محمد بدوي أعلن وزير العدل بدولة  جنوب السودان  وقف إجراءات محاكمة أربعة من قادة الحركة الشعبية  و مسؤولين سابقين شغلوا مناصب رفيعة بالدولة،

 بعد محاكمة عرفت إعلاميا بمحاكمة ( فاقان ورفاقه ) لضلوعهم في محاولة انقلابية  فاشلة  من ديسمبر الماضي . حسناً    أن تخطو حكومة جنوب السودان تلك الخطوة , لأن وقائع الحال تشير الى الامر  ان مضي  قانونياً  قد لا يجد سنداً  للإدانة  لتتجه الأمور الي سيطرة السلطة السياسية علي السلطة القضائية  و الإملاء عليها , و هي خطوة كانت ستصيب سيادة حكم القانون في مقتل .  من ناحية ثانية و قف المحاكمة قد جنبت تاريخ الدولة الوليدة إثبات محاكمة انقلابية فاشلة في صفحات تاريخها لتمضي الي مصاف الدول التي سودت مثل هذه المحاولات بعض صفحاتها  بكل ما هو ملازم لصفة الدكتاتوريات من سوءات .

وبناء علي إعلان حسن النوايا و المصالحة العامة التي أعلنت عنها حكومة الجنوب ضمنا باطلاق سراح (باقان ورفاقه ) .  يجب أن تتجه نحو مصالحة شاملة و حقيقية لا تستثني أحداً ، كما يجب أن تستصحب الأسباب التي قادت الي الصراع الأخير بين حكومة جنوب السودان و النائب السابق لرئيس دولة جنوب السودان د. رياك مشار وبقية أطراف النزاع  وتصل الي تسوية شاملة  . 

المصالحة الوطنية في هذه المرحلة لا أعتبرها مبادرة من قبل حكومة الجنوب بل هو واجب عليها لأن الظروف التي تعاني منها الدولة ستقود الي المزيد من المعاناة  وذلك  للاتي:

أولاً: دولة جنوب السودان تعتبر آخر دولة إنضمت للأسرة الدولية ، فهي بحكم الواقع دولة حديثة النشأة و عليها إحترام الإرادة الدولية في فض النزاعات سلمياً . و إستجابة لنداء الأسرة الدولية و حرصاً علي عدم الإنزلاق في حرب جديدة  . 

فيكفي أن التاريخ يشهد أنها خاضت أطول حرب أهلية في تاريخ البشرية الحديث . فمن الخطأ أن يمضي ( جيل جديد ) أسهمت إتفاقية  السلام 2005  في نشوئه في محيط بعيد نسبيا عن ذاكرة حياه أخري مليئة بالماَسي و المآلات المحزنة.

ثانياً: تعيش دولة جنوب السودان ظروفا اقتصادية أجبرتها علي إعلان التقشف منذ العام 2012  بعد التوترات مع جارتها جمهورية السودان وإغلاق الخط الناقل  للبترول من قبل الأولي . و هي ظروف إنعكست سلبا لتضيف كما تراكميا علي القصور الحكومي في تقديم خدمات التعليم والصحة و الخدمات الأخرى  جانب اَخر السياسة المرتبطة بالمصالح عالمياً لا تزال تنظر بحسابات الخسارة للخط الناقل للبترول و هي قابلة للتغير تبعاً لماَلات الأحداث لكن لن يطول الإنتظار كثيراً.

 

ثالثاً : وهو  متعلق بالوضع الإقليمي حيث تشهد دولة أفريقيا الوسطي توترات أدت الي تدخل المجتمع الدولي و هي جارة ملاصقة ، العلاقة البينية مع جمهورية السودان رغم الجهود الظاهرية والزيارات المتبادلة بين رئيسي الدولتين لكن في حقيقة الأمر تشير الي خلاف ذلك .  فقد أعلنت دولة جنوب السودان عن قصف جهورية السودان لأراضيها في شهر  أبريل الجاري بجانب الاتهامات المبطنة  بدعمها للنائب السابق د رياك مشار  إتهامات لبعض الحركات المسلحة من دارفور بالمشاركة في شهر يناير بالمشاركة الي جانب حكومة السودان في منطقة بانيتو النفطية .

رابعاً: هو أن طبيعة نشوء دولة جنوب السودان جاءت بعد طريق طويل وشاق ، ففرح العالم كله لذلك الإنفصال الذي توج معنويا بمثابة الإستقلال .  لكن ظلت  الممارسة السياسية تتجه نحو دكتاتورية الحزب الواحد ، فلم تتاح فرصة لأحزاب المعارضة بالممارسة السياسية و هو أمر لم يكن متوقعا منها ، علي الأقل من يعتبر أنه (  ظلم ) فمن باب أولي أن تترسخ داخله قيم العدالة تجاه الاخر ، و في تقديري أن تضييق المساحة السياسية  انقلب وبالاً علي  الحزب الحاكم  فبدأ  التململ الذي  انتقل الي مآلات كارثية خصمت كثيرا من جميع الأطراف ؛ وخصمت من مكانة الدولة الوليدة التي كان ينتظر منها تقديم ( نموذج)  يحتذي به  في ظل ظروف  حظيت فيها بإهتمام و ترحيب الأسرة الدولية قاطبة .

لكي لا نقف عند حدود محاولة الإشارة الي الاسباب التي قادت الي الأزمة حسب تقديرنا المتواضع و الذي نفترض فيه مجافاة  الغلو و ترجيح الموضوعية . لذا يبقي لزاماً علينا أن ندلف الي متطلبات مسار المصالحة الوطنية لكي لا تدور في فلك محاولات تلامس ما ظهر من جبل الجليد وتهمل المسببات الرئيسية للوصول الي تسوية شاملة وسلام مستدام .

في إعتقادي أن ما يجري الآن هو نتاج لسيطرة (فلسفة)  إتفاقية السلام الشامل 2005 حيث أنها ركزت بشكل كبير علي وقف الحرب بين الشمال والجنوب في المليون ميل الذي إنشطر الي دولتين . وفي خطوة متقدمة وضمانا علي عدم العودة  لمربع الحرب تم تحصين الامر بالإستفتاء  كضمانة لنهاية سلمية للعلاقة بين الشمال والجنوب أن تعذر العيش في ظل حدود واحدة .

مضي الأمر عمليا  نحو بوابة الخروج الآمنة المفترضة بين الطرفين ، لكن لم يتم الإنتباه والنص علي ما بعد الخروج الآمن و ماهي المتطلبات؟؟ !  و لعله سؤال كبير وملح حيث أنه تحول غير سهل فهي تفترض إنفصال الجنوب و السير الي تكوين دولة مفترضة زينتها النوايا ؛ لكن لم تصاحبها إقتراحات عملية  تدفع الي ما هو المطلوب بعد الانفصال و اعلان الدولة الجديدة ؟؟!  في رأي الخاص أن المطلوبات كثيرة لكن سأكتفي بالإشارة إليها مجملا بإنها مرحلة إنتقالية  تتطلب برامج تدفع بها نحو إستقرار يلامس جذور الأزمة و الخص ذلك في (برنامج متكامل للعدالة الإنتقالية) إجمالا و تفصيلا في المحاور التالية :-

أولاً: كان يجب الإعتراف بنضالات شعوب جنوب السودان جميعا منذ العام 1955  بناء علي مشاركتها في الحرب تحت رايات الحركة الشعبية ومن قبلها حركات الأنيانا ؛ و السبب لأن الحرب لم تستثني أحدا من مكونات دولة جنوب السودان بل أمتد أثرها الي الجميع . أهمية هذه الخطوة ستعزز المضي قدما نحو تبلور الوجدان الوطني و بالتالي تبلور لفكرة المواطنة التي ستصب في خلق شعور عام  بالمساواة و العدالة و النظر نحو (علم ) الدولة بالإحترام والتقدير .

ثانياً:  الحقيقة و المصالحة بين شعوب جنوب السودان في الظلامات التي تمت نتيجة للنزاعات الداخلية بين بعض شعوب الدولة في الماضي ؛ و بين قادة الحركة الشعبية نتيجة للخلافات التي مرت علي مر تاريخ الحركة و مناقشة مسبباتها بموضوعية وحياد في فلسفة لا تهدف للتجريم بقدرما تدفع الي وضع لبنة جديدة مبنية علي الثقة بين مكونات الدولة .  و يمكن أن تستند علي الأرث الضخم من التقاليد والأعراف المشتركة لتنتج نسخة للحقيقة والمصالحة تشابه الواقع و تتسق مع شروطه الثقافية و أعرافه ومواريثه . الغرض من هذه النقطة هو رفع الحس تجاه الآخر و إبراء للذاكرة من إتهامات قد تكون موضوعية أو غير كذلك  و إنصافا للمتضررين معنويا عبر الإعتذار و إبراز الحقيقة  .

 أما بالنسبة للأزمة الراهنة يجب تكوين لجنة للحقيقة والمصالحة وخاصة بين أثنيتي ( الدينكا و النوير) ؛ و الاستفادة من دولتي يوغندا وكينيا بالإضافة الي الزعماء العشائريين و الروحيين .فدولتا كينيا و يوغندا يمكن لهما لعب دور محوري ؛ حيث انقسم اللاجئون بين الدولتين حيث فضل الدينكا اللجوء الي يوغندا بحكم الدور المحوري في النزاع بينما فضل النوير كينيا للدور المحايد نسيباً ، من الناحية السياسية  تتعبر الدولتان قد حققتا نسب نمو إقتصادية كبيرة في الفترة  من 2005 الي 2011  لتدفق عائدات البترول بشكل مباشر أو غير مباشر. فلا يزال هنالك وسطاء أخرين مثل اثيوبيا و تشاد و روندا الدول الصاعدة سياسيا في القارة علي حساب التراجع النيجيري و جنوب افريقيا ؛ علي أن تنبني جهود التسوية  علي النتائج التي تخرج  بها  لجنة التحقيق التي شكلها الإتحاد الأفريقي برئاسة رئيسة المفوضية الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب .

ثالثاً: الإعلان عن خطة إنتقالية  لتقديم  الخدمات بما يعزز المضي مستقبلا في البنية التحتية عبر مشاريع كبيرة للتنمية  تتسق مع إمكانات الدولة ورفع قدرات المؤسسات ؛ و تستهدف جميع الشعوب بل تحثهم علي المشاركة الجماعية فيها والإستفادة منها من أجل ضربة بداية عملية وجادة لخلق شعور عام بالمشاركة والإستفادة  من نتائجها  دون مفاضلة أو مشاركة مبنية علي أساس عنصري أو إثني لترسخ في أذهان شعوب جنوب السودان قبولآ للتعايش معاً و جنبا الي جنب ؛ و تنوع المشاريع بحيث تضمن المشاركة المتساوية من حيث النوع  .

رابعاً : إيلاء الإهتمام الخاص لقدامي المحاربين و القادة الروحين  والمرأة  عبر مشاريع خاصة تعيد للشعوب والمجتمعات الجنوب سودانية بعضا من التماسك الإجتماعي الذي أثرت فيه ظروف الحرب بهدف إعادة إستنهاض القيم و الإعراف  ؛  و يرفع من قدر المساهمات التأريخية لهذه المجموعات بما يمكن من تدوين التاريخ الشفوي بسهولة ويسر . و يضع أساساً صلباً لمجتمع تبلورت خطوط العلاقات فيه بصورة مقبولة في اطار خروجها من صدمات الحرب التي شرخت الوجدان و أثرت في الكثير من الموروثات التي لا تزدهر الا في أوقات السلم لإرتباطها بالإنسان كمحور و بالأرض كجغرافيا و بالأمان كبيئة سليمة. .

خامساً: في الممارسة السياسية يجب الإنتباه  الي أن التجارب في ظروف الدولة الوليدة لها دور مهم في المسيرة السياسية  . وكذلك الإنتباه الجاد والواعي الي أن الدولة في مرحلتها الانتقالية يجب أن تبدأ  من أرضية صلبة مستفيدة من قيم الأسرة الإنسانية في علاقاتها  بالمجتمعين الدولي والإقليمي  وعلاقاتها بمعارضيها وفي  طريقة إدارتها للدولة ؛ و الإنتباه الي التحولات الكبيرة التي تفرضها ظروف إقليمية و دولية في المجالات المختلفة سواء المتعلقة بالحريات- العلاقات الدولية- الحقوق التي نصت عليها القوانين .  والإرتهان الي  قيم العدالة و سيادة حكم القانون و إحترام التعددية والديمقراطية ؛ و الجدية في الإبقاء علي الإلتزامات بالقدر الذي يبرز الجدية و ينشرها بشكل متساوي بين جميع شعوب الدولة لتبدأ مسيرة نمو و إرتقاء متوازية الأطراف في  توقيت واحد وبمكنيزمات موحدة.

سادساً : الاستفادة من فئة الشباب للحد من إنخراطهم في المليشيات بتكوين مفوضية خاصة بالشباب توظف جهودهم في الترويج للتعايش السلمي و الاستفادة من جهودهم في مهام مشتركة مثل الإحصاء النوعي لعدد من القضايا – تكوين السجل الوطني حول الأمراض – انتشار السلاح ، دليل قضايا التنمية ,السجل الرياضي  ، و تشجيع الرياضات بما يتسق و الثقافات المختلفة و الدفع بها الي مصاف الوطنية ، يمكن تنفيذ هذا المحور في شراكة وطنية ودولية مع وكالات الامم المتحدة المختلفة ذات التفويضً المشابه.

سابعاً:  استناداً علي نتائج لجنة التحقيق الأفريقية و جهود لجان الحقيقة والمصالحة يمكن تحديد منطقة داخل حدود دولة جنوب السودان شهدت نسبة عالية من أحداث العنف و  وتشييد مقبرة رمزية  لكل ضحايا النزاع منذ العام 1955 الي أبريل 2014 ،   لتصبح رمزاً تاريخياً علي طي صفحة العنف ، وبالطبع ستساهم في خلق الشعور بأن الدم الجنوبي واحد .

 

في ختام المقال أود أن أختم بأن عدم الإنتباه الي خلق روح شعور وطني يدفع الي تكوين الأمة هو ما سيجعل من الامر أكثر تعقيدا  لأن البنية الأثنية  للدولة الجديدة  لا تزال تراوح مكانها ؛ مما تدفع بها يمينا ويسارا  كوابح الأثنية  وقد تلقي بها نحو هاوية لا مفر من إنها ستكسر عظم الظهر وحينها سيكون الوقوف صعبا والنهوض في حكم المستحيل دون الأعتماد علي أياد خشبية وبالطبع لن تمتد مجانا  .   

Badawi0050@gmail.com