خالد التجاني النور جملة واحدة قالها السيد وزير العدل محمد بشارة دوسة أمام المجلس الوطني بالأمس كانت كافية لتكشف حقيقة وجوهر الأزمة التي تعانيها البلاد ومحنتها في مؤسساتها السياسية والعدلية,

فقد جعلت كل الإفادات المطوّلة التي قدمها بشأن وقائع وملابسات فضيحة “الأقطان – قيت” مجرد تفاصيل صغيرة تخفى وراءها ما هو أعظم, أو على الأكثر مجرد مشهد واحد في مسلسل طويل عنوانه العريض القانون في إجازة”, وأن قيم الاستقامة والعدالة ترف لا وجود لها في قاموس دولة “المشروع الحضاري الإسلامي“.

فقد أبلغ السيد وزير العدل البرلمان أن جهات لم يسمها مارست ضغوطاً كثيفة على وزارته لطي ملف قضية الفساد في شركة “الأقطان” وتسويتها خارج دائرة الفعل الجنائي تحت لافتة التحكيم”.الاستاذ دوسة اعتبر الأمر في شأن هذا التدخل منتهياً بقوله “لن تنفع الضغوط علينا”, وفاته أن إقراره بحدوث هذا التدخل يجعل من فضيحة الأقطان – قيت” حدثاً ثانوياً أو مجرد “دراسة حالة” لمدى استشراء الفساد في البلاد وتمتعه بحماية متنفذين لدرجة أن وزير العدل نفسه لم يجرؤ على إتخاذ إجراءات قانونية ضدهم وتقديمهم للمحاكمة, أو على أقل تقدير كشفهم أمام الرأي العام, ولكن السيد الوزير آثر ممارسة فقه “السترة الإنقاذي“, فقد كان يتعين عليه إن كان عاجزاً عن فضحهم وإتخاذ إجراءات ضدهم أن يستقبل من منصبه ما دام بدا عاجزاً عن أداء وظيفته بسبب هذه التدخلات من هذه الجهات ذات البأس, ذلك أنه بغض النظر عن الإصرار على مواصلة الإجراءات القانونية في مواجهة المتهمين في قضية الأقطان, فإن ذلك لا ينفي أن هؤلاء الذين حاولوا التأثير على سير العدالة ارتكبوا جرماً يستوجب المساءلة, والصمت على فعلتهم تأكيد على زعمنا أن “القانون” في إجازة.

لا نريد أن نجعل من السيد محمد بشارة دوسة ضحية أو كبش فداء لتداعيات “متلازمة الفساد” المستشرية في البلاد, التي بدأت تتفجر فضائحها كل يوم كحقل ألغام زُرع من وقت بعيد يمتد إلى الأيام الأولى لسلطة الانقلاب العسكري الإسلامي في العام 1989, ولا نريد أن نجعل منه “البطل الوحيد” المطلوب منه حراسة بوابة القانون والعدل التي جرى إغلاقها منذ زمن بعيد, وإن كان ذلك لا يعفيه كرجل قانون أن يتخذ الموقف الذي يليق بمن هو في مقامه, ويبرأ بسمعته إلى الله قبل أن يفعل ذلك من أجل الناس.

فعلى الرغم من الحجج والقرائن التي أوردها في رده على المسألة البرلمانية المستعجلة التي تؤكد وتبين حجم الفساد والنهب الذي حدث في شركة الأقطان, والتي أحيلت لوزارته من قبل لجنة تحري ضمت وزارة العدل, والأمن الاقتصادي وديوان المراجعة القومية, ووزارة الداخلية استغرق عملها قرابة العشرين شهراً, وقدمت بينات فُتحت بموجبها ثلاثة عشر بلاغاً, ثم يفاجأ الناس الذين كانوا ينتظرون القانون ليأخذ مجراه ليعيد الأموال المنهوبة ويحاسب المعتدين يتحول إلى الأداة المستخدمة تحت سمع وبصر سلطات وزارة العدل المتفرجة ليمرر من تحت أرجلها غسل الجريمة بحيلة “التحكيم“.

وعلى أية حالة على الرغم من كل الإثارة التي أحاطت بفضيحة “الأقطان – قيت”, من فرط وضوح وقائع السرقة والفساد الذي فاحت رائحته حتى أزكم الأنوف, تبقى مجرد “حالة” أو “عينة” فقط لقضايا الفساد التي تثار على الملأ, ثم لا يلبث أن يخرج المتهمون منها ك”الشعرة من العجين” بعد أن يتم غسلها ب”محاكمات” تنتهي إلى البراءة بسبب ضعف قضية الإدعاء وهو ما يضع علامة استفهام كبرى إن كان ذلك مجرد مصادفة أم أمر مدبر بليل, وفي كل الأحوال فإن المسؤولية المباشرة تقع على وزارة العدل التي يبدو أنها مشغولة ب”تكتيكات” التستر على فضائح الفساد وتغطية عورات “أولاد المصارين البيض” بأكثر من انشغالها بالسهر على تحقيق مقتضيات العدل في دولة ترفع الإسلام شعاراً له, والشريعة قانوناً لها, وكنت ضربت كفاً بكف حين ذكّرت السيد وزير العدل بهذه المعاني في المؤتمر الصحافي الذي عقده ليعلن فيه تبرئة أحد مستشاري وزارته من تهم فساد شهيرة, ورد علي معتبراً أن المعاني والقيم العليا للعدالة في الإسلام التي سقتها للتدليل على غياب روح العدالة, بأنها مجرد وجهة نظر, وحينها أدركت أن الحديث القدسي الذي حرّم المولى عزّ وجل فيه على نفسه الظلم, والتمسّك النبوي بتطبيق العدالة ولو كانت السارقة فاطمة بنت محمد, مما يصلح لأن يُكتب في لوحات تزّين بها المكاتب والصالونات الفاخرة لعلية القوم في الطبقة الحاكمة ولكنه بالتأكيد ليس محل اختبار جدي ل”النظام” الذي يريد أن يحكم الناس باسم الإسلام, يرفض الإحتكام لقيم الإسلام التي يتدثر بها.

ليست قضية “الأقطان” سوى الفاضحة أو مجرد رأس جبل الجليد لفساد مؤسسي متمكّن ومتحصّن يعرف كبار الطبقة الحاكمة مكامنه وتفاصيله الدقيقة, كما يعرفه الرأي العام ويتتبعه ويتداول في شأنه ليس عن تهجّم ولا إتهامات جزاف ولكنه من واقع معايشة لمظاهر الثراء الحرام التي أصبحت أكبر من أن تغطى بمساحيق النفي والإنكار والتبرير, وكما قال ابن الخطاب يوماً واصفاً “أبت الدنانير إلا أن تطل برأسها”. ولا يحتاج الأمر إلى عبقرية أو متحر في عبقرية “شرلوك هولمزليفضحه.

يكفي سؤال واحد من “أين لك هذا”؟ إن كان هناك في ولاة الأمر ما يشغل باله حقاً الارتقاء إلى قيم الإسلام المرفوعة, ولحسن الحظ فإن سؤال أين كان هؤلاء المتطاولون في الثراء عشية ال30 من يونيو 1989, وأين اصبحوا فهو من في باب العلم العام, “فهلا جلسوا في بيوت أبائهم وأمهاتهم” ثم ينظروا إن كانت ستهبط عليهم الثروات كالذي يراه الناس في البعض الذين تحولوا من خانة مستوري الحال على أكثر تقدير إلى أغنياء تسير بذكرهم الركبان, لا عن ظاهر جدّ واجتهاد في عمل خاص معلوم, بل هكذا بين غمضة عين وانتباهتها. أليس في ولاة الأمر من يسأل كيف لموظفين في الحكومة مهما علت درجاتهم الوظيفية أو استطال مقامهم فيها يصبحون في عداد الأثرياء في وقت أصبح التجار ورجال الأعمال فيه من ذوي الدخل المحدود.كيف يكون غسيل الأموال إذن إذا لم يكن هذا “التقنين” ل “النهب المصلح” في تعبير شهير ورد على لسان السيد رئيس الجمهورية في وصف التعدي على المال العام تحت سمع وبصر بل وبإسم “القانون“.

ومن المؤكد أن أصحاب الشأن, وكذلك الأجهزة المختصة أعلم بكثير وبصورة دقيقة ومفصلة بالكثير مما يجري وراء الكواليس من حالات الفساد المستشرية بشكل سرطاني في جسد الدولة السودانية على نحو غير مسبوق في تاريخها الحديث, ولكن مما يؤسف له أن ما يشغل هذه الجهات المحاولة عبثاً, على طريقة إخفاء النعامة لرأسها في مواجهة الخطر, الانشغال بإنكار وجود الفساد ابتداءاً أو التقليل من شأن ما يُقدم إليهم من أدلة قاطعة, فقط من باب توهم أن ذلك سيتخذ ذريعة للنيل من النظام أو المس بهيبته وهي حجة تثير الرثاء أن يرى الناس مظاهر الفساد تفرّخ أمام أعينهم وتكون أنت الوحيد الذي يعصب عينه ظاناً أن ذلك لا يجعل الآخرين يرون ما لا تريد لهم أن يروه.

ويعجب المرء لتلك الجرأة على رب العالمين التي يقترفها هؤلاء الذين لا يتورعون عن التوسّل بشرعه سبيلاً إلى السلطة ثم لا يأبهون تحت لافتتها وبإسمها يبغون في الأرض فساداً.ويكشف عجز “النظام الحاكم” بكل مؤسساته السياسية والعدلية, ليس عن مكافحة الفساد فحسب بل عدم مساءلة من يتورطون فيه, وليس مهماً إن كان هذا العجز بسبب التواطوء أو عدم الرغبة وعدم القدرة على المضي قدماً في مواجهة الفساد حتى النهاية, يكشف عن نتيجة واحدة هي أن الفساد أصبح مؤسسياً, أو جزءاً من المنظومة المشغلة للسلطة, بحيث أصبح يصعب اقتلاعه دون أن يؤدي إلى انهيار النظام بكامله.

ومهلاً حتى لا يظن البعض أن قصص الفساد التي عمّت القرى والحضر وكأنها وليدة هذه الأيام فحسب, فالواقع أن ذلك غير صحيح بالمرة, فالفساد لم يبدأ بالأمس القريب ولا حتى بعد دخول السودان عصر النفط آواخر تسعينات القرن المنصرم, بل بدأ يطل برأسه في أوائل التسعينات والنظام الجديد بعد في أطواره الأولى لم يشب عن الطوق, وللمفارقة فإن أول مذكرة احتجاجية تنادى لها ثلة من شباب الإسلاميين في العام 1993, كان من بين بنودها العديدة المطالبة بالإصلاح والدعوة لمحاربة الفساد, ولنا أن نتصور حديثاً عن الفساد منذ ذلك الوقت المبكر في وقت لم يعرف السودان بعد تدفق الأموال الضخمة من عائدات النفط والاستثمارات المختلفة, حتى تلك المسبغة حينها لم تمنع البعض من الولوغ في الفساد حتى تنبّه له أولئك المحتجون في مذكرتهم الشهيرة في ذلك الوقت.

وكانت الغرابة أن قيادة “الحركة الإسلامية” الحاكمة وكانت لا تزال حينها على صعيد واحد, قبل ان تدركها غواشي التفكك بسبب الصراع على السلطة, هبّت هبّة رجل واحد لا ليتداركوا الداء في أول أمره, بل عنّفوا الشباب الناصحين بالمعروف على جرأتهم على القيادة, وتولى حراس كهنة المعبد حينها أمر تشتيتهم وتفريقهم أيدي سبأ في أصقاع السودان المختلفة حتى لا يتسنى له الإئتمار بمعروف وإزعاج الزعامة بأحاديث الإصلاح.

ولم تكن تلك هي الحادثة الوحيدة لكنها كانت من ضمن حوادث شتّى لم يتبين فيها زهد قيادة الحركة الإسلامية” فيمنع إنزلاق منسوبيها لجة الفساد, بل تبين للأسف كذلك استهانتها بقيم الاستقامة والنزاهة والشرف سواء كانت من تعاليم الإسلام أو حتى مما تعارف عليه من نظافة سيرة الكثيرين ممن تولوا المناصب العامة في عهود ما قبل الإسلاميين في السلطة, وهي استهانة بلغت حد التقليل من شأن كل شكوى ترد للقيادة كاشفة عن فساد هنا أو هناك, لقد كان المهم بالنسبة للقيادة التمكّن من مفاصل السلطة وليس مهماً بأية طريقة, فالغاية برّرت كل الوسائل الملتوية, ومن رحم “التمكين” لأشخاص من ذوي النفوس الصغيرة والهمة المفقودة, وليس للقيم النبيلة والمصالح العليا, ولدت كل أثام وشرور الفساد الذي عشعش في جسد النظام وتحول إلى قاعدة بدلاً من أن يكون استثناءاً, وتم التمكين لطبقة جديدة من “الإسلاميين”الحاكمين, وأصبحت الدولة السودانية تدار من خارج مؤسساتها إمعاناً في الضرب بكل قانون أو عرف في إدارة السلطة عرض الحائط. لقد كان “التمكين” أساس الفساد المتين لأنه أفرغ الدولة السودانية من أفضل كفاءاتها بالإحالة لما سمي “الصالح العام”, لقد كان إفساد نظام إدارة الدولة بذلك التشويه المتعمد هو أم المفاسد.

وفي الواقع فإن الأزمة الاقتصادية التي تعاني البلاد والعباد من جرائها الأمرين ليست سوى انعكاس مباشر لمدى وحجم تأثير الفساد المنتشر, لقد جرى توظيف إمكانيات وقدرات وموارد الدولة السودانية لرفع أقدار الطبقة المتنفذة على حساب الإدارة الكفوءة والنزيهة والفعالة للاقتصاد السوداني فكان أن انهار ليس عن قلة موارد ولا الافتقار إلى السياسيات, بل بسبب أن من يتولون إدارته يستغلونها لتعظيم مصالحهم الذاتية عن سابق عمد وإصرار على حساب المصلحة العامة, وما فضيحة “الأقطان- قيت” بكل تفاصيلها المخجلة إلا مثالاً بسيطاً على كيف تتم الاستهانة بالمصالح العامة وسرقة عرق المنتجين جهاراً نهاراً, ثم ننتظر إنتاجاً وفلاحاً للاقتصاد.

كم كان مخجلاً والبعض في البرلمان يعترض على مجرد إطلاعه على وقائع وملابسات فضيحة الأقطان بزعم أن ذلك تدخلاً في عمل القضاء, ,وأن فيه مساساً بالفصل بين السلطات, يا سلام منذ متى وأنتم تحترمون الدستور والقانون, وكل هذا يجرى تحت سمعكم وبصركم, وفي الحقيقة فإن المجلس الوطني الذي أثبت عجزاً لا جدال فيه كان سبباً مباشراً في التمكين للفساد مما اتضح من بؤس تعامله مع تقارير المراجع العام السنوية بكل ما تحويه من تجاوزات تصل حد تسابق مؤسسات الحكومة لتجنيب المال العام في خرق القانون في ظاهرة لم تعرف لها الدول مثيلاً إلا في السودان.

لا يعرف المرء كيف يتوقف عن سيل الكتابة في أمر الفساد, والمسكوت عنه أعظم بكثير من الذي يُقال, والواقع المرير يتجاوز فضيحة الأقطان بكثير, فهل هي مجرد مصادفة أن ينهار مشروع الجزيرة, سودانير, السكك الحديدية, البوستة, النقل النهري, الخطوط البحرية, وووووو ما لا يحصى من المؤسسات التي كانت ملء السمع والبصر بسبب الفساد ثم تُقيد كلها ضد مجهول؟.
tigani60@hotmail.com