ماركيز يكتب موته، ويؤلفه، إهداء ليوم القراءة العالمي        هل ألف حتى حياته، ووقت غيابه، وأختار لها هذا القدر المراوغ، أن يرحل والعالم في عيد يوم القراءة في الثالث والعشرين من أبريل، ولاشك روحه، وهي تعرج سترى ألف حجر في كرة الأرض تأوي كتبه، وشخوصه في ذلكم اليوم المشهود؟ وكأنه عرج ليهوى، والنجم إذا هوى

هذا الطفل، الدائم، الذي اخفق، وبشكل واضح، أن يكبر وأن تشيخ ملكات دهشته، وبراءته، فهو مؤقن بأن ملاك القراءة، قتل ملاك الموت عمدا، وجندله، (مات ملاك الموت، هزمتك ياملاك الغياب) فالحلاج لا يزال ثملا برؤية الحق، وسقراط العجوز يجادلنا في ثراء الفرد، وأبيقور بيننا، يقسم بأن اللذة في الجنس، ومشاهدة السينما، والقراءة، هي أس الحياة، أي العاطفة الفطرية،  التي ترسل العقل الكسول، كي يلبي لها لذتها، بكل حيل، كل هؤلاء، أحياء في سطورهم، يرزقون، فما القراءة، سوى يسوع، ينفخ الروح في عصب النسيان، والخيال، فيطير حيا، سويا، من القبور كل صاحب موهبة عظيمة، دونها لنا في الحروف، في السطور، في الكتب، (هزمتك ياموت)، هذه هي بركات القراءة، إعادة الماضي، وشد المستقبل، في لحظة القراءة، لحظة الحاضر الأبدي، الذي يجمع بين ضلوعه ماكان، وما سيكون، فأختار يوم القراءة، كي يزف روحه، لقراء هناك، لم يحضروه عصره، واحسبهم في توق لقراءته، مثل جوته، والجاحظ، وتراهاقا، والعبيد ودريا..

       حتى روحه، تشبهت بشخصياته الغريبة، التي تباغتك كحلم، في يقظة صحوك، حلم واقعي، مشهود، ولكن في قلب اليقظة، ينسجه بمهمل كميائي عجوز، أكسيرا من الكلمات، فتشربه العيون، فيحلق بك براق القراءة، في سدرة منتهى الإيهام والتصديق، والسحر، كواقع ملموس ليس إلا..

        تتفاعل النفس، معه كما يتعرق الجسم من ظهيرة حارقة، بلا حول أو قوة، لأنه مثل طفل، يصدق خيالاته البرئية،  ومثلما يتفاعل الحالم مع الحلم، بتصديق عظيم، للسحر، والطيران، والعودة من الموت، والاصغاء لأصوات الاحجار، أن قراءة ماركيز، هي حلم، تصدقه الحواس، وهل يدرك الحالم أنه يحلم؟ سوى تصديق مجاري الحلم، والجري من نملة، في أرض من صمغ، ثم تجد نفسك امراة عجوز، أو أرنب يحمم فيك، في الطريق والناس تشير له ببراءة “مثل ريمدوس”، غسل هنا، وتلك رغوة هناك، في قلب الشارع!! وقد ضربت البراءة العالم، كما يغشي البرق قبة السماء، في تلكم الحلم الواقعي، اليومي “

 

ذلك الحلم، هو قراءة كتب ومؤلفات ومقالات السيد  غابو”، حتى المقالات الصحفية، تتبدى فيها قدرته الفذة في الإدهاش، والإيهام، حد التصديق (هل أنت فراشة حلمت بأنها رجل؟ أم رجل حلم بأنه فراشة”، مثل صديقه بورخيس، ترتاب أين الواقع؟ من الحلم؟ من الجنون اللذيذ، وتلكم هي سطوة الأدب، تصديق المعجزة كمسلمة، تفن الحياة، وتطعن الرتابة، طعنة نجلاء.

       لا شئ مستحيل، بين فقراته، وسطوره، ناهيك عن متن رواياته الملحمية، كل كلمة، من مشروعه، هي “أليس في بلاد العجائب”، فحين تهوي في البئر، تهبط بهدوء، كأن الجاذبية الأرضية، ترهلت رغم انف نيوتن، وشاخت، وصارت يديها مهلله، تشد الناس إليها، والجبال، كأنهم ريشة، أو في سفح القمر، فهوت أليس في البئر الصغير، بعد سويعات، وتلك “خفة الكائن”، تولدها ملامسة سطوره لشغاف قلب كل قارئ، فيمسه، ذلك السحر للقراءة، العصي للوصف مثل مذاق التفاح (ليس في التفاحة ذاتها، وليس في فم آكلها، ولكن فيهما الاثنين معا)، كما حكى قديس في القرون الوسطى لسر التفعال بين الأشياء “ومن ذاق، عرف”، ألف متن ليس يصف طعم العسل، ولكن رشفة منه، تفصح عنه، وعن لعاب يسيل من مائة عام من العزلة، وعن أجمل غريق، فتن النساء بجماله، وهو ميت، مثله الأن، فتن الناس به، هو ميت مجازا.

 

       من يحصي النجوم في ليل صافي ويستريح مع أخر نجم احصاه؟ تلك هي متعة القراءة لهذا المجنون العاقل، الحكيم، الذي هز سعن اللبن في امشاج القارئ، فصنع سمنا، وزبدة، في كل منا، فقويت حاسة الإصغاء فينا، وشحمت كواسل المغامرة، وتلك هي القراءة.

       من يعرفه مكر غابو يقينا؟ أن روحه كانت طليقة، تجوب أساطير الهنود الحمر، وثمالات السكر في التصوف الإسلامي، وتهوم في دفاتر الناسك في القلاع القديمة، وترحل مع الغجر، في أسفارهم في تخوم المغامرة الكونية، فصار قلبه، مثل مغناطيس جليادمس، يجذب نحوه كل زهرة في غابة مظلمة، وكل قبلة في خلوة، وكل حياة في قلب شيخ عجوز ميت، تنسل من قبره، بذلك المغناطيس الغريب “قلبه”، وتحل فيها، ثم يحكيها لنا، والعجوز في تخوم العالم السحري للسماء والموت، فيختلط الحابل بالنابل، ويصدق الوهم، ويكذب الواقع.

       ليل أمس، كنت في محاضرة، أو قل مؤانسة، طلبها مني شباب تعليم بلا حدود (ما أجمل هذا الشعار)، عن القراءة والكتابة، وكنت حضرت نفسي للحديث عن القراءة، وطقوس الكتابة، ولكن سيد الحكي السحري، أختار أن يسافر للسماء، وكأنه أحد شخوصه، ملتصقا موته بيوم القراءة العالمي، وانا في طريقي للندوة، شعرت به يحل في قلبي، بل يذكرني بقصصه، وأبسط تفاصيلها، ولم أجد نفسي في الندوة، إلا متحدثا عنه، طوال الندوة، قدر غريب فرضه على لساني، وعلى المستمعين، وكأني جئت له، شكرا لوفاء شخصي وشعبي، من تلكم المسرات التي خلقها فينا، حين سطر من قلب الفكاهة حكاياته، وسرده، وواقعيته السردية، المرحة، حد البكاء، كأنه اختار موته “قصة موت معلن قرب يوم القراءة العالمي”، أهناك عيد أجمل من القراءة؟ هل عشت ألف عام، ومت ألف مرة، ووولدت في عصر الاغريق، ثم العباسين، وفي داكار، كما سانتياغوا؟ تلكم هي القراءة، براق يلف بك ما كان، وما سيكون، في قصته عن الحب، انتظر الحبيب اكثر من قرن (وهل الوقت واحد؟)، أن من يعشق بصدق لا يرى الزمن، بل يجري الزمن فيه، وهو مأخوذا بخمر حبيبته، ألم يقل متى عن المسيح (يأتي بعدي لأنه كان قبلي، وسيكون أمامي؟)، ألم يقل شيخ الكسرة، وقد ارسلته زوجته لجلب سكر (فمضى ثلاثة شهور، يتقصى شيوخه في سنار)، وحين عاد لقرية ألتي، جلب السكر معه (فقالت له زوجته مالك جيت بسراع؟)، سنة الزمن، تتبيان من قلب لآخر، ولن ندخل النهر مرتين..

       كان مجنونا، كان عبقريا، كان حكيما، كان أنيسا، لا يمل، في كل العالم، خاطب العالم بالفطرة، بالجن، والخيال والاساطير، تلكم الاشياء الكامنة في العقل الباطني، فسحر العالم أجمعه..

       اختارت روحه يوم القراءة كي ترحل، في تخوم اسبوع يقدس القراءة، خمر القراءة، فهل “ألف حياته؟ ولم لا؟…

       ومن عجب، وجدت نفسي اتذكر اشياء وتفاصيل، قرأتها قبل أكثر من عقد من الزمان، كأن روحه لا تزال تحوم في الذاكرة، لصدق انفساها، وتهب كل من يستغيث بها، مثل الجيلاني “السابق الياء”.

       أنه الحب، لا يضل، ولا ينسى، نور الحب كنور الشمس،  يرى تحته كل نملة تدب، وأين جحرها، وأين قوتها، فبصر الحب، وعينه، أوسع من قبة السماء، ترى الضال بين الشعاب، وبين الخواطر، كم نحبك ياغابو الحي دوما، في البال، والقراءة، هازمة الموت النبسي، ولا موت سوى في التخييل البسيط، ولكنها ولادة أخرى، في عالم أنبل أخر، أحسبك أكثر من غازلة، وسرق الاستحالة والايهام والخيال من جبه، فأسكرتنا، وها انت تطير مثل ابطالك، وتعيش في وهم الخيال، واقعا، مباركا.

ستكون قصة رحيله، قصة أجمل ميت في العالم، قصة أجمل غريق في العالم في نهر القلوب، وسيفتن به الكون، مثله غريقه الجميل، النبيل.