سيف الدولة حمدنا الله التصريح الذي أدلى به رئيس البرلمان بعزمه تعديل قانون الثراء الحرام بمناسبة ضبط فساد عصابة الوالي هو نوع من الفهلوة التي يُقال لها بلغة هذه الأيام "تشتيت كورة"،

فليس هناك نقص في القوانين، فالنقص في عقول الذين يقومون بتطبيقها، فما قام به مستشارو النيابة العامة بحفظهم للقضية في مواجهة عصابة قامت بالإستيلاء على أموال عامة هو تلاعب بالقانون بهدف مساعدة المجرمين في الإفلات من العقاب.

ليس هناك وجه – في الأساس – لتطبيق قانون الثراء الحرام على هؤلاء اللصوص، فما قصد إليه المشرع من سن قاعدة “التحلل” في هذا القانون – وهو مشرع مخبول وعديم نظر – هو تشجيع الأشخاص الذين تورطوا في جرائم ثم شعروا بالندم وأرادوا التوبة، لأن يتقدموا “من تلقاء أنفسهم” لرد المال المسروق، فيكافئهم القانون بإسقاط الإتهام في مواجهتهم شريطة أن يتم ذلك قبل إكتشاف الجريمة بواسطة السلطات العامة.

من حيث المبدأ، هذه ليست فكرة جديدة كلياً على القانون السوداني، وهي تُشبه إلى حد كبير سلطة العفو التي عرفها قانون 1974 التي تُمنح بواسطة المحكمة للمتهم الذي يكون ضالعاً في جريمة وتشترط عليه في ذلك قيامه بكشف كل ما يعلمه عن تفاصيل الجريمة ودور شركائه فيها، وهو ما يُعرف بين عامة الناس بشاهد الملك، وبحسب ذلك القانون يُشترط لقيام المحكمة بعرض العفو على متهم ألاّ يكون دوره رئيسياً في الجريمة، كما يُشترط أن تكون الجريمة موضوع العفو غامضة ولا تتوفر حولها بينات كافية بحيث يؤدي عدم عرض العفو على واحد من المتهمين إلى إفلات كل مرتكبي الجريمة من العقاب، فهي موازنة تقتضيها الضرورة وتمارس في هذا النطاق الضيق.

ومع وجاهة هذه الأسباب، الاّ أن هذه القاعدة ووجهت بكثير من النقد عند أهل القانون، ويرجع ذلك إلى أن أول تطبيق لهذه القاعدة كان قد حدث في محاكمة المتهمين في محاولة إنقلاب اللواء عبدالرحيم شنان ضد حكم الفريق عبود (1969)، وكانت المحكمة قد عرضت العفو على ضابط شارك في الإنقلاب في مقابل شهادته على زملائه، وقد أخذ على تطبيق هذه القاعدة أنها تحمل معنى “خيانة الرفاق” (هذا الحكم منشور كسابقة بمجلة الأحكام القضائية السودانية)، وقد تجدد النقد لهذه القاعدة  في محاكمة “قضية الفلاشا” حين منحت المحكمة العفو للمتهم الفاتح عروة الذي يعمل حالياً كرئيس لمجلس إدارة شركة زين، في مقابل شهادته على زملائه المتهمين ومن بينهم اللواء عمر محمد الطيب (نائب الرئيس النميري) واللواء عثمان السيد (عاد وعمل سفيراً لنظام الإنقاذ في إثيوبيا)، برغم أنه كان له دور رئيسي في جريمة ترحيل الفلاشا الإثيوبيين إلى إسرائيل، ولكن  بوجه عام، ليست هناك تطبيقات تُذكر لسلطة العفو بالمحاكم.

مما سبق بيانه، ليس هناك وجه لتطبيق قانون الثراء الحرام على عصابة جرى ضبطها متلبسة بالجريمة ولم يبادر أفرادها – طبقاً لشروط القانون – بالتقدم من تلقاء أنفسهم للتحلل من الجريمة، وليست هناك أمارة واحدة تُشير إلى أنهم شعروا بالندم أو كانت لديهم نية في التوبة، فهؤلاء لصوص محترفين لا يخافون الله ولا عيون الناس، فقد أقام أحدهما، وهو إبن شقيقة الوالي الخضر، وهو ضابط حركة بنجمتين مهمته ترتيب سير موكب الوالي، أقام وليمة نصب لها الخيم وذبح فيها الذبائح بمناسبة إنتقاله للسكن في قصره الجديد بحي كافوري، وهي المناسبة التي حضرها الوالي بنفسه (كيف يقول هذا الوالي بأنه لم يكن يعلم بما يجري وراء ظهره من طاقم مكتبه).

لا يكفي لمعالجة هذه القضية أن يثوب النائب العام “دوسة” إلى رشده ويتراجع – تحت ضغط الرأي العام – عن موقفه ويأمر بإعادة فتح التحقيق والقبض على المتهمين، فالقاعدة التي تعرفها أجهزة المباحث أن كل جريمة يتم إكتشافها يقابلها مائة لم تُكتشف، فما جرى من هذه عصابة لا يصلح أخذه إلاّ لنُخرس به صوت أركان النظام الذين كانوا حتى قبل إسبوع يُنكرون وجود الفساد ويقولون أن كل ما يُكتب عنه في الصحافة ويردده الشارع هو إفتراء وثرثرة تنقصها الدليل، فالجرائم التي إرتكبها فلول هذا النظام لا تُحصى، وما تم كشفه قطرة في محيط، ويُخطئ من يعتقد أن النظام قد بدأ في تنظيف نفسه، فما دفع

بالنظام للإعتراف بهذه الجرائم هو الشديد القوي، فقد كان من الصعب عليه أن يقول أن الجثة المتعفنة صاحبها لا يزال على قيد الحياة، فالرئيس لا يزال يقاوح ويقول أن الوالي بريئ قام – بلسان النجل المهدي – بتجديد ثقته فيه.

هناك معلومة تكشف عن التحول الذي أصاب الرئيس في التعامل مع قضايا الفساد، ففي بداية عهد الإنقاذ تمت محاكمة عقيد كان يعمل في حامية جبيت بتهمة الإحتيال لإستيلائه على مبالغ مالية بعد أن إدعى بأنها مرتبات لقوة وهمية لا وجود لها، وقد قضت المحكمة بمعاقبته بالإعدام الذي جرى تنفيذه بالفعل بعد أن صادق عليه الرئيس بنفسه.  

هذه القضية تفتح الباب من جديد للحديث عن مهنة النيابة العامة، فالنيابة سلطة قضائية كان ينبغي أن يتوفر لها الاستقلال الكامل عن السلطة التنفيذية كشأن القضاء، كما كان ينبغي أن تتوفر في أعضائها ما يتوفر في القاضي من حياد، ولكن تاريخ هذه المهنة في السودان يشهد بأنها مهنة بلا إرث ولا تقاليد، ولا تتمتع بالإستقلال المطلوب من الجهاز التنفيذي، فوكلاء النيابة عبارة عن “أفندية” شأنهم في ذلك شأن زملائهم بوزارة الأشغال أو موظفي المعتمدية، ويُنقلون – بالفعل – للعمل كأفندية خارج نطاق وظيفة العدل (إحتكر وكلاء النيابة وظيفة “مدير الأراضي” وأصبحوا يتوارثونها جيلاً عن جيل، وقد قرأت قبل فترة خبراً يقول أن “عصام” وهو وكيل نيابة يعمل مديراً لأراضي الخرطوم قد عاد من جولة في عدد من دول أوروبا وأمريكا التي ذهب إليها على رأس وفد بهدف بيع أراضي للمغتربين هناك).

لقد ظللنا نقول بأنه لا يجوز الجمع بين منصبي النائب العام ووزير العدل، وذلك حتى يتحقق الإستقلال المنشود لعمل النائب العام عن جهاز الدولة بخلاف عمل وزير العدل لكونه عضواً بالوزارة، ونرى أن يتم – في غير هذا الزمان – إنتداب قضاة من ذوي الخبرة للعمل كرؤساء نيابة حتى يضعوا أساس لهذه المهنة ويغرسوا مفاهيم الحياد والإستقلال في الجيل الجديد، لتنهض النيابة بمهمتها على النحو السليم.

إذا كان هناك ثمة دور يقوم به الشرفاء من أبناء هذا الشعب، فهو رصد وتوثيق جرائم الفساد حتى يأتي يوم الحساب، فمن العبث أن ننتظر أن يقتص لنا “دوسة” من “الخضر” فهما وجهين في لِباس