ترجمة واستعراض وتحليل: د. زهير السراج * استعرض اندرو ناتسيوس المبعوث الأمريكى السابق الى السودان فى كتابه (السودان، جنوب السودان ودارفور) تاريخ السودان الحديث بداية من الغزو التركى المصرى فى عام 1821 ،

برؤية تحليلية عميقة مع خلفية قصيرة عن تاريخ السودان الوسيط (ممالك الفوروالفونج والشلك والزاندى) وذلك بغرض تفسير الازمات التى عانى منها السودان فيما بعد ولا يزال، مثل سيطرة قبائل الجعليين والشايقية والدناقلة على  السلطة بعد استقلال السودان، والصراع بين الاسلام الصوفى والسلفى، والمحاولات المستمرة لتعريب وأسلمة السودان وما قادت اليه هذه العوامل وغيرها من ازمات وصراعات وحروب دامية ..!!

* من المعروف ان السودان (شماله وجنوبه)  شهد اربعة ممالك كبرى (ضمن أخرى) قبل الغزو التركى، وهى (الفور والفونج والشلك والزاندى).

* نشأت مملكة الفور على مدى ثلاثة قرون الى ان وصلت اقصى اتساع لها فى القرن السادس عشر الميلادى وشملت منطقة غرب السودان بمافى ذلك اجزاء من منطقة غرب كردفان بالاضافة الى  اجزاء من دولتى تشاد وافريقيا الوسطى الحاليتين. ويقول الفور ان القبيلة اعتنقت الاسلام فى القرن السادس عشر، على يد أمير مغربى طرده الملك الاسبانى فرديناند فى عام 1492 ، فاتجه الى شمال افريقيا عبر خطوط التجارة واستقر به المقام اخيرا فى سلطنة الفور فالتقى بالسلطان وأدخله فى الاسلام، وتزوج أخته، كما أدخل اللغة العربية  التى أصبحت هى ولغة الفور، اللغتين السائدتين فى البلاط السلطانى، ولقرون عديدة ظل الاسلام الصوفى هو السائد فى المملكة والقبيلة.   

 

* وكما هو معروف فى التاريخ، فان سلاطين الفور اتخذوا من جبل مرة عاصمة لهم قبل ان تنتقل العاصمة فيما بعد الى مدينة الفاشر، وظلت مملكة الفور فى حالة توسع وازدهار ودانت لها السيادة على كل الاقليم وقبائله حتى القرن التاسع عشر الذى شهد الكثير من التغيرات الاقليمية والدولية فتأثرت بها المملكة وبدأت تضعف تدريجيا حتى انهارت وانتهت عمليا فى عام 1916.

 

* مملكة الفونج تمركزت فى المنطقة التى تعرف حاليا بولاية النيل الأزرق المتاخمة للحدود الاثيوبية، ولقد ضمت عدة قبائل من أصول أفريقية، تدين بالاسلام الصوفى، وتعود نشأتها الى عام 1504 عندما أسس عمارة دنقس ما عرف فى التاريخ باسم ( السلطنة السوداء) ـ Black Sultanate ـ السوداء وليس الزرقاء كما اشارت اليها كتب ومناهج التاريخ السودانية، ولقد نجح دنقس فى استيعاب وضم  القبائل الصغيرة فى المنطقة الى مملكته التى كان ملكها يعرف باسم (المك)، ولا يزال للفونج (مك) حتى اليوم ولكنه بلا سلطات حقيقية بعد ايلولة جميع السلطات الى الانظمة التى حكمت السودان فى القرن العشرين خاصة بعد الاستقلال .

* نشأت قبيلة الزاندى فى منطقة جنوب غرب السودان من قبيلة (الأفونجارا) التى نجحت على مدى مائة وخمسين عاما قبل القرن التاسع عشر من فرض سيطرتها وبسط نفوذها على القبائل الاخرى وتوسيع مملكتها بنفس  النمط الذى توسعت به قبيلة الفور، وبما ان الاسلام لم يكن قد توغل جنوبا، فلقد ظلت قبائل المملكة تعتنق ديانات محلية، الى ان تحولت الى المسيحية بعد الغزو الاوربى للقارة فى القرن التاسع عشر، والذى ازدهر وانتشر بسرعة فيما بعد بين مواطنى جنوب السودان بسبب محاولات (الأسلمة والعربنة )التى ظلت حكومات الخرطوم تفرضها على مواطنى الجنوب بعد الاستقلال، بالاضافة الى الحرب الأهلية وما شهدته من فظاعات ارتكبتها الحكومات السودانية خاصة بعد سيطرة الترابى والبشير على السلطة بانقلاب عسكرى فى يونيو 1989 ورفعهم لشعارات الجهاد الاسلامى والحرب المقدسة التى كانت الحكومة تشنها على مواطنى جنوب السودان الذى شهد اكبر عملية تحول دينى فى العالم فى فترة وجيزة لا تتعدى عشر سنوات من استيلاء الترابى والبشير على السلطة فى السودان.

                                                              

* مملكة الشلك نشأت فى القرن الخامس عشر على جانبى النيل الابيض فى منطقة شمال ووسط دولة جنوب السودان الحالية، وكانت تتكون من مجموعة قبائل ، وتتخذ من مدينة (فاشودة) عاصمة لها، وظلت مثل مملكة الزاندى تعتنق الديانات المحلية حتى تحولت الى المسيحية فيما بعد، ولقد تأثرت المملكة بالغزو التركى ثم الغزو الأوروبى فى القرن التاسع عشر، ولم يعد لسطان الشلك (الرث) اى سلطات حقيقية بعد ايلولة كل السلطات الى الانظمة الحكومية فيما بعد، رغم وجود رث للشلك حتى اليوم.

 

8 كان ذلك هو المشهد السياسى السودانى الذى شهدت فيه السودان غزو الجيش المصرى تحت إمرة قائد ألبانى ليفرض سيطرة الامبراطورية التركية العثمانية على السودان فى عام 1821 ويعلن بداية تاريخ السودان الحديث.