(الحلقة الأولى) إعادة تنظيم قوات الجنجويد في هذا التقرير سوف نقوم بتقصي الدور الذي رسمته حكومة الخرطوم لقوات الجنجويد في مرحلة ما قبل انتخابات عام 2010م

وذلك الذي أعقب الانتخابات. فقبل الانتخابات، كانت حكومة الخرطوم تقوم بتزويد قوات الجنجويد بالسلاح والعتاد دون تدخل في تنظيمها مع توجييها لشن ضربات بعينها لأهداف بعينها. إلا أن حكومة الخرطوم قامت بتغيير سياساتها هذه بعد عام 2010م فعمدت إلى إعادة تنظيم قوات الجنجويد لتأخذ صفةً رسمية. يعكس كل هذا سياسات حكومة الخرطوم إزاء القبائل العربية غير السودانية التي استقدمتها من تشاد مقابل سياساتها إزاء القبائل العربية السودانية (مع ما يجمع الإثنتين من وشائج قربى وعلاقات).

بمجرد إعلان توجيه تهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية ضد الرئيس عمر البشير من قبل محكمة الجنايات الدولية بلاهاي (4/3/2009م)، تم طرد 13 منظمة دولة مع تقييد نشاط ما تبقى منها. متزامناً مع ذلك، قامت الحكومة السودانية بإعادة تنظيم قوات الجنجويد بطريقة جعلتها تصبح جزءاً من القوات النظامية (الجيش والأمن والبوليس). فقد تم تنظيم قوات الجنجويد تحت أربع مجموعات، الأولى وهي الأهم صار اسمها “قوات حرس الحدود” بينما حملت اسماً مغايراً باللغة الإنكليزية هو Border Intelligence Guards. وقد منحها ازدواج الاسم صلاحيات عسكرية وأمنية في آنٍ. من عرب الرزيقات، شكل عرب قبيلة المحاميد (ذات الأصل التشادي) غالبية هذه القوة، بينما اشترك معهم بعض الرزيقات من أولاد جنوب (أي ذوي الأصل السوداني). لهذا كان من الطبيعي أن يرأس هذه القوة أحد أبناء المحاميد التشاديين (حامد محمد حمدان الملقب “حِمِدْتي”)، بينما أصبح نائبه من رزيقات أولاد جنوب (محمد عبدالله شرارة الملقب “دكروم”). وكلا القبيلتين من الرزيقات الأبالة، أي الذي يربون الإبل مقابل الرزيقات البقارة، أي الذين يربون البقر وهؤلاء يعيشون في جنوب دارفور. تم تسليح هذه المجموعة بالعربات ذات الدفع الرباعي، والقذائف بعيدة المدى (المدفع الرباعي، 30-40 كلم)، الدوشكا (عيار 60 و65 ملم)، ثم جميع أنواع الأسلحة الأخرى مثل الآر بي جي، والكلاشنيكوف. وقد قامت الحكومة، إمعاناً منها في تقوية وتدعيم هذه المجموعة، بتتبيعها إلى القوات المسلحة. فقد أصبحت لها مكاتب في جميع الحاميات بدارفور تحمل اسمها، وبالتالي تساوت من حيث القوة مع الجيش من جانب ومع الأمن من الجانب الآخر، بينما فاقت قوات الشرطة في جميع الجوانب.

من جانب آخر، قامت حكومة الخرطوم بتأسيس قوة أخرى من الجنجويد أسمتها “قوة الشرطة الظاعنة”، وهي مجرد تحوير لغوي لقوة أقدم تأسيساً وهي “قوات المراحيل” التي تصاحب العرب الرحل في ظعنهم شمالاً وجنوباً، وقم أسستها حكومة الصادق المهدي إبان الفترة الديموقراطية (1986م – 1989م). وقد عُرفت هذه القوة بلقب “أبو طيرة” نسبةً إلى طائر مرسوم في الزي العسكري التمويهي camouflage. وهذا الزي هو أصلاً لقوات الاحتياطي المركزي، وهي القوة التي تم تتبيع الشرطة الظاعنة لها، أي أن الشرطة الظاعنة أصبحت رسمياً تتبع لقوات الشرطة. انحصرت عضوية هذه القوة في القبائل العربية البقارية، أي التي تربي الأبقار (التعايشة، بني هِلْبة، الهبّانية، ورزيقات الضعين). وهذه هي نفسها مجموعات الجنجويد التي شاركت في حرق القرى وتشريد أهلها منذ 2002م إلى 2004م. وقد تم تنصيب علي كوشيب المطلوب من محكمة الجنايات الدولية لاتهامه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في دارفور تصل إلى حد الإبادة. تم تسليح هذه المجموعة بالعربات ذات الدفع الرباعي، وبالدوشكات فضلاً عن الكلاشنيكوف. وقد أوكلت لهذه القوات، بجانب حماية تحركات العرب الرحل، مهمة حماية المواكب الحكومية والتجارية التي تطوف بين مدن وقرى الإقليم. وقد تركز نشاطها بصورة أساسية في مناطق التماس، خاصةً تلك التي تقع في جنوب دارفور متاخمة لحدود جنوب السودان.

كما قامت حكومة الخرطوم بتنظيم ما تبقى من الجنجويد في مجموعة ثالثة تقل حجماً من حيث العدد والعدة والعتاد. فقد تم دمج مجموعات صغيرة متفرقة من الجنجويد في قوات الدفاع الشعبي Popular Defense Forces (PDF). انحصرت عضوية هذه القوة في القبائل العربية صغيرة العدد والعتاد مثل التَّرجَم، مسيرية منطقة شعيرية بشرق نيالا، المهادي، ومجموعات أخرى صغيرة). تمركزت هذه القوات حول القرى الصغيرة والكبيرة حيث سمح لها بإنشاء نقاط للتفتيش في شكلها الخارجي بينما هدفها الأصلي هو الجباية المتعسفة لسد العجز المالي إذ لم تخصص لها الحكومة أي ميزانية. وقد جاء هذا الإجراء للحيلولة دون لجوئها إلى النهب والإغارة. وقد بالغت هذه القوات في عدد نقاط التفتيش حتى ملأت الأفق فلا يكاد المرء يتحرك لأي مسافة خارج أي قرية أو في الخلاء دون أن يصادف عدداً غير منظم من هذه النقاط التي تجبي المال بالمزاج ودون أي أرانيك للتحصيل. وقد غضت حكومة الخرطوم الطرف عن تجاوزات هذه القوات ونقاطها الغير المحدودة لأنها أصبحت تخدم كعيون لها بها ترصد كل صغيرة وكبيرة في فلوات دارفور الشاسعة.

أما المجموعة الرابعة والأخيرة من الجنجويد (الأضعف من حيث العدة والعتاد)، فقد أوقفوا عضويتها على عرب قبيلة السلامات التشادية دون إعطائها أي صفة رسمية، وبالتالي زادوا على ضعفها اللوجستي بإضعافها مؤسسياً حيث لم يتم تتبيعها لأي قوة نظامية. بهذا أصبح السلامات الحلقة الأضعف في قوات الجنجويد وهم الذين كانوا يمثلون واحدة من أقوى حلقات الجنجويد في السابق لمعرفة بالجندية بالطريقة النظامية. كما أصبحت مجموعات القبائل التي قام نظام الخرطوم بتنظيم جنجويدها في شكل قوات الدفاع الشعبي أفضل حالاً من السلامات، لكنهم أقل القوات الجنجويدية عدةً وعتاداً. بينما يعلوهم درجة الجنجويد الذين تم تنظيمهم باعتبارهم جزءاً من الشرطة (الشرطة الظاعنة أو أبو طيرة ويقودهم علي كوشيب أحد أقوى زعماء الجنجويد والمطلوب من العدالة الدولية) وإن كانوا أضعف حالاً من قوة حرس الحدود بمزاياها العسكرية والأمنية (قوة حرس الحدود) التي يقودها رجل المحاميد التشادي الأصل حامد محمد حمدان (حِمِدْتي) ونائبه من عرب الرزيقات الأبالة ذات الأصول السودانية محمد عبدالله شرار (دكروم)، وهما أبرز قادة الجنجويد الذين قادوا حملات التطهير العرقي والتقتيل الجماعي بدارفور منذ أواخر تسعينات القرن العشرين إلى لحظة إعادة تشكيل قوات الجنجويد.

بما أن حكومة الخرطوم في تأسيسها لحرس الحدود، بدا واضحاً اشتراطها أن يكون جميع المنتسبين إليها من عرب الرزيقات الأبالة دون إخوتهم البقارة (نسبةً لإحجام الأخيرين عن التورط في مذابح دارفور وجرائمها الحكومية)، وبخاصةٍ الفرع الذي استقدمته من خارج حدود البلاد (من تشاد والنيجر ومالي)، فقد أدت هذه السياسة إلى تذمر وسط القبائل العربية من غير الرزيقات (السلامات تحديداً). فعزلها من أكبر قوة للجنجويد يعتبر تحجيماً لها وإضعافاً، في مقابل تقوية الرزيقات (المحاميد، الماهرية، جلّول، أولاد تاكو، أولاد قايد، عريقات، عطيفات، أولاد راشد، وبعض بطون وأفخاذ صغيرة) من ذوي الأصول التشادية غير السودانية (ذلك لأن هناك شقاً منها سوداني الأصل). وقد وضح لاحقاً أن حكومة الخرطوم كانت فعلاً تهدف إلى إضعاف مجموعة السلامات لعدة أسباب منها أنها تشادية الأصل دون أي وشائج سودانية، بالإضافة إلى أنها ذات خبرات عسكرية منظمة كونها تمثل ما نسبته 30% من الجيش التشادي، فكان أن خشيت حكومة الخرطوم من تنامي قوتها على حساب الجيش السوداني والمجموعات الأخرى المنقسمة حدودياً مثل الرزيقات. لقد تركت مجموعة عرب السلامات التشادية لحالها دون أي حماية من قبيل ما فعلت حكومة الخرطوم لباقي قوات الجنجويد. لهذا ما كان من عرب السلامات إلا أن قاموا بإنشاء قوات دفاع شعبي خاصة بهم لحماية أنفسهم.

أدت هذه الإجراءات إلى ردود أفعال متناقضة من قبل قوات الجنجويد بحسب موقف الحكومة منها. فقد شعرت المجموعات التي قامت الحكومة بتمييزها بأنها ليست فقط أقوى من الحكومات الإقليمية بدارفور بل أقوى من الحكومة المركزية نفسها. وقد دفعها إلى هذا الشعور عجز الحكومات الإقليمية عن مواجهتها من جانب ثم اعتماد الحكومة المركزية عليها في حرب الوكالة التي شنتها ضد القبائل الأفريقية. كما دفعها إلى هذا تضخم الذات خاصةً إذا وضعنا في الاعتبار انتفاخ الذات والعنجهية عند البدو وإحساسهم العالي بأنفسهم مقابل احتقار النظام والقانون. من الجانب الآخر دفعت هذه الإجراءات القبائل التي لم تقم حكومة الخرطوم بتمييزها للشعور بالغبن وبالخطر الذي يحيق بها خاصةً إدراكها التام بما اقترفته من جرائم. مدفوعةً بنفس خصائص العنجهية المركبة في شخصية البدوي، وممزوجةً بالغبن الذي بدأوا يجترونه، شعرت هذه القبائل بأنها في حل من الالتزام الصوري بالقانون الذي كانت تبديه حفظاً لماء وجه الحكومة.

 

 

حكومة الخرطوم وصناعة الحرب

تقرير عن حروب الوكالة بدارفور

 (الحلقة الثانية)

الصراع بين قبيلتي التعايشة والسلامات بمحلية رهيد البردي

دخلت قبيلة السلامات التشادية العربية إلى السودان أول مرة في عام 1984 في أعقاب سنوات الجفاف والتصحر وما أعقب ذلك من مجاعة.  للسلامات في تشاد محافظة قائمة بذاته هي “أم التيمان” وهي أكبر محافظة وأكثرها سكاناً. بالرغم من هذا يعتبر السلامات في تشاد من المجموعات المهمشة ذلك لانتشار الأمية بين أفرادها بنسة تقرب من 98%. السلامات قبيلة ذات أصول عربية وترعى الإبل. ويخدم غالب أبنائها الشباب كجنود في الجيش التشادي. بعد عام 1985م، شرعت الغالبية من السلامات في العودة الطوعية لديارها بتشاد، بينما بقي القليل منهم بدارفور بمنطقة أبو جرادل في شكل خيام متفرقة بينما أبقارهم تملأ الأفق. بجانب هؤلاء، كانت تعيش بوادي أبو جرادل مجموعة صغيرة للغاية من عرب المسيرية (موطنهم الأصلي بجنوب كردفان) وذلك منذ سبعينات القرن العشرين إلا أن عددها زاد باضطراد مستمر خلال ثمانينات وتسعينات القرن العشرين وذلك بإذن من قبيلة التعايشة القيمة الفعلية على المنطقة. وقد نجم عن هذا نشوء حلف بين قبيلتي المسيرية والتعايشة بالمنطقة. وقد اشتُهرت منطقة أبو جرادل عندما دخل عبرها عام 1992م داؤود يحي بولاد في طريقه لجبل مرة عندما انضم للحركة الشعبية لتحرير السودان فسعى لفتح جبهة جديدة لها بدارفور. تعتبر منطقة أبو جرادل من أخصب المناطق بدارفور.‏ تتبع منطقة أبو جرادل لدار كوبرا (وهي نفسها الكلمة “كوبرا” التي تعني الثعبان بتجرمتها حرفياً من لغة الفور) وكان يرأسُها العمدة أحمد زروق الذي قُتل فيما بعد شرّ قِتلة وتُركت جثّتُه للوحوش دون أن توارى الثرى. وتتبع دار كوبرا إدارياً لولاية غرب دارفور وعاصمتها الجنينة.

في فبراير من عام 2004م، اعتُقل العمدة أحمد زروق مع أكثر من 140 شخص من قيادات الفور المحلية من قبل علي كوشيب (زعيم الجنجويد الذي وجّهت له محكمة الجنايات الدولية تهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وينتمي إلى قبيلة التعايشة). تم إعدام أغلب هذه القيادات بعد مرور أسبوع واحد من اعتقالهم، بينما تم تحويل العمدة أحمد زروق إلى بوليس جمهورية السودان بمحلية كُبُم عِد الفرسان حيث قضى حوالي أسبوعين رهن الاحتجاز والتحقيق حول علاقته بحركة تحرير السودان جناح عبد الواحد محمد نور، خاصةً العمليات العسكرية بجبال سِندو. بعد ذلك اختفى العمدة أحمد زروق ‏ ليُعثر على جثته في بداية أبريل 2004م ملقاة على قارعة الطريق الذي يربط بين منطقتي ثور Thur ونيرتِتِيNertiti . حتى الآن لا يعرف أيّ شخص بما في ذلك أهله وعشيرته الأقربون تفاصيل موته والجناة الذي قاموا بقتله. لاحقاً سوف يتكشف أن قتله جاء في إطار تخطيط الحكومة السودانية لتوطين السلامات بمنطقة أبو جرادل.

بحلول عام 2003م كانت قبيلة السلامات قد عادت إلى السودان مرة أخرى بتشجيع من حكومة الخرطوم ضمن سياساتها الرامية إلى تغيير التركيبة السكانية لدارفور بإحلال القبائل العربية القادمة من تشاد والنيجر ومالي مكان القبائل الأصلية بدارفور، خاصةً القبائل ذات الأصول غير العربية مثل الفور والمساليت تحديداً. قامت حكومة الخرطوم بتكثيف تشجيعها للقبائل العربية غير السودانية بالهجرة إلى دارفور في أعقاب قيام المجموعات غير العربية بالإقليم في تنظيم حرب العصابات ضد الدولة فكانت الحرب الأهلية. وقد تركزت هجرات قبيلة السلامات إلى وادي أبو جرادل. بحلول عام 2005م تزايدت أعداد قبيلة السلامات حتى امتلأ وادي أبو جرادل بهم. وقد  حدا بهم هذا إلى استشعار القوة الأمر الذي دفعهم إلى مخاطبة والي غرب دارفور مطالبين بنظارة خاصة بهم. وقتها استهجن أهل الأرض من الفور والمساليت هذا الطلب إدراكاً منهم بأجنبية السلامات ودون وعيٍ منهم بخطط حكومة الخرطوم الرامية إلى إبدال سكّان الإقليم بإحلال آخرين استقدمتهم من وراء الحدود.

كانت منطقة وادي أبو جرادل شبه فارغة من الفور عندما كثّف السلامات من هجرتهم واستقرارهم بالوادي. فبالرغم من تبعية المنطقة لدار كوبرا التي بدورها تتبع لولاية غرب دارفور (عاصمتها الجنينة حاضرة المساليت). إلا أن فراغ المنطقة من الفور يعود إلى أخريات ثمانينات القرن العشرين، أي في فترة الحكم الديموقراطي عندما كان الصادق المهدي رئيساً للوزراء وكان التيجاني سيسي حاكما لدارفور. فقبل ذلك كانت المنطقة كثيفة السكان وعامرة بأهلها الفور. في الفترة بين عامي 1988م-1989م قامت حكومة الصادق المهدي بتأسيس تحالف عربي بدارفور يتكون من 27 قبيلة عربية (أو تزعم بأنها ذات أصل عربي). شمل ذلك التحالف، فيما شمل، قبائل التَّرجَم، الهبّانية، التعايشة، الرزيقات البقارة، الرزيقات الأبّالة (الماهرية والمحاميد)، أولاد تاكو، أولاد راشد، أولاد غانم، بني حسين، بني هِلْبة، فلاّتة تُلُس، العطيفات، العريقات، النوايبة، الكروبات، السلامات (على تشادية جنسيتهم وقلة عددهم وقتها)، المهادي، المعاليا (كانت مشاركتهم لا تتعدى الأشخاص)، القِمِر (الذين زعموا بأنهم جعليون؛ لاحقاً شكلوا مع التَّرْجَم رأس الرمح في الهجوم ضد الفور)، العطورية، أولاد مانا، السحنون، درّوك، (كانوا من المستضعفين لصغر عددهم ولكونهم يعيشون داخل دار الهبّانية)، بالإضافة إلى مجموعات عربية صغيرة ومتفرقة. قام هذا التحالف العربي بشن الحرب ضد ضد المجموعات غير العربية في كل دارفور. حدث هذا في ظل الحكم الديموقراطي وفي ظل حاكم لدارفور من المجموعات غير العربية لكنه كان ينتمي لحركة الإخوان المسلمين في فترة دراسته الجامعية، ألا وهو التيجاني سيسي (الآن رئيس السلطة الانتقالية بدارفور، وهي السلطة التي تشكلت بموجب ميثاق سلام دارفور الموقع في الدوحة عاصمة قطر بين حكومة السودان وحركة التحرير والعدالة برئاسة التيجاني سيسي في 14 يوليو 2011م). تركزت تلك الهجمات بصورة عامة ضد الفور وبصورة خاصة الفور الذين يعيشون في منطقة وادي أبو جرادل كونها منطقة معزولة وبعيدة من مركز السلطات. دفعت تلك الهجمات المنظمة (المدعومة من حكومتي الصادق المهدي القومية الديموقراطية والتيجاني سيسي الولائية) غالبية الفور القاطنين بوادي أبو جرادل إلى الهجرة لمناطق زالنجي (الآن عاصمة وسط دارفور) ونيالا (الآن عاصمة جنوب دارفور)، بينما هاجرت البقية إلى مناطق كنانة بالنيل الأبيض بوسط السودان ومنطقة الكُرْمُتة بجنوب الخرطوم (الآن تسمى مدينة الأزهري). هذا بينما بقيت قلة من أولئك الفور بمنطقة مُقْجَرة (حاضرة عمودية كوبرا) التي تقع شرق وادي أبو جرادل بحوالي 85-90 كلم. وهذا ما دفع بالعمدة أحمد زروق (عمدة أبو جرادل الذي اغتيل لاحقاً) إلى أن يمكث بالمنطقة، ملازماً ما تبقى من أهل عموديته ومتمسكاً بمنصبه وبالأرض. جرت هذه الأحداث التي أدت إلى إفراغ المنطقة من سكانها الأصليين في فترة الحكم الديموقراطي عندما كان الصادق المهدي رئيساً للوزراء وعندما كان التيجاني سيسي (من قبيلة الفور) حاكماً للإقليم. لهذا ما إن شرعت حكومة الخرطوم في سياسة الإحلال والإبدال السكاني للإقليم، مستقدمةً القبائل العربية من تشاد حتى كان الإقليم شبه خالٍ من السكان. وهذا ما سهل استيطان قبيلة السلامات التشادية فيه.

وقتها، قبيل توقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005م، كانت الخرطوم تركز جهودها على جنوب السودان ومنطقة أبيي، فضلاً عن منطقتي جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق. لهذا كانت ‏ تحتاج إلى جيش قوي يقوم بأمر الحرب في دارفور بالوكالة عنها، وقد وجدت ضالتها في عصابات الجنجويد ‏التي قامت بتسليحها وتدريبها وبالتالي إيكال أمر دارفور لها.‏ وقد دفع هذا بالسلامات الذين كانوا لا يزالون بتشاد حتى ذلك الوقت لتكيف هجرتهم إلى دارفور، تحديداً إلى منطقة أبو جرادل.

كانت سهول السافنا المناسبة لرعي أبقار السلامات تقع شرقاً من وادي أبو جرادل المتاخم لمرتفعات جبل مرة من ناحية الشرق. ‏على هذا وجد السلامات أنفسهم أميل إلى الاتجاه شرقاً الأمر الذي جعلهم يتاخمون منطقة رهيد البردي، حاضرة حاكورة قبيلة ‏البقارة التعايشة. ‏في بدايات عام 2006م دخل السلامات دار التعايشة لكن بإذن من الأخيرين الذين سمحوا لهم بذلك. كانت المنطقة التي دخلوا إليها تسمى تُهَم Tuham، حيث تغلغلوا منها إلى أن وصلوا إلي رهيد البِردي بنهاية 2006م. وقتها لم يشعر التعايشة بغضاضة في الأمر كونهم جميعاً كانوا ينظرون إلى أنفسهم كحلفاء لبعضهم البعض في حربهم ضد المجموعات الأفريقية وهي الحرب التي كانت تحركها حكومة الخرطوم. وقد تزامن ذلك مع سعي حكومة الخرطوم إلى إعادة تنظيم قوّات الجنجويد على أسس جديدة برعاية مباشرة من الحكومة كيما تصبح قوة ضاربة تحارب بالوكالة عنها. كان هدف الحكومة إحداث تغييرات جيوبوليتيكية على الأرض تجعل من اتفاقية أبوجا للسلام مستعصية التطبيق. لهذا استقبل التعايشة سكنى قبيلة السلامات التشادية بوصفها حليفاً قوياً لها، وبالتالي عاشوا سوياً بلا أي نزاعات. تزامن هذا من جانب آخر بالإدانات الدولية على السودان بسبب ما يحدث في دارفور وهو الأمر الذي انتهى بتوجيه تهمة الجرائم ضد الإنسانية لكلا القاضي أحمد هارون وقائد الجندويد علي كوشيب. وقد دفع الوضع حكومة الخرطوم إلى العمل بكل ما تملك لحسم الصراع في دارفور لصالحها بأي وسيلة وفي أقصر وقت.

في تلك الفترة التي أعقبت توقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005م، كانت تشاد تدعم حركات دارفور (حركة تحرير السودان قبيل انقسامها ما بين عبد الواحد ومنِّي). من جانبها قامت حكومة الخرطوم ببذل المزيد من الجهود لحمل السلامات للهجرة إلى دارفور. وقد صادفت هذه التشجيعات هوىً في نفس السلامات الذين كانوا لا يزالون بتشاد. فقد كانوا يحلمون بالتخلص من وضعهم الهامشي في وطنهم تشاد بإبداله بوضع جديد في السودان يكونوا فيه حلفاء لحكومة الخرطوم. بهذا شرع السلامات في الهجرة من ديارهم بتشاد إلى دارفور وبأعداد كبيرة. وقد كان خط هجرتهم يمر أولاً بمنطقة أبو جرادل ومنها إلى تُهَم وصولاً إلى منطقة رهيد البِردي (حاضرة حاكورة قبيلة التعايشة). في عام 2005م، عندما كثّف السلامات من هجرتهم من وطنهم تشاد إلى دارفور، كانوا يمثلون ما نسبته 30% من جنود الجيش التشادي. وكذلك كانت لهم نسبة كبيرة في قوات البوليس (الآن وزير الداخلية بتشاد، عيسى النضيف، من قبيلة السلامات). وقد وجدت هجرتهم تشجيعاً كذلك من الحكومة التشادية التي رأت في ذلك فرصة لتحجيم قوتهم النامية في المجال العسكري، خاصةً بعد سلسلة صراعات الدولتين في تجنيد الحركات المسلحة المضادة لتنفيذ أجندة كلٍّ منهما. فقد خشيت الحكومة التشادية أن تقوم الخرطوم بتسخير السلامات لضرب نظامها من الداخل بالاستفادة من وجود السلامت المكثف في الجيش والبوليس.

في عام 2008م قامت حكومة الخرطوم بإجراء التعداد السكاني القومي الذي استبعد اللاجئين (أي الذين يعودون إلى القبائل غير العربية بدارفور ممن تركوا ديارهم هاربين من هجمات الجنجويد المدعومة من الحكومة وبالتالي أصبحوا من ساكني معسكرات اللاجئين). كان وعد النظام لهذه القبائل العربية التي جاء أغلبها من دول الجوار الغربي (تشاد، النيجر، ومالي) المكافأة بمنحهم الجنسيات والعموديات على حساب أهل الأرض الأصليين. زادت هذه الإجراءات من هجرة قبيلة السلامات التشادية التي كثفت هجراتها لمنطقة أبو جرادل طمعاً منها بأن تكون لها عمودية بالسودان، الأمر الذي يعني حصولها بدءاً للجنسية وجميع اتميازات المواطنة على حساب أهل الأرض الأصليين. وقد ربطت حكومة الخرطوم منح تلك القبائل عموديات بإقليم دارفور بالتصويت في انتخابات 2010م. كان عرب السلامات يحلمون بالتخلص من التهميش الذي كانوا يعانون منه في تشاد وتبعيتهم لإدريس دبّي الذي دأب على استغلالهم. وقتها كان عيسى النضيف وزيراً للإعلام في حكومة إدريس دبّي، فقام بعقد اتفاق سري مع حكومة الخرطوم بموجبه تقوم تشاد بمد الخرطوم بالمقاتلين المدربّين من قبيلة السلامات التشادية مقابل منح القبيلة عمودية بمنطقة وادي أبو جرادل.

في عام 2009م تفجر صراع إداري مستتر بخصوص تبعية إقليم وادي أبو جرادل. كانت المنطقة إدارياً لولاية غرب دارفور (عاصمتها الجنينة) بحسب ما مرّ ذكره. وقتها كان هناك صراع خفي تقوده ولاية جنوب دارفور (عاصمتها نيالا) لتتبيع منطقة أبو جرادل لها. كان دافع ولاية جنوب دارفور هو الاستقواء بعرب السلامات التشاديين الذين كان أغلبهم قد خدم في الجيش التشادي وبالتالي كان في وضع أفضل من غيرهم بحساب الجندية والقتال. وقد زاد في تعقيد هذا الصراع تعطيل حكومة الخرطوم للإدارة الأهلية وتصفية رجالها الخبيرين بمثل هذه الصراعات وكيفية معالجتها في مهدها. بجانب هذا، درجت حكومة الخرطوم على تعيين المحاسيب من ضعاف الشخصيات وقليلي ومنعدمي الخبرات. كما كان من الطبيعي والمتوقع ألا يعترف الأهالي بهذه القيادات المحسوبة على الحكومة، المرفوضة منهم.

في ذلك الوقت كان جعفر عبد الحكم (ينتسب إلى الفور) والياً على غرب دارفور. ولم يكن الفور يولون جعفر عبد الحكم أي احترام أو توقير، بل كانوا يزدرونه ويحتقرونه. يعود السبب في ذلك لما قام به في عام 2003م عندما ارتكب مجزرة فظيعة بحق 160 رجل من قيادات الفور ما بين عمدة وشيخ اقتادهم من مناطق مُقْجَر ودليج وقارسيلا وأعدمهم جميعاً بالمنطقة الأخيرة بدمٍ بارد. في الجانب الآخر، كان الحاج عطا المنان (من الشايقية بشمال السودان) والياً على جنوب دارفور. كان الأخير هو رأس الرمح في المطالبة بوجوب منح السلامات عمودية بمنطقة أبو جرادل. تلخص الصراع بين الرجلين في من سيفوز بمنطقة أبو جرادل التي ستصبح عما قريب موطن قبيلة السلامات التشادية، وهي القبيلة المتوقع منها أن تكون ذات القوة العسكرية الضاربة. لم يكن يهم المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم بالسودان) من كل هذا سوى تأمين فوزه في الانتخابات القادمة التي سوف يترتب عليها فرز تركيبة إثنية وعسكرية وسياسية جديدة بالمنطقة. كما كان من جانب آخر يريد أن يتفرغ لمعاركه ضد الحركة الشعبية موكلاً أمر دارفور للمليشيات المكونة من القبائل العربية السودانية وتلك المستقدمة من خارج الحدود (قوات الجنجويد). عندما احتدم الصراع بين الواليين، قام السلامات في أكتوبر 2009م بابتعاث وفد يمثلهم إلى والي جنوب دارفور (الحاج عطا المنان)، مطالبين له ومهددين في نفس الوقت، بوجوب منحهم نظارة (وليس مجرد عمودية). بالنسبة للقبائل الأفريقية في دارفور (ويقال لها “الزُّرقة”، أي “السوداء”) تقف العمودية كجزء من تراتبية على رأسها السلطان وتحته الشرتاي نزولاً إلى منصب الشيخ في أدناها. أما بالنسبة للعرب في دارفور فلا تقتضي النظارة بوصفها منصباً سياسياً بالضرورة منصب العمدة تحتها أو منصب الشرتاي أو منصب “الديمنقاو”.

تم تكوين لجنة للنظر في تبعية منطقة أبو جرادل، لولاية غرب دارفور (التي يرأسها جعفر عبد الحكم) أم لولاية جنوب دارفور (التي يرأسها الحاج عطا المنان)؟ خلصت اللجنة بعد زيارة المنطقة إلى أن أبو جرادل جزء من دار كوبرا، وبما أن الأخيرة تقع ضمن ولاية غرب دارفور عليه تكون منطقة أبو جرادل جزءاً من ولاية غرب دارفور وليس ولاية جنوب دارفور. إلاّ أن هذا الحكم (الذي انتصر فيه جعفر عبد الحكم على الحاج عطا المنان) لم يحل جانب حرج من الإشكال الإداري. فقد كانت محلية رهيد البردي التابعة لولاية جنوب دارفور هي المناط بها جمع الضرائب والمكوس والإتاوات في أبو جرادل حيث تقوم بتسليم ولاية غرب دارفور جزءاً يسيراً منها بينما تحتفظ بالباقي. برغم كل هذا، شهد عام 2010م إنشاء نظارة السلامات بمنطقة أبو جرادل، وكان ذلك قبل شهور قلائل من قيام الانتخابات. ويعني هذا قيام نظارة تتبع في الشئون الإدارية المباشرة (الضرائب والزكاة على القطعان من إبل وبهائم) لرهيد البردي (ولاية جنوب دارفور وعاصمتها نيالا) بينما تتبع اسمياً لدار كوبرا (ولاية غرب دارفور وعاصمتها الجنينة). وبهذا شعر السلامات أنهم فعلياً يتبعون لولاية جنوب دارفور وبالتالي أصبحت رهيد البردي بمثابة حاضرة إدارية لهم دون مُقْجَر.

غدا ننشر الحلقتين الثالثة والرابعة