محمّد جلال أحمد هاشم* أدناه سوف نحاول أن نكشف المدى الذي يمكن أن تصل إليه الأيديولوجيا في استغلالها للدّين وتحويله إلى مجرّد آليّة جهنّميّة في مقدور جماعة بعينها أن تستغلّها لتحرق بها وطناً بأكمله

لا لشيء سوى لتمكين أنفسهم من الحكم ولو كان هذا على جماجم ملايين المسلمين الأبرياء الذين لم يفعلوا شيئاً يستحقّون به كلّ التّنكيل والخراب الذي حاق بهم. سوف نتّخذ من أزمة دارفور التي تعتبر أسوأ كارثة إنسانيّة حتّى الآن خلال القرن الحادي والعشرين مثلاً. فقد تمّ تقتيل مئات الآلاف من الأفارقة السّود بيد أفارقة سود آخرين، لكنّهم يتميّزون بالاستعراب. كلّ ذلك في سبيل تغيير التّركيبة الدّيموقرافيّة للإقليم كمقدّمة لتعميم هذا النّموذج في باقي أقاليم السّودان. في هذا سنكشف كيف كان حسن التّرابي (عرّاب نظام الإنقاذ) هو نفسه المفكّر والمخطّط لهذه الكارثة الإنسانيّة التي لا يمكن أن تصدر من شخص سوي، دع عنك أن يكون وطنيّاً، وكيف يكون المرءُ وطنيّاً إذا ما سلخ العمر وهو ينتمي لفكر لا يؤمن بالأوطان!

لم يكن التّرابي ببعيد عن صنع مشكلة دارفور في مبتدئها. وقد توالت اتّهامات قيادات الإنقاذ للتّرابي بأنّه هو صانع مشكلة دارفور. من ذلك أنّ نظام الإنقاذ قد ظلّ يوجه له إصبع الاتّهام في أعلى مستوياته. فقد اتّهمه علي عثمان محمّد طه (وقتها النّائب الأوّل لرئيس الجمهوريّة) بأنّه كان وراء إشعال حرب دارفور. جاء في صحيفة الإمارات اليوم (‏11/2/2010م، http://www.emaratalyoum.com/politics/reportsandtranslation/2010-02-11-1.61685): «اعترف نائب الرّئيس السّوداني علي عثمان طه بأنّ انقسام الحركة الإسلاميّة في السّودان كان سبباً في تصعيد الحرب في دارفور، وقال إنّ رئيس حزب المؤتمر الشّعبي وجماعته يتحمّلون مسئوليّة إشعال الحرب في الإقليم، لأنّ التّرابي هو الذي قدّم للمتمرّدين الحجج لإشعال الحرب …». أوّل ملاحظة يمكن رصدُها هنا هو غلاظة التّهمة إزاء ضعف الاستدلال، ثمّ المنطق التّطفيفي لأزمة مثل دارفور كان لا يمكن لها أن تصل إلى هذا الحدّ لو لم تكن الدّولة ضالعة فيها وهو ما تدعمه كلّ الشّواهد والبيّنات. ويستمرّ علي عثمان في كيل التّهم التي تبدو أقرب إلى الاتّهامات الجزافيّة: «وقال طه الذي كان يتحدّث إلى نخبة من المفكّرين والكتّاب والصّحفيّين في مصر: ‘التّرابي يحمل في عنقه دم كلّ من قُتل هناك’. … وأضاف: ‘إنّ دماء من قُتل في دارفور مسئول عنها التّرابي بما قدّمه من ‏حجج دينيّة وسياسيّة لعناصره التي دفعها إلى حمل السّلاح’»‏. هل يمكن أن يتحمّل التّرابي مسئوليّة كلّ ما حدث في دارفور من قتل مجّاني بلغ 300000 قتيل في فترة وجيزة للغاية لم تتعدّ السّنة؟ ثمّ ماذا نقول في استقدام القبائل العربيّة من تشاد، وهي خطّة اتّبعتها دولة الإنقاذ منذ بداية تسعينات القرن العشرين، أي، أوّلاً، منذ أيّامهم الأولى، وثانياً، منذ أن كان التّرابي يلعب دور عرّاب النّظام. فأين تحريض أتباعه في تلك الفترة وتقديم الحجج والمبرّرات الدّينيّة والسّياسيّة؟ من الواضح، إزاء قوّة الاتّهامات مع ضعف الحجج أنّ الأمر ينطوي على سرّ لا يُريد النّظام أن يكشف مستوره، أو ليس في مقدوره كشف مستوره من غير إدانة نفسه. ولنلاحظ أنّ النّظام الذي يوجّه كلّ هذه التّهم الغليظة ضدّ التّرابي لم يحرّك ساكناً لتقديمه للمحاكمة. في الحقيقة، خرج إسلاميو دارفور الذين حملوا السّلاح تحت راية حركة العدل والمساواة على كلا الفريقين: فريق التّرابي ومن يقف وراءه أوّلاً، ثمّ فريق البشير ومن يقف وراءه ثانياً. وليس أدلّ على ذلك أنّ التّرابي احتلّ صدر قائمة التّصفيات عندما اجتاحت قوّات حركة العدل والمساواة الخرطوم في أغسطس من عام 2008م (عمليّة الذّراع الطّويلة). وهذا ما حدا بالتّرابي إلى أن يهرب إلى سنّار (300 كلم جنوب الخرطوم على النّيل الأزرق) بمجرّد اقتراب القوّات ولم يعد إلاّ بعد فشل العمليّة. فلو كانت تلك قوّاته، لانتظرها على مشارف المدينة عندما هرب قادة الإنقاذ (وقتها أصدر عمر البشير، رئيس الجمهوريّة المختفي، توجيهات بنسف جميع الكباري في الخرطوم للحيلولة دون اقتحامها من قبل قوّات العدل والمساواة). ولو كانت حكومة الإنقاذ تؤمن فعلاً بأنّ تلك القوّات تأتمر بأمر التّرابي لما تركوه دون توجيه أيّ تهمة له. إذن فوراء الأَكَمَةِ ما وراءها!

لم تقف الاتّهامات للتّرابي ودوره الأساسي في إشعال فتيل حرب دارفور على قادة الإنقاذ، بل تعدّتهم إلى قادة الأحزاب الأخرى. جاء في الأنباء، منسوباً لرئيسة المكتب السّياسي بحزب الأمة (سارّة نقدالله)، أنّ الترابي هو «المهندس» الذي خطّط لإشعال حرب دارفور بتسبيب يختلف تماماً عن ذلك الذي أورده علي عثمان محمّد طه، نائب رئيس الجمهوريّة في إفادته أعلاه (موقع التّغيير الإلكتروني، 24/11/2013م، https://www.altaghyeer.info/ar/2013/news/2035‏/‏):

«حمل حزب الأمّة القومي المعارض يوم السّبت بشدّة على زعيم حزب المؤتمر الشّعبي المعارض أيضاً، حسن الترابي، وحمّله ‏مسؤوليّة الحرب في دارفور، وفي ذات الوقت وصف الحرب في دارفور بالمأساة والجريمة التي صنعها نظام حكم الإنقاذ، وأدّت لمقتل 600 ألف منذ اندلاع الحرب في الإقليم عام 2003م. وقالت رئيسة المكتب السّياسي لحزب الأمّة، سارّة نقد الله أمس إنّ ‘جريمة دارفور مسّت كلّ السّودانيّين، وإنّ النّظام افتعلها لتفتيت البنية والنّسيج الاجتماعي للإقليم، متّهمةً زعيم الإسلاميّين السّابق حسن التّرابي بمسؤوليّة (هندسة) مأساة الإقليم المضطرب»

تُرى كيف فعل التّرابي كلّ هذا؟ لا تتركنا سارّة نقد الله نهب الظّنون، بل تصدع لنا بحججها التي تختلف عن تلك التي أوردها علي عثمان:

«وأضافت نقد الله أنّ ‘التّرابي استند في هندسته للمأساة على أربعة محاور، تهدف لتحطيم بنية الدّولة القديمة، وإقامة دولة جديدة مكانها. ولتنفيذ هذا المخطّط اتّجه لما أطلق عليه (الولايات الأعظم)، وأعمل معاول الهدم لتمزيق النّسيج الاجتماعي والتّعايش السّلمي فيها، وإلى هدم الأسس التي تحكم العلاقات بين المجموعات السّكّانيّة’. وأوضحت [سارّة] نقد الله أنّ التّفتيت استند على خلق مشكلات قبليّة بين المجموعات السّكّانيّة، وحلّ الإدارة الأهليّة، وتقسيم النّظارات بين القبائل التي لا تملك أرضاّ في المنطقة، وتسليح الرّعاة والمزارعين واستخدامهم وقوداّ للحرب الأهليّة، وخلق صراعات بين القبائل ذات الأصول العربيّة والقبائل الأفريقيّة’. واعتبرت رئيسة المكتب السّياسي بالأمّة أنّ النّظام سعى لتفتيت نسيج دارفور وإثارة الحرب فيها لأنّها توالي حزب الأمة، وأنّ حزبها حاز في آخر انتخابات جرت في المنطقة [عام 1986م] على 35 دائرة انتخابيّة من أصل 38 دائرة، على الرّغم من أنّ جماعة التّرابي كانت تراهن على تحقيق اختراق مهمّ في الإقليم».

في رأينا أنّ التّحليل الذي يورده حزب الأمّة هنا على لسان رئيسة مكتبه السّياسي تقترب كثيراً من الحقيقة. ونلاحظ أنّ الاتّهام يعود إلى فترة مبكّرة من عمر الإنقاذ عندما كان التّرابي متنفّذاً بوصفه عرّاب النّظام، وكان البشير وقتها مجرّد ديكور. فالمؤامرة على دارفور بحسب ما يورده حزب الأمّة هنا تحتاج إلى نفوذ دولة، وهذا ما يتّفق فيه جميع المراقبين، محلّيّين، أو إقليميّين، أو دوليّين، إلاّ من كان في قلبه غرض. وكما من المؤكّد أنّ خطّة إشعال حريق دارفور اعتمدت على، أوّلاً، تفكيك النّظام الاجتماعي الأهلي الذي كان سائداً لقرون. وهذا هو ما يعرف بنظام الحواكير والنّحاسات، وهو النّظام الذي يحكم حقوق الأرض، ووفقاً له تتحدّد المراتب السّياسيّة من سلطان، مقدوم، شرتاي إلخ بحسب نظام دولة الفور ومن اتّبع سبيلها من مجموعات أفريقيّة مستقرّة وتعمل بالزّراعة. أمّا بالنّسبة للمجموعات العربيّة، فالنّظام السّياسي الاجتماعي يختلف كونه يعتمد على النّظارة والعمدة والمشيخة. لهذا اقتضت الخطّة أن يتمّ تفكيك كلّ هذا بإدخال مرتبة الأمير، ولا شيء فوقها كما لا شيء تحتها. بهذا تساوى الجميع في الرّتب الأمر الذي اقتضى تبعاً له أن يتساووا في الحقوق وعلى رأسها حقوق الأرض. وقد كان هذا هو المدخل لتفكيك الحقوق التّاريخيّة للأرض وتصفيتها لصالح المجموعات العربيّة بصورة عامّة، ثمّ لاحقاً للمجموعات العربيّة التي لا تعمل بالزّراعة، بل بالرّعي، وقليلاً بعد ذلك القبائل العربيّة الرّعويّة القادمة من نشاد والنّيجر ومالي.

ما إن تمّ هذا حتّى قامت الدّولة بتسليح القبائل العربيّة بعموم، ثمّ تلك الرّعويّة بوجهٍ خاصّ، ثمّ تلك الرّعويّة المستقدمة من خارج الحدود بوجهٍ أخصّ. وتمثّلت الخطّة في إجبار القبائل الأفريقيّة تحت تهديد السّلاح بأن يتخلّوا عن أراضيهم إن طوعاً أو كرهاً. وقد كانت وقتها رياح القوى الدّوليّة تملأ أشرعة النّظام، فلم يعد يخشى عواقب فعلته مطمئنّاً بسبب تواطئه مع تلك القوى الدّوليّة. فقد كانت أمريكا (وهي في أوج عدائها الظاهريّ لنظام الإنقاذ أوائل تسعينات القرن العشرين، وأوج عداء نظام الإنقاذ الظّاهري لأمريكا) تعقد الصّفقات من وراء حجاب. فقد اكتشفت بعض الشّركات الأمريكيّة الغنى الطّبيعي لدارفور بخام اليورانيوم. عندها جرت مباحثات سرّيّة في سبيل تمكين أمريكا من وضع يدها على جبل اليورانيوم. في تلك المباحثات، أبدى الوفد الأمريكي امتعاضه من التّنوّع الثّقافي والإثني في المناطق التي يوجد بها خام اليورانيوم، وتساءل إذا ما كان في الإمكان إجراء هندسة ديموقرافيّة بموجبها تصبح تلك المناطق منسجمة من النّاحيّة الإثنيّة والعرقيّة، فيما رأى الفريق الأمريكي أنّ ذلك سيساعد في التّفاوض مع السّكّان المحلّيّين في حال بروز حاجة لإعادة توطين بعضهم في أراضي البعض الآخر. كان ذلك بمثابة ضوء أخضر لنظام الإنقاذ الذي كان قد خطّط قبل ذلك لإحداث تغيير جذري في الخريطة الدّيموقرافيّة لدارفور. لقد تبلورت تلك الخطّة منذ عام 1990م، قبل أن تُكمل الإنقاذ عامها الأوّل، بينما جاء الاتّفاق مع الأمريكان بعد ذلك بسنتين، أي في عام 1992م.

لم يكن التّرابي وقتها عرّاب نظام الإنقاذ، بل كان هو فعلاً عرّاب خطّة إعادة هندسة الخريطة الدّيموقرافيّة لدارفور. لقد صدق حزب الأمّة جزئيّاً عندما أشاروا عبر رئيسة المكتب السّياسي للحزب إلى أنّ التّرابي فعل ذلك بدارفور كيداً لها لانحيازها تاريخيّاً إلى حزب الأمّة. إلاّ أنّ هذا الهدف لم يكن الرّئيس في مخطّط التّرابي، كما لم يكن مخطّطه يقف عند حدود دارفور. فقد دفعه غروره (وهو الغرور الذي عادةً ما تُعرف به الحركات الدّينيّة التي تصاحب عقيدتها لوثة هوس بالسّلطة واليقينيّات) كيما يخطّط للسّودان كلّه، متّخذاً دارفور كحقل تجارب.

في أوائل شهور الإنقاذ، بعد خروج التّرابي من معتقله الاختياري مع باقي قيادات القوى السّياسيّة، صدع بقولٍ غليظ وجفت له قلوب أتباعه، فقد قال لهم ما معناه: «إنّ الشّعب السّوداني سوف يغيّر نظام الإنقاذ، وإنّه فاعلٌ ذلك لا محالة. عندها سوف يسحلنا جميعاً في الشّوارع بأفظع ممّا فعل النّميري بالشّيوعيّين إثر فشل انقلابهم عام 1971م.» «وما العمل يا شيخنا؟»، صرخ في وجهه الأتباع المفذوعون. فجاء ردّ العرّاب: «بدلاً من أن نسمح للشّعب بأن يقوم بتغييرنا، علين أن نقوم بتغييره». «كيف يا شيخنا؟» «في ظرف عشر سنوات من الآن علينا أن نقوم باستجلاب ما لايقلّ عن 10 ملايين من المجموعات العربيّة أو المسلمة من الدّول المجاورة: الفلاحين من مصر ليتمّ توطينهم في شمال السّودان ودلتا طوكر والقاش؛ البني عامرالأرتريّين (بخلاف البني عامر السّودانيّين) ليتمّ توطينهم في شرق السّودان بين قبائل البجا؛ الأرومو من إثيوبيا ليتمّ توطينهم في مناطق الأنقسنا بأعالي النّيل الأزرق؛ ثمّ القبائل العربيّة السّودانيّة من مسيريّة ورزيقات وحوازمة وخلافها في مناطق جبال النّوبة؛ إعلان الجهاد وتجييش المجاهدين لغزو الجنوب والتّسرّي بالنّساء الجنوبيّات في سبيل تغيير التّركيبة الإثنيّة باستزراع عرقيّات هجين تدين بالولاء للشّمال؛ ثمّ استقدام القبائل العربيّة الرّعويّة من دول تشاد والنّيجر ومالي وتوطينهم بدارفور التي سوف نبدأ بها بوصفها حقل تجارب لنرى ما هي الأضرار والسّلبيّات في سبيل تلافيها في المناطق الأخرى. ومناسبة دارفور لتخدم كحقل تجارب في أنّها مفرطة في التّقليديّة من جانب، بالإضافة إلى عناصرنا بين أبناء دارفور الذين عبرهم سنقوم بتنفيذ المخطّط، بجانب الجهل المطبق فيها والطّبيعة المسالمة لأهلها المستقرّين بحكم أنّهم يفلحون الأرض في مواجهة عنف القبائل الرّعويّة. من جانب آخر، ليس هناك من هو أكثر استعداداً لطرد المجموعات الأفريقيّة من هذه القبائل العربيّة المعتدّة بعروبتها حيث لا تكره شيئاً أكثر من كراهيّتها للأفارقة السّود (أهل الزُّرقة). بعد عشر سنوات، يمكننا أن نتحوّل إلى حكم ديموقراطي، ذلك بعد أن نكون قد استبدلنا شعب السّودان المستعصي على رسالة الإسلام بشعب آخر ليس أفضل منهم، لكنّه سيكون مديناً بمكتسباته لنظام الإنقاذ وبالتّالي سوف يتفانى في سبيل الدّفاع عنه. من جانبنا علينا أن نكثّف جهودنا كيما نجعلهم أكثر تمسّكاً بالإسلام كعقيدة عبر دمج الدّين بصراعهم العرقي ضدّ الأفارقة. ينبغي أن يشعروا بأنّ الإسلام هو الدّين الطّبيعي للعرب، بينما هو بمثابة اختيار لغير العرب يمكن أن يحيدوا عنه في أيّ لحظة». كان تشغيل ماكينة الأيديولوجيا الإسلاموعرويّة هو ما صدع به حسن التّرابي في عام 1990م للقيادة التّنظيميّة الإسلاميّة للإنقاذ، فقبلوها وشرعوا في تنفيذها على مراحل.

كانت المرحلة الأولى هي كردفان، وليس دارفور، حيث انتدب التّرابي أحد أتباعه المخلصين من خرّيجي معهد المعلّمين العالي في ستّينات القرن العشرين. كان استهداف كردفان لسببين، أولهما تفكيك التّماسك القبلي عند المسيريّة والرّزيقات والحوازمة (القبائل التي سوف تستخدم كمخلب قطّ في صراع الإنقاذ ضدّ المجموعات الأفريقيّة أكانت بجبال النّوبة أو جنوب السّودان). فقد كان التّرابي يأمل في تفكيك تماسكها أن تلين عريكتُها فتستجيب للمخطّطات التي حاكها مع باقي قادة الإنقاذ. أمّا السّبب الثّاني فكان تجريب التّكتيكات التي خطّط لإنفاذها في دارفور وتتلخّص في تفكيك البنيان السّياسي للقبيلة بابتداع رتبة الأمير كبديل للرّتب التّقليديّة التي قامت عليها تلك القبائل. وقد كانت أسلمة مناصب القبيلة هي الخطّة الصّغيرة لتنفيذ ذلك وقد انطلت على قادة تلك القبائل نسبةً لإيقاظ هوسها الإسلاموعروبي. في فترة وجيزة، بعد تعيين ذلك التّابع الوفي في منصب الوالي (لم ينسَ أن يصطحب معه إثنين من أهل قرابته، عمل أحدُهم في البوليس والآخر في الجيش)، كان المسيريّة يتقاتلون فيما بينهم، وكذلك الأمر بينهم وبين الحوازمة. وقد عصم الرّزيقات من ذلك المنزلق وعي قيادتهم القبليّة فخرجت بأقلّ الخسائر. بعد عدّة أشهر، أثبتت خطّة التّرابي نجاحاً منقطع النّظير، فما كان منه إلاّ أن قام بنقل تابعه الوفي إلى دارفور (لم ينسَ أيضاً اصطحاب بطانته إياها).

*مجتزأ من الفصل السّابع من كتاب: الفقه الإسلامي الحداثوي