المثابر في تلكم التجليات العرفانية في احدى محطات الوقود بعيدا الى شاطيء البحر الاحمر…شكرا لأنّك ذكرتني بوجودك وآخرين..تراقبون وتلاحظون وتصححون…الان قد صدّقت الرؤيا…!

محطّة اخيرة:

ناجى على الطور موسى والندام لنا فكيف أغفل موسى حين ناجانا
إن آنس النار بالوادي فقد شــــهدت عيني من اللهب القدسي نيرانا (بدوي الجبل)

(أيها القارئ الهادئ والمولع بالطبيعة/ الرزين والإنسان الطيب/ اِرمِ هذا الكتاب النجس العاهر والسوداوي /إذا لم تكن قد تعلمت البلاغة على يد الشيطان/، أستاذنا الأكبر اِرمِه!/ فلن تفهم شيئاً عليّ أو أنك سوف تعتقدني هستيرياً / ولكن إذا كانت عيناك تعرفان كيف تنفذان إلى أعماق الهاوية دون خوف،/ اقرأني لكي تتعلم كيف تحبّني / أيتها الروح الفضولية التي تتعذب/ والذاهبة بحثاً عن جنّتها أشفقي عليّ!… وإلا لعنتك!) من ديوان أزهار الشر لبودلير.