ترجمة واستعراض وتحليل: د. زهير السراج * ذكرت فى بداية استعراضى لكتاب أندرو ناتسيوس (السودان، جنوب السودان ودارفور) ان أول سودانى إلتقى به ناتسيوس على الإطلاق، هو الدكتور جون قرنق وكان ذلك بالعاصمة الأمريكية واشنطن فى يونيو عام 1989،

عندما كان ناتسيوس يشغل آنذاك وظيفة مدير ادارة المساعدات الانسانية بالوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (المعونة الأمريكية) قبل أن يتولى منصب مدير الوكالة، ثم مبعوث الرئيس الأمريكى جورج بوش (الابن للسودان) فى وقت لاحق 

* مناسبة اللقاء هو المجاعة التى كانت تطحن مواطنى جنوب السودان وقتذاك، وحصدت حتى ذلك الوقت أرواح ربع مليون مواطن جلهم من الأطفال والشباب وكبار السن، وتسببت فى لجوء ونزوح أكثر من مليون الى داخل وخارج السودان، خاصة الى اثيوبيا. 

* ولقد اراد قرنق من اجتماعه بالمسؤول الأمريكى الأول عن تقديم المساعدات الانسانية الى المواطنين فى مناطق الحروب والكوارث الطبيعية فى انحاء العالم المختلفة، ان يشرح له ما يعانى منه المواطنون فى جنوب السودان ويحثه على بذل المزيد من الجهد وزيادة المساعدات التى كانت الوكالة تقدمها لهم منذ بدء المجاعة فى اوائل عام 1988، وبعد تلك المقابلة أو ذلك الإجتماع بدأ اهتمام ناتسيوس بالسودان، وتطور رويدا رويدا حتى آختير ناتسيوس بسبب الخبرة الكبيرة التى اكتسبها فى شؤون السودان ومعرفته بتفاصيل كثيرة جدا عن تاريخه القديم والحديث والازمات التى تعصف به وصلاته بالكثير من السودانيين مبعوثا خاصا للرئيس الأمريكى جورج بوش (الابن) للسودان إبان أزمة دارفور فى عام 2006 بعد انتهاء فترة عمله كمدير للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية 

* يلخص ناتسيوس أسباب المجاعة فى ثلاثة عوامل، يأتى على رأسها الوحشية الشديدة لقوات المراحيل (النسخة القديمة من الجنجويد، المحرر) أو القبائل الحدودية التى سلحها ودربها الصادق المهدى عند توليه الحكم فى عام 1986 واستعان بها لمحاربة التمرد فى جنوب السودان، كبديل للقوات المسلحة السودانية التى كانت ترفض فى كثير من الأحيان تأدية المهام القذرة التى تُطلب منها بحرق القرى وقتل الاطفال والشباب وسبى واغتصاب النساء ونهب الماشية والأموال والممتلكات الأخرى وترويع الآمنين فى قراهم وطردهم منها .. وهى نفس الوسيلة التى اتبعها فيما بعد الرئيس عمر البشير فى محاربة التمرد فى دارفور بزعم ان المواطنين فى تلك القرى يوفرون الملاذ الآمن والتمويل لقوات التمرد، وفى حقيقة الأمر فإن العكس هو الذى كان يحدث فكلما اشتدت وحشية الحرب ضد المواطنين الآمنين فى قراهم كان التمرد هو الرابح وليس الحكومة 

* يشرح اندرو ناتسيوس ذلك بالقول، ان الحرب القذرة التى كانت تشنها القبائل المسلحة على المواطنين العزل، مع ما كانوا يعانونه فى الأصل من النقص الحاد فى الطعام بسبب الظروف الطبيعية القاسية، كانت تتعمد حرق قراهم وتجريدهم من مواشيهم وممتلكاتهم الاخرى وإرغامهم على النزوح الى مناطق تنعدم فيها وسائل الحياة، كما وان الأسر كانت تتخلص من الشباب والأطفال الذكور مكرهة بسبب الظروف الصعبة التى كانت تعيشها باعتبار ان الذكور من الشباب، حسب التقاليد الاجتماعية السائدة فى الجنوب، إذا ارادوا الزواج عليهم دفع مهور باهظة من الابقار التى تمتلكها الاسرة (متوسط المهر 150 بقرة ) الأمر الذى كان يتسبب فى المزيد من المعاناة للاسر التى تعتمد بنسبة 70 % من غذائها على لبن الأبقار .. وبالتالى كانت الاسرة تضطر الى  التخلى عن الذكور خاصة الأطفال بين سن 6 – 18 عاما وذلك حتى تحافظ على وتيرة الحياة القاسية التى تحياها بسبب وحشية الحرب والظروف الطبيعية القاسية التى كانت سائدة وقتذاك 

* كانت الوجهة التى يتجه اليها الشباب هى الاراضى الاثيوبية بسبب سهولة الوصول اليها اكثر من بقية المناطق المجاورة، رغم مشقة الرحلة التى كان كثيرون بفقدون حياتهم خلالها بسبب الجوع والامراض وهجمات المراحيل 

* وكان الذين ينجحون فى الوصول الى اثيوبيا يلتحقون بمعسكرات التمرد ويصبحون فى مدى وجيز مقاتلين شرسين فى صفوفه .. وهكذا كان الصادق المهدى هو المجنّد الأول (بكسر النون وتشديدها) لقوات الحركة الشعبية والسبب الرئيسى فى اتساعها ..! 

* العامل الثانى للمجاعة هو الجفاف الذى ضرب المنطقة وقضى على الكثير من الماشية ، ثم موجة الامطار الغزيرة التى هطلت على اجزاء واسعة من السودان فى عام 1988 وادت لغمر مناطق الماشية بالمياه مما ادى لانتشار الامراض والقضاء على المزيد من الماشية 

* اما العامل الثالث، فهو غزو الجراد الذى قضى على المحاصيل الزراعية .. وهكذا وقع الاقليم الجنوبى تحت سعير كارثة انسانية وحشية تسبب فيها الصادق المهدى والجراد والظروف الطبيعية القاسية ..!!