د.ناهد محمد الحسن إنّ من أجمل الافلام التي شاهدتها مؤخرا لأكثر من مرّة فيلم عرضته احدى قنوات الام بي سي عن (الخدمات المجانية)..بطولة النجم الكبير كيفين بيسي

وقصّة الفيلم عن فرض في الخدمات الاجتماعية ابتكره استاذ ليعلّم تلاميذه شيئا عن قيمة العطاء بأن يفكر كل منهم في ثلاثة اشخاص ويقوم بمساعدتهم واعطائهم خدمات مجانية بدون مقابل. مما تسبب في حركة واسعة للخدمات المجانية وصلت من نيويورك الى لوس انجلوس. فكرة هذا الفيلم هي نتاج للكثير من الدراسات والمقالات والتساؤلات التي طرحها علماء النفس في العالم مؤخرا. فتحقيق المال والسلطة والجاه لم يكن كافيا ليمنح البعض السعادة. وقد اجريت دراسات في امريكا على  المواطنين القادمين من شرق آسيا واتضح انه رغم اوضاعهم المعيشية البسيطة الا انهم ينعمون بالسعادة. وقد انتهت تلك الدراسات بتغيير جذري في اتجاهات علم النفس نحو ما يعرف بعلم النفس الايجابي والذي يركز على قدرة القيم الايجابية في اثراء الذات وتحقيق السعادة والرضا عن النفس. وفي دراسة اجرتها جامعة كاليفورنيا عن الكرم والعطاء وجدت انّ فعل كرم واحد يمكنه ان يؤثر على مدى ثلاثة مستويات أبعد من منشئه. كما انّ هذا الفعل يستمر لفترة ليست بالقصيرة مع الشخص الذي اثّرت فيه. بمعنى آخر اذا اخترت ان تقدّم خدمة مجانية لأحدهم او احداهن فإنّ مفعول تلك الخدمة يجعل متلقيها يتفاعل بطريقة كريمة مع اشخاص عديدين ولاكثر من مرّة. والحسنة في هذه الحالة تكون بعشرة امثالها ليس من باب المكافأة لمقدّمها فحسب ولكن بحجم تأثيرها ايضا على الناس. انّ تيّار الايجابية الذي تبتدره بفعل واحد غير اناني قد يستمر في انتاج الدوائر الحلوة والطيبة والتعاونية. ان العطاء الخالص يمنحنا فرصة للتخلي عن الانانية والخروج من الذات للقاء الآخرين. وهذه التجربة الصوفية ليست نزهة عادية ولكنها رحلة استشفاء عالية الكفاءة وبمقدورها بزل السعادة والراحة في قلوب الناس. حين تفكّر في تقديم الخدمات لنفسك او نيل الاموال والمنافسة في العمل والسلطة فإنّ رغبتك في المنافسة قد تزيد شراستك وتضطرك الى ايذاء الناس وهزيمتهم وجرح مشاعرهم وبالتالي رغم انّ تقديم الخدمات للنفس هو فعل مشروع لكنّه محاط بالكثير من المزالق نحو السلبية والعدائية. على عكس العطاء والكرم، الطريق المعبد بالخير والايجابية. لذلك احب الخلق الى الله انفعهم لعياله. وأزهد فيما عند الناس يحبك الناس. والزهد فيما عند الناس هو درجة من العطاء بالتخلي عن منازعة الناس فيما يملكون مع الرغبة في ذلك. فتعريف الزهد عند (المحاسبي) هو الامتناع عن الدنيا مع وجود الرغبة فيها.

حين نتحدّث عن العطاء فهذا لا يعني انّنا نتحدث فقط عن العطاء المادّي ولكنّنا نتحدث عن أشكال مختلفة من العطاء من تبسمك في وجه اخيك صدقة مرورا بإماطة الاذى عن الطريق الى المضي في حاجات الناس وحسن الاستماع اليهم ومشاركتهم. وفي المقولات السودانية (الجواد يا مالو يا بالو) بمعنى انّ الشخص الذي يتوسّط بين الناس لحل مشاكلهم عليه أن يقدم تضحيات اساسية اما من ماله او صبره وحلمه اذا لم يكن من الموسرين.وقد كنت في السابق أقرأ هذا البيت واخطيء في فهمه (لولا المشقّة ساد الناس كلهم/ الجود يفقر والاقدام قتال). وأظن ان البيت كان يقرّر تبعات الجود والشجاعة الحتمية بالفقر والموت. والحقيقة انّ البيت تحدّث عن العقبات التي تصوّرها ذهنيات المتكالبين على الحياة وملذاتها بأنهم سيفقرون اذا اعطوا وسيموتون اذا تقدموا الناس في ساحات الوغى. وقد اثبتت العلوم والتجربة الانسانية خطل هذا الخوف والكلام. فالعطاء يطيل العمر ويحسن الصحة وان كان في بزل المحبة عبر صلة الرحم وغيرها. كما ان الاقدام لم يكن سببا في قصر حياة الشجعان من الرجال لا خالد بن الوليد ولا غيره من الصناديد الذين عرفتهم ساحات الوغى وقديما قيل احرص على الموت توهب لك الحياة.

فليكن اسبوعكم هذا اسبوع العطاء المجاني ..اختاروا اي انسان حولكم وقدموا له المساعدة دون ان ترجوا شكره ولا رد جميلكم وانعموا بطول العمر والصحة والعافية.

محطة أخيرة:

(تعود بسط الكف  حتى لو انه.. … .. ثناها لقبض لم تطعه أنامله
تراه إذا ما جئــته متهللاً.. … ..كأنك تعطيه الذي أنت سائله
هو البحر من أي النواحي أتيته.. …فلجته المعروف والجود ساحله
ولو لم يكن في كفه غير روحه.. … .. لجـاد بها فليتق الله سائله)

                                                                أبو تمام