بقلم: عبدالغني كرم الله         مضيت قبل المغرب، أي بالعصر، كان الغبار عالقا في السماء، احسبه يريد أن يطير لبلد تزرعه، وتوقره، أو أراد ان يلعب في السماء قليلا، وتستنقشه النفوس، ويصير جسدا، يحيا ويشعر، فينا، أو أراد دفن الناس، كبذور في بطنه الطيب،

كي نحس بوحشة الموت، قبل أن نموت، ونشعر يقينا بمن رحل، مسكينا بسيف سلطان، أو طعنة جهل، أو ضربة فقر، والله أعلم، كانت الجاذبية الأرضية كعادتها، تشد الناس للارض، (من يهزمها، وهي تشدنا كالوتد لزمان ومكان محدود) ليتها خرفت، وجعلتنا نعلو الغبار، بلا سلطان منها، ولكن حنانها القديم، يشدنا دوما للأرض، وعسى ان نكره حبسا، هو خير لنا..

 

        الجو ساخن، الشمس تطبخ في سر ما، لسنا وحدنا في الحياة، “اي نحن بني آدم”، هناك من يشاركنا ركوب هذه السفينة الأرضية، والشمس تعنى به، فلا تتبرم من سخطها، فهو لكائنات أخرى، تفرح به، وتتخلق في باطن الارض “يقال بأن هناك مناخ داخلي، لكل منا، فتأمله، مثل نار موسى، كانت بردا وسلاما على جسمه، ومزاجه)، شابات، شباب وقوف غرب الساحة، حيث مكتبة “مفروش”،  كتب كتب كتب، على الأرض، ألوان واغلفة مختلفة، الجميع ينظر للأرض الورقية، ويختار ما يرغب فيه، ويشتهيه، فتاة اشترت “قواعد العشق الاربعين”، قلت لها هناك (نادي قراءة) سيناقش هذا الكتاب، سعدت به، وأعطيتها رقم مشاعر شريف، أجر مناولة، سيصب في ميزان حسناتي في يوم قريب، وسأشعر به، للحياة وفاء غريب، مباغت، يأتيك كثمار لبذر زرعته،  قد تنساه، وهي لا تنسى، مثل المادة، لا تفنى، ولا تستحدث، ما أعجب الحياة، (هذه بتلك، تقول لكم)، وتدهش من ذاكرتها النصحية، المحيطة، يقال، وأصدقه “العقل الباطن لا ينسى”، أي قراءة، فعل، خاطرة، تمر بك، هي موجودة فيك، فأبحث عنها، هل تصدق كثيرا ما تمد الروائح، يديها، لرف فيك، وتستل خاطرة، مشهد، موقف حميم، لن تقوى على تذكره، سوى بيد الرائحة، الذي نقر على مشاعرك القديمة، فصحت تلكم الحادثة، فعشت مسرات الذكريات الحميمية، الحياة شاعر عظيم، يتلو قصائدة بلسان الآن، لسان الحاضر بين شفتي الماضي والمستقبل، لا يكف عن الحكي، فأصغي له، والأرض “كلها مكتبة”، كما قالت تلكم الفتاة، في مستقبل “هذا المقال” الذي يصف بساطة الحدث، وعمقه.

 

         شاب اشترى الحب في زمن الكوليرا، غبطته، هل ستكون قراءته الأولى؟ أم العاشرة؟ سيان الأمر، ماركيز لا يمل، مثل قراءة الفاتحة، كل ركعة، ما بين سطوره يمكن تأويله بصورة مغايرة مع كل قراءة، والطرائق بعدد الخلائق، هناك طائرة، محملة بالناس، تمر فوق الساحة، في حجورهم جرائد، وكتب، وعصير، قراءة في الأرض، وفي السماء، وفي اللوح المحفوظ”، هناك من يقرأ فيه، وينزل العجائب في قلب وعيه، قراء الغيب العظام في التاريخ، من يهزون الحاضر، ويسخرون من ألاعيب المستقبل، وخفاءه، فيرجلون إليه، بحدس غريب، تصفق لهم نفوسنا، وتتعجب أرواحنا، كيف قرأ هؤلاء ذلك اللوح المحفوظ؟ خلف سدرة منتهى الحواس، فتصبح الحياة، برمتها قراءة لكتاب الكون.

 

        فتاة جلدة، في زي عصري، ونبل فطري، وزعت علينا قصاصات ورقة زرقاء، (الارض كلها مكتبة، والقارئ ليس غريبا)، جمعية للقراءة في جامعة الأحفاد، توقف خاطري في كلمة “ليس غريبا” هناك كلمات حسان، لهن من المعنى ما يغرق الفكر في متع التأمل، القارئ ليس غريبا ان يمتزج بالخيال، وليس عجيبا أن ينام قرب شهرزاد، وليس غريبا ان يحيا أطول من نوح، وأخصب من فؤاد المسيح، فالقراءة عالم الغرابة المعاشة، في كل سطر، وحرف، ألم يصبح جريجور صرصور مقلوب على ظهره؟ وهو في سريره؟ ألم يعرس الزين الدرويش، القبيح، أجمل فتاة في القرية، وانتشرت زغرودة عشمانة الطرشا في اصقاع الكوكب؟ ألم يسخر دون كيشوت من كل شئ في الحياة؟ وهز سعن الوعي البشري، حتى قطف زبدة الفكر والمغامرة والخيال؟ للقراءة أكسير، تدسه في كل حرف فيها، فتثمل أغوار القارئ، بما لا يقال، ولن ينقال.

 

        في شطنتي قصة للأطفال، أسمها “النعجة الصغيرة”، وددت حكيها للأطفال، ولكن حكيتها لشباب، أليس هم أطفال؟ عمر الحياة مع اعمارهم كيف يقارن؟ ألسنا أطفال في حجر الحياة، حياتنا  كالبرق، مقارنة بعمر الحياة قبلنا وبعدنا؟ اذن اكتب سيرتك الذاتية ايها البرق، ماذا سيقول، وقد كان سلامه توديعا للحياة، جزء من ثانية، وغاب، ومع هذا “تكتب بروقنا”، بقين مغرور عن الحياة، وهي عاشت أقل من برق، عشرات السير الضخمة “محض غرور”، لبرق مكث برقا..

 

        حلقات، حلقات، لا تعارف بينهم قبل اليوم، ولا صلة رحم، سوى عشق القراءة، أهناك رحم أطيب وأقوى من ذلك؟ هل الصداقة والأخوة ضربة لازب من رحم أم؟ أم لرحم القلب والفكر براح، وتقارب أكثر من تلكم الغريزة، هل ابي لهب عم النبي؟ وهل صهيب الرومي أخيه؟ وسلمان الفارسي كيف كان من آل البيت؟ هل رضع من حليب أمنة بنت وهب؟ للحب صلة رحم مطلقة، تصل الذات مع موتى، ومع احفاد لم يولدوا، ليس للجينات صداقة، سوى الأيام الأولى من التربية، ولكن حين يرحل العمر، تمتد الصداقات لرحم الفكر والوجدان المشترك، فالأب آدم، والأم حواء، وأخواني سارتر، وجوته، والنابلسي، وعلى المك، وكافكا، وجويس، تفرقنا اللغة، والمعتقد، وتجمنا فطرة القراءة، وتوقير الحياة، ولو في نبته، أو محاولة نملة في العيش الهنئ، فما أعظمها من أخوة وصداقة، وجيرة، رغم غول المسافة، وأنف الزمن.

 

        هناك اطفال، في كراسي، كم غبطتهم، معهم أليس، وفاطمة السمحة، وقدح قديح، ومعهم “مرآة أخدر عزاز”، وأحسبه “أي المرآة”، أول تلفزيون دخل البلاد في عصر الفونج والعبدلاب، “ما أعجب خيال الأحاجي السودانية”، يسبق الاكتشافات مثل غجر ماركيز (وهم من يربطون عزلة ماكندو بالعالم حولها”، وهي في قعر الجبال الرتيبة، فلاح لي استغراق الأطفال، وأرجلهم تتحرك مع الحكايات، وددت المضي لهم، ولكن لم اوفق، قدر الله، وما شاء فعل، ولكن الأعمال بالنيات،  من يعرف أين ستعى روحه؟ يقال في اليقظة، ناهيك “عن الأحلام”، تسعى لشعاب لا يدركها سوى الله، والمرء مع من أحب،  (قد تحكي لك روحك بعض دروبها في الحلم، فتذكره في يقظتك، بل قد تحل لك مشاكلك كلها)، ولكن عند اليقظة في الصباح تنام شهرزاد الكلام، عن الكلام المباح، كما اني سعيد بصداقة طفلة، صغيرة، قالت لي خالتها، بأن أبيها سكرتير المريخ، يعني سيكون أبيها حزينا، لو هزم الأحمر الوهاج، كم تتنوع مشاعرنا بما نشجع، مثل حزن الأمس الذي اعترى مدينة ميونيخ، بفرح مدريد، وأتمنى لصديقتي الطفلة، أن تسعد في هزيمة المريخ، وانتصاره، وقائع بعيدة تشكل “عاطفة البيت”، سأهديها بلاشك “النعجة الصغيرة”، وعدتها بذلك، كانت النافورة شرقنا، تنفث دمها اللامرئي، مثل غريق “غابو”، أجمل غريق في العالم، حين أخرجته النساء، فزفر من فمه، تلكم النافورة في الساحة الخضراء، فصارت أجمل غريق في الخرطوم، ترسل رزازها، مثل (من يتفل على فم الطفل عند ولاته)، لكل عقل وقلب..

 

        متى خرفت الجاذبية الأرضةي؟

         كيف فقدت صلفها وقوتها اللامرئية؟ لقد خرفت الجاذبية، متى؟ رأيت حلقات بأكملها تطير لعالم أليس في بلاد العجائب، فتيات فوق السحاب، وشباب في ذرى الغيم، والوطن تحتهم صغيرا، والنيل يسعى كثعبان سائل،  هناك من يشاهد جبل التاكا تحته، ويرى سربا في حديقة الديندر، وهناك من يرى لهب في خصر دار فور، وهودج سعيد في سهول المزروب، وحلق ذكر في قلب جبال الشرق،  ويلم في فواده هذا المشهد الوسيع، المتداخل، من فتنة وطن ثري، تؤذيه النظرات القصيرة، المبتورة، كي يسهر بالعشق والحمى، لكل جرح في ترابه الميمون، بل تتسع النظرة، في حال التحليق بالقراءة، لحلقات قراءة تنشد بلاد فارس، وأخرى تجلس في حضرة همنجواي، متى خرفت الحاذبية؟ وتركت قوارب الكتب، وبراق القراءة، ينتصر عليها؟ ألهذا نحب القراءة، لا سلطان عليها، الأكسير بيد حروفها، يضرب نهر الرتابة، فيخلق جسرا لأرض الدهشة.

 

        سعدت بلقاء اصحابي الشباب في تعليم بلا حدود، وفي حب القراءة، وفي حلقتنا التي حلقت في سموات المصطلحات من هو المثقف؟ ومن هي العلمانية؟ وماهي الحرية؟..

 

                شكرا لعبدالسلام، وصحبه الكرام، في تعليم بلا حدود، بلا حدود، ما أجمل هذا الشعار، وأطيبه، شعار يحسن الظن بالوعي البشري المحدود، بالبرق الذي يحاول الاحاطة بكل شئ، وكل مكان، وكل زمان، وهو لم يعش أكثر من جزء من الثانية، ياله من مغرور، وساذج، هيهات، هيهات، أن تلم بين احشائك العلم الأزلي، ولكن قل، تعليم بلا حدود، وبارك الله فيك، وكف عن العناد، والمكابرة، وأحمل فانوسك الواهن، وتأمل سنى الحياة الغابرة، وما سياتي، بتواضع شريف، تعليم بلا حدود.