نبيل أديب قضية الأقطان لم يتم تناولها بالشكل الصحيح، فإمتلأت الدنيا صياحاً حول صحة قرار التحكيم، وأتعاب المحكمين، وهي مسائل تستطيع القوانين السائدة معالجتها إذا كان بها خطأ،

ولكن لم يعلم أحد كيف كانت تدار شركة الأقطان. شركة الأقطان هي شركة مسجلة كشركة خاصة، ولكن جزء مقدر من رأسمالها تمتلكه الحكومة، والجزء الآخر تمتلكه إتحادات المزارعين. أي أن أموال الشركة هي أموال عامة، أو في حكم الأعمال العامة. ما كان يجدر بنا أن نلتفت إليه، في كل ما أثير حول هذا الموضوع، هو عجز القوانين الحالية عن كشف الفساد المتعلق بالمال العام، دعك عن معالجته، لإفتقاد النظام القانوني لقوانين الشفافية. تعني الشفافية إدارة الشئون العامة على مرأى ومسمع من الشعب. وهذا يقتضى أن يكون لوسائط الإعلام الحق في  الوصول إلى كيفية إدارة المال العام، والتصرف فيه، ونشر ذلك لعامة الناس، كجزء من حق الناس في معرفة كيف تدار شئونهم لأن ذلك شئ أساسي لمبدأ خضوع الحكام للمحاسبة، لأن المحاسبة لا تحققها إنتخابات عامة يشارك فيها ناخبون لا يعلمون إلا ما تسمح لهم الحكومة بمعرفته.

ويلعب مبدأ الشفافية دوراً هاماً فى محاربة فساد الحكم، ويهمنا هنا الفساد الذى يهدف لأغراض إقتصادية، عن طريق إستغلال المناصب صاحبة القرار في المال العام، لتحقيق مكاسب شخصية. وهو أمر لا تنجو منه حكومة، ولا نظام للحكم، فهو كما يصيب الدول الشمولية والسلطوية، يصيب أيضاً الدول الديمقراطية، ولكن الدول الديمقراطية أكثر قدرة على مقاومته بالشفافية، وذلك لأن إدارة شئون الدولة على مرأى من الناس يقضي على الفساد في المنشأ، وهو أمر لا يتاح أصلاً في الدول السلطوية، حيث تكون السرية هي أساس الحكم، فليس المهم لدى الأنظمة السلطوية تحسين الحال، بل يكفى إخفاء ما يسوء فيه .

تهدف الشفافية لمحاربة الفساد عن طريق إتاحة المعلومات، وذلك بإلزام الدولة بالكشف عن المعلومات التي تتعلق بالمال العام، والعقود التي تدخل فيها، وجعل قواعد إختيار المتعاقد معلومة ومكشوفة للجميع، كذلك فإن كل الشئون المالية للقائمين على الدولة يجب أن تكون معلومة، فتُعرف مصادر دخلهم وثرواتهم الخاصة، ويجب على شاغلي المناصب العليا الكشف عن أي هدايا أو مزايا تكون قد منحت لهم، والقانون في أمريكا مثلاُ يجعل أي هدية تهدى لرئيس الجمهورية ملك للحكومة إذا كانت قيمتها تفوق 200 دولار أمريكي، بإعتبارها أهديت للمنصب وليس لشخص الرئيس، و لكنه يحفظ للرئيس الخيار في شرائها عند إنتهاء مدته. قانون الثراء الحرام والمشبوه لدينا يلزم الحكام بتقديم إقرار ذمة، ولكنها قرارات لا تحكمها معايير محكمة تقدم لجهة غير مستقلة، والمعلومات الواردة فيها سرية، وغير متاحة للجمهور.

في بريطانيا إضطر بيترماندلسون، الذي لعب الدور الأساسي في حصول تونى بلير على زعامة حزب العمال، للإستقالة حين كشفت الصحافة عن حصوله على قرض بدون فوائد يبلغ 373 ألف جنية إسترليني من جيوفرى روبنسون. و جيوفرى هذا من أثرياء حزب العمال، ولكنه  كان يخضع لتحقيق في مسائل متعلقة بتصرفاته التجارية بواسطة الوزارة التي كان يتولاها ماندلسون، ورغم أن الثابت أن ماندلسون أبعد نفسه تمامأ عن التحقيق ،فلم يشارك فيه، ولم يتصل بأي من أعضاء اللجنة، إلا أنه لم يبلغ مجلس الوزراء بحصوله على قرض بدون فائدة، وهذه ميزة يجب كشفها للمجلس. عند إتضاح ذلك، و رغم الصداقة الوثيقة بين الإثنين لم يستطع تونى بلير أن يحميه، وإضطر ماندلسون للإستقالة.

تطورت مسألة الشفافية دولياً وصدر بشأنها عدة عهود دولية، اما بالنسبة للسودان فإن القانون ما زال يعاني من قصور شديد فيها، والقواعد التى يتضمنها أقل كثيراً من المستوى المتطلب دولياً. ولكن ذلك يحتاج لمعالجة منفصلة.