محمّد جلال أحمد هاشم* بنهاية عام 1993م كانت دارفور قد فقدت أحد عناصر تراثها الضّارب في القدم، ألا وهو النّظام السّياسي الاجتماعي الذي ينظّم تداول السّلطة وحيازة الأرض.

بهذا أصبحت دارفور جاهزة لمخطّط التّرابي القاضي بتغيير التّركيبة السّكّانيّة وإعادة هندسة الخريطة الدّيموقرافيّة. بنهاية عقد التّسعينات، أي في عام 1998م، كانت دارفور تغلي كالمرجل لدرجة أنّ أبناءها المنضوين في تنظيم الجبهة الإسلاميّة ونظام الإنقاذ بدأو يشعرون بحرج الموقف وبالمخاطر المحدقة بأهلهم. من جانب آخر كانت نزوحات القبائل العربيّة الرّعويّة من الدّول المجاورة قد زادت وتيرتها بشكل مضطرد بتشجيع من النّظام، بجانب أنّ بعضها كان قد جرّب النّزوح إلى السّودان منتصف ثمانينات القرن العشرين إبّان موجة الجفاف والتّصحّر، فكانوا على علم بالإقليم. وقد كان ردّ المسئولين في تبرير هذه الهجرات أنّ الدّولة عاجزة وليست لها إمكانات لوقف سيل الهجرات وأنّ الحدود مفتوحة .. إلخ. تلك هي السّنة التي بذل فيها بعض قيادات الإسلاميّين من أبناء دارفور (كان خليل إبراهيم على رأسهم) جهدهم كيما يلفتوا نظر الدّولة لما يحدث في دارفور. في براءتهم وجهلهم بما كان يحاك ضدّهم، توجّهوا نحو التّرابي إيماناً منهم بأنّه إذا اقتنع بالمخاطر التي تهدّد الإقليم، والتي ما كان يمكن لأيّ زائر عابر ألاّ يلحظها، دع عنك مسئول كبير مثل التّرابي وعبر زيارات موجّهة. إلاّ أنّهم ما كان يمكن أن تخيب ظنونُهم كما خابت في التّرابي. فهو لم يزد على أن ظلّ يردّد كلّما انتقلوا به من موقع إلى آخر: «قرّوهم قرآن .. قرآن .. قرآن بس!»، متلاعباً بيديه، مُكثراً من بسمته. إلاّ أنّه عندما التقى بالقبائل العربيّة الرّعويّة القادمة من خارج الحدود (بدلاً من تقييم الموقف على حقيقته وإدراك ما تنطوي عليه تلك الهجرات المكثّفة من مخاطر لإقليم دارفور حيث كانت قد اخترقته القلاقل والنّزاعات منذ أواخر سبعينان القرن العشرين لدرجة انهيار الأمن فيه)، طفق يحدّث الأعراب عن أنّهم (بخلاف ما ورد عنهم في القرآن من أنّهم أشدّ كفراً ونفاقا) ليسوا رعاةً بل هم دعاة (اقتبس ذلك من عنوان بحث لعبدالله علي إبراهيم، 1996، «العروبة والإسلام في السّودان بين الرّعاة والدّعاة»، في كتابه: الثّقافة والدّيموقراطيّة في السّودان، القاهرة: دار الأمين للنّشر والتّوزيع، ص.ص. 29-34). كانت تلك زيارة تاريخيّة، ليس للتّرابي، بل للشّهيد خليل إبراهيم الذي أدرك وقتها أنّهم ليسوا سوى مخلب قطّ، فخرج في هدوء وقد انتوى أمراً جللا.

هذه هي مسئوليّة حسن التّرابي في حريق دارفور. قد يدفع أحدٌ بأنّ التّرابي قد فارق النّظام في عام 1999م، فلماذا مضى النّظام قدماً في تنفيذ خطّة التّرابي الذي لم يعد بينهم. في الحقيقة لم يكن في مقدور النّظام إيقاف ماكينة الدّمار والحريق التي أشعلها التّرابي وظلّ يحرسها لتسع سنوات. إلاّ أنّ هذا لم يكن في الحسبان، إذ لم يفكّر قادة النّظام بالمرّة في وقف اللعبة. فببساطة لم يكن اختلافهم مع التّرابي منهجيّاً، إذ لم يعدُ كونه صراعاً بين جيلين: جيل التّرابي (جيل 1955م ــــ 1965م) وجيل علي عثمان محمّد طه (جيل 1965م ــــ 1975م). وقد شجّع الجيل الثّاني على التّمرّد ضدّ الجيل الأوّل، وضدّ التّرابي بوجهٍ خاصّ خور التّرابي وجبنه من التّصدّي لقيادة الإنقاذ بطريقة سافرة وتحمّل مسئوليّة ما خطّط له. فقد فضّل أن يدخل السّجن الاختياري بينما ترك رجال الصّفّ الثّاني يتولّون أمر البلاد. أمّا من ناحية الخطّة التي وضعها لهم، فقد راقت لهم وما كان يمكن أن يتخلّوا عنها. ولهذا ظلّوا يُشيرون إلى مسئوليّته عمّا حدث بدارفور عندما عمد التّرابي في انتهازيّته المعروفة وحربائيّته السّياسيّة التي لا تعرف المبادئ إلى استثمار أزمة دارفور والنّيل من النّظام عبرها. لقد ظلّوا يُشيرون بوضوح لمسئوليّته (التّرابي يحمل في عنقه دم كلّ من قُتل في دارفور)، دون أن يكشفوا عن المستور. فهم هنا أشبه باللصوص الذي يتكتّمون على الموقع الذي دفنوا فيه المسروقات حتّى في حال خلافهم طالما كانت عين البوليس ترصدهم. ومع هذا، يكيل بعضهم لبعض التّهم بأنّه من سرق الكنز.

لكلّ هذا، نُرجّح أن التّرابي، في سعيه لإيجاد حلول واضحة وعمليّة لمشكلة دارفور بحيث ينقذ البشير من مأزق الجنائيّة، وبحيث يكسب رضا المجتمع الدّولي، سوف يعمد إلى تخليص النّظام من انحيازه للمجموعات العربيّة. هنا أيضاً سوف تظهر جليّاً علامات الغرور في الرّجل، إذ سيعمد إلى قلب الموازين بطريقة آليّة من شأنها إعادة إنتاج الأزمة، أي أن تصبح لنا مشكلتان بدلاً من مشكلة واحدة.

 

الصّادق المهدي ومسئوليّة الإبادة في دارفور

ذكرنا أنّ دارفور لم تنعم بالرّاحة منذ أواخر سبعينات القرن العشرين. من المؤكّد أنّ هناك صراعاً حادّاً حول الموارد، بما في ذلك الهويّة جرّاء تصاعد تيّارات الأسلمة والاستعراب. في هذا نلاحظ أنّ الصّادق المهدي يتحمّل مسئوليّة كبيرة لا تقلّ بأيّ حال عن المسئوليّة الإجرامية للتّرابي فيما حصل بدارفور. من المعروف أنّ فكرة الدّفاع الشّعبي قد تفتّقت عنها ذهنيّة الصّادق المهدي (1986م ــــ 1989م) ووزير دفاعه في السّنة الأخيرة اللواء برمة ناصر (ينتمي لقبيلة المسيريّة). وقد كشفت مؤخّراً مصادر موثوقة الدّور الخطير الذي لعبته حكومة الصّادق المهدي في فترة الدّيموقراطيّة بخصوص إنفاذ مخطّط إعادة هندسة الخريطة الدّيموقرافيّة بدارفور. فقد جاء في تقرير موقع التّغيير الإلكتروني (بتاريخ 30/9/2013م: http://www.altaghyeer.info/ar/2013/reports/1625/) تحت عنوان: حكومة الخرطوم وصناعة الحرب. تقرير عن حروب الوكالة بدارفور(الحلقة الثانية) ما يلي بخصوص وادي أبو جرادل الذي تتمركز فيه الآن قبيلة السّلامات التي يُحيلُها التّقرير إلى دولة تشاد بوصفها إحدى المجموعات العربيّة التي استقدمتها دولة الإنقاذ إلى دارفور:

«كانت منطقة وادي أبو جرادل شبه فارغة من الفور عندما كثّف السّلامات من هجرتهم واستقرارهم بالوادي. فبالرّغم من تبعيّة المنطقة لدار كوبرا التي بدورها تتبع لولاية غرب دارفور (عاصمتها الجنينة حاضرة المساليت). إلاّ أنّ فراغ المنطقة من الفور يعود إلى أخريات ثمانينات القرن العشرين، أي في فترة الحكم الدّيموقراطي عندما كان الصّادق المهدي رئيساً للوزراء وكان التّيجاني سيسي حاكما لدارفور. فقبل ذلك كانت المنطقة كثيفة السّكّان وعامرة بأهلها الفور. في الفترة بين عامي 1988م ــــ 1989م قامت حكومة الصّادق المهدي بتأسيس تحالف عربي بدارفور يتكوّن من 27 قبيلة عربية (أو تزعم بأنّها ذات أصل عربي). شمل ذلك التحالف، فيما شمل، قبائل التَّرجَم، الهبّانيّة، التّعايشة، الرّزيقات البقّارة، الرّزيقات الأبّالة (الماهريّة والمحاميد)، أولاد تاكو، أولاد راشد، أولاد غانم، بني حسين، بني هِلْبة، فلاّتة تُلُس، العطيفات، العريقات، النوايبة، الكروبات، السّلامات (على تشادية جنسيتهم وقلة عددهم وقتها)، المهادي، المعاليا (كانت مشاركتهم لا تتعدّى الأشخاص)، القِمِر (الذين زعموا بأنهم جعليّون؛ لاحقاً شكّلوا مع التَّرْجَم رأس الرمح في الهجوم ضدّ الفور)، العطوريّة، أولاد مانا، السّحنون، درّوك، (كانوا من المستضعفين لصغر عددهم ولكونهم يعيشون داخل دار الهبّانيّة)، بالإضافة إلى مجموعات عربيّة صغيرة ومتفرّقة. قام هذا التّحالف العربي بشنّ الحرب ضدّ المجموعات غير العربيّة في كلّ دارفور. حدث هذا في ظلّ الحكم الديموقراطي وفي ظلّ حاكم لدارفور من المجموعات غير العربيّة لكنّه كان ينتمي لحركة الإخوان المسلمين في فترة دراسته الجامعيّة، ألا وهو التّيجاني سيسي (الآن رئيس السّلطة الانتقاليّة بدارفور، وهي السّلطة التي تشكّلت بموجب ميثاق سلام دارفور الموقّع في الدوحة عاصمة قطر بين حكومة السّودان وحركة التحرير والعدالة برئاسة التّيجاني سيسي في 14 يوليو 2011م). تركّزت تلك الهجمات بصورة عامّة ضدّ الفور وبصورة خاصّة الفور الذين يعيشون في منطقة وادي أبو جرادل كونها منطقة معزولة وبعيدة من مركز السّلطات. دفعت تلك الهجمات المنظّمة (المدعومة من حكومتي الصّادق المهدي القوميّة الدّيموقراطيّة والتّيجاني سيسي الولائيّة) غالبيّة الفور القاطنين بوادي أبو جرادل إلى الهجرة لمناطق زالنجي (الآن عاصمة وسط دارفور) ونيالا (الآن عاصمة جنوب دارفور)، بينما هاجرت البقيّة إلى مناطق كنانة بالنّيل الأبيض بوسط السّودان ومنطقة الكُرْمُتة بجنوب الخرطوم (الآن تسمّى مدينة الأزهري). هذا بينما بقيت قلة من أولئك الفور بمنطقة مُقْجَرة (حاضرة عموديّة كوبرا)».

كان يمكن أن ننظر إلى سياسة الصّادق المهدي في تلك الفترة على أنّها تمثّل شكلاً من أشكال الفشل الذي لازمه طيلة حياته. إلاّ أنّ الرّجل لم يكن يخبط خبط عشواء في عمى بصيرته السّياسيّة، بل كان يتّبع خطّة محكمة تتلخّص في إعادة تخطيط وهندسة الخريطة الدّيموقرافيّة للسّودان في اتّفاق تامّ بينه وبين صهره (حسن التّرابي ــــ فعلاً زوج شقيقة الصّادق المهدي). فقد طفق الصّادق المهدي يتحدّث بين الفينة والأخرى عن إمكانيّة الاستيطان المصري بالسّودان وما في ذلك من فائدة للبلدين (ولتلاحظوا أنّ هذه مصر نفسها التي تحتلّ أراضينا في مثلّث حلايب). في يوم السّبت الموافق 22 نوفمبر 2007م أقامت الجمعية الهندسية بدارها بالخرطوم ندوة عن مبادرة حوض النّيل تحدّث فيها عدد من المسئولين والمختصّين والسّياسيّين. من بين السّياسيّين المدعوين كان هناك الصّادق المهدي، حيث سرد بعضاً من المواقف المتعلّقة بسياسة حكومته إبّان الدّيموقراطيّة الثّالثة إزاء مشكلة المياه والسّدود وطنيّاً وإقليميّاً، منتهياً إلى تقديم مجموعة من الحلول للمشاكل العالقة. من بين الحلول التي تطوّع بتقديمها لمشكلة مصر بخصوص استصلاح الأراضي جاء اقتراحه مباغتاً وغريباً لا يشبهه، إذ قال: “بدلاً من أن تقوم مصر باستصلاح الأراضي الصّحراويّة عندها، الحلّ أن تقوم بالزّراعة في الأراضي السّودانيّة» (راجع  توثيق مضمون الإفادة في جريدة الوسيط، صفحة النّدوات، الخميس 29/11/2007م، العدد 129، صفحة 5).‏

 

الصّادق المهدي ومشروع الحُقن السّكّانيّة

لكم انزعج السّودانيّون المراقبون لذلك الشّان كثيراً من تلك التّصريحات التي صدرت من الصّادق المهدي، وليتهم دروا المنطلقات الرّؤيويّة للصّادق المهدي في هذا الشّأن. ففي الحقيقة لم تكن تلك التّصريحات قد صدرت في لحظة مناورة سياسيّة. إذ يقول الصّادق المهدي في كتابه مياه النّيل: الوعد والوعيد، إصدارات مركز الأهرام للتّرجمة والنّشر، 2000، صفحة 126، تحت العنوان الجانبي (الخريطة السّكّانيّة) ما يلي (ورد كلامه في عدّة فقرات بطريقة كلّ جملة في فقرة واحدة؛ من جانبنا لن نتقيّد في الاقتباس بهذا النّظام:

«الخريطة السّكّانيّة الحاليّة للسّودان معيبة. فتوفير الخدمات ومطالب التّنمية يوجب ترشيداً سكّانيّاً يجمع القرى المشتّتة وعددها حوالي 65 ألف قرية في قرى أكبر. كذلك الخريطة الاستثماريّة في السّودان تحتاج لمراجعة أساسيّة. الخريطة السّكّانيّة في مصر معتلّة؛ لأنّ كلّ سكّان مصر تقريباً يسكنون في 3% من أراضيها على شريط النّيل وفي الدّلتا. هنالك محاولات متكرّرة منذ عهد مديريّة التّحرير، والآن الوادي الجديد وتوشكي، للخروج من المواقع السّكّانيّة المعهودة والانتشار السّكّاني ـ في حركة هي عكس الحالة السّودانيّة تماماً. الخريطة السّكّانيّة الجديدة في السّودان سوف تظهر الحاجّة لحقن سكّانيّة في مناطق مختلفة في السّودان. إنّ التّفكير في تنظيم هجرة مصريّة للسّودان أكثر جدوى من محاولات تعمير أراضٍ شبه صحراويّة تكلّف مالاً وماءً كثيرا. وإذا عرضت مصر على السّودان في إطار العلاقة الخاصّة هجرة بشريّة مصحوبة بغطاء مائي واستثماري فهذا عرض لا يُرفض. كذلك إذا عرض السّودان على مصر أرضاً خصبة في أماكن صالحة للعمران، على أن تُهرع إليها أيدي عاملة مهاجرة تصحبها إمكانات استثماريّة ومائيّة فإنّه عرض لا يُرفض».

إذن، فمسألة الخريطة الدّيموقرافيّة وضرورة إعادة ترسيمها وهندستها ليست سوى فكرة اجتمع عليها الرّجلان، فيما عُرف من تحالفات كثيرة بينهما، فكريّاً وسياسيّاً. فإذا كان التّرابي قد أصبح جزءاً من تركة الإنقاذ، سيذهب بذهابها، تنطوي مسألة الصّادق المهدي على العديد من المخاطر، أقلّها أنّ مشكلة استيطان الفلاّحين المصريّين إلى السّودان تحت العديد من الدّعاوى، ربّما لا تنتهي بنهاية النّظام الحالي. وهذا يكشف البعد غير الوطني في قياداتنا السّياسيّة، كما لو كانوا يعملون بالوكالة عن أعدائنا.

عودة التّرابي إلى حظيرة الإنقاذ

يمرّ نظام الإنقاذ بفترة انتقاليّة خطيرة من حيث تغيير القيادات دون السّياسات. يعتقد بعض النّاس أنّ الإنقاذ بصدد التّخلّي عن شراكتها مع تنظيم الإخوان المسلمين (كيفما تقلّبت بهم الأسماء). إلاّ أنّنا نرى عكس ذلك. فمن الصّعب تحرير نظام الإنقاذ من شراكته مع حركة الإخوان المسلمين التي فضّلت مؤخّراً الاسم الفضفاض (الحركة الإسلاميّة). لذا من المتوقّع أن يتمّ استبدال مجموعة على عثمان محمّد طه وباقي شلّة الإسلاميّين من جيل 1965م ــــ 1975م بمجموعة أخرى. هنا يبرز اسم حسن التّرابي كأحد أهمّ المرشّحين. فانضمامه مرّة أخرى إلى المجموعة الإنقاذيّة العسكريّة بقيادة عمر البشير سوف يجعل النّظام يحتفظ بولاء الإسلاميّين الذين يشغلون جميع المواقع المفصليّة العليا والوسطى والدّنيا في دولاب الدّولة. وقد بدأت بوادر هذا التّصالح في أفق العلاقات السّياسيّة بين تنظيمي المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم) والمؤتمر الشّعبي (حزب حسن التّرابي).

تتطلّب خطوة كهذه حلاًّ لمشكلة البشير بوصفه البطّة العرجاء. وتقف مشكلة دارفور والمحكمة الجنائيّة الدّوليّة كعقبة كأداء لا بدّ للتّرابي من إيجاد مخرجٍ لها. في هذا الصّدد من المتوقّع أن يعكس النّظام الأدوار في دارفور بأن يقوم بتسليح القبائل الأفريقيّة ضدّ القبائل العربيّة. في هذا سوف يسعى حسن التّرابي لاستمالة المجموعات الأفريقيّة بوصفها حاملةً للسّلاح وللواء التّمرّد استناداً على أنّها صاحبة الأرض الأصليّة إذ تحوم حول المجموعات العربيّة شبهة الانتماء إلى دول مجاورة حتّى لو كان النّظام قد زوّدها بشهادات المواطنة السّودانيّة. فقد حملت الأنباء مؤخّراً خبر خروج أحد أشهر قادة قبائل الجنجويد (موسى هلال، قائد قبيلة المحاميد التي عُرفت بتجييشها لقوّات الجنجويد من فرسانها) على الحكومة. وقد كشف الرّجل بنفسه عن أسباب هذا الخروج في خطبة غاضبة اتّهم فيها والي شمال دارفور بتسليح قبائل معادية للمحاميد فكان أن أعملوا فيهم القتل. في حديثه المنسوب له (أنكره برغم أنّ هناك شهود عيان حضروا لقاءه بقيادات قبيلته أكّدوا حقيقة الحديث الغاضب بحسب ما ورد في موقع يوتيوب  http://www.youtube.com/watch?v=Nfe20PX8fZY) بحسب التّسجيل المنسوب إليه لمدّة 50:38 دقيقة، تحدّث موسى هلال في الدّقائق 6:40 إلى 6:50 عن والي شمال دارفور محمد ‏عثمان كِبِر بأسلوب ينضح بالعنصريّة وكراهيّة الأفارقة، متّهماً إيّاه بأنّه من «فروخ الحرام» بما يعني ‘العبد ابن الحرام’، ويقول: «منو هو كِبِر ذاتو؟ وهو السّلطة ذاتها لو ما يعني آخر الزمان، ناس يحكموكم، فروخ الحرام! وهو السّلطة ذاتها لو ما هاملة، تمشي لي ناس زي كبر؟ يا سبحان الله! لا حول ولا قوة إلا بالله!». كما تحدّث في الدّقائق 27:30 إلى 28:03 عن المخطّطات السّلطويّة التي تحلم بها القبائل العربيّة ليس فقط لدارفور بل للسّودان كلّه. فهو يقول: «ونحن لي دارنا وخارطة الطّريق اللي وصفناها لي نفسنا ولي أهلنا وللمواطنين وللدّولة وللسّودان ولي دارفور دا، والله ما بنحيد منّو أبداً! لأنّو يا اخوانا أنا بتكلّم معاكم الكلام الكُبار، كبار والطّشاش دا، ما براي. أنا ما براي! أنا براي ما بتكلّم كلام زي دا. أنا معاي ناس .. ومعاي رجال .. وبي أنواعهم وأشكالهم .. ما عرب بس …». وقد جاء ردّ محمّد عثمان كِبِر على هذا الحديث (المنكور) قاسياً ولو كان بعد حين. فقد هاجمت قوّات زُعم بأنّه قد قام بتسليحها معسكر للجنجويد كان موسى هلال يتفقّده. وقد نجا قائد الجنجويد بأعجوبة من مطر الرّصاص المنهمر (لمزيد من التّفاصيل، يرجى مراجعة تقرير موقع التّغيير الإليكتروني بتاريخ 11/3/2014م: http://www.altaghyeer.info/ar/2013/reports/3256/). إذن ليس من المستبعد أن يقلب النّظام ظهر المجنّ للقبائل العربيّة وفق وصفة ترابيّة جديدة لا تعدو كونها وجهاً آخر لذات العملة، عملة ضرب القبائل الأفريقيّة بالعربيّة والعكس بالعكس.

بعد هذا يمكن للتّرابي أن يحاول أن يلعب لعبة التّسامح على غرار ما حدث بدول أفريقيّة مثل جنوب أفريقيا ورواندا (الحقيقة والمصالحة). وهذا بالضّبط ما ذهب إليه في المقابلة التّلفزيونيّة التي أجرتها معه قناة الجزيرة يوم 12/4/2014م. ما يتغافل عنه التّرابي، كونه يعوّل كثيراً على ضحالة الذّاكرة السّياسيّة السّودانيّة، أنّ هدفاً كهذا لا بدّ أن يمرّ عبر بوّابة الاعتذار وقبول الاعتذار، وهو الاعتذار الذي عجز هو نفسُه عن أن يحمل نفسَه عليه فيقدّم اعتذاره للشّعب السّوداني كونه المسئول الأوّل عن تدبير انقلاب 30 يونيو 1989م. على أيِّ حال، هذا السّيناريو سوف ينتهي بالنّظام إلى أن يغرق في المزيد من الانتهاكات الصّارخة لحقوق الإنسان والمجموعات الإثنيّة بدارفور. إذ لن يعدو كونه إعادة إنتاج مأساة دارفور بالمقلوب: من تغليب المجموعات العربيّة ضدّ المجموعات الأفريقيّة إلى تغليب المجموعات الأفريقيّة ضدّ المجموعات العربيّة، وبالتّالي تكرار سيناريو الفظائع مرّة أخرى. إذا أفضى الواقع إلى هذا السّيناريو، فإنّه سيكون بمثابة النّهاية المناسبة لحسن التّرابي بوصفه أحد أغبى السّياسيّين في التّاريخ المعاصر للسّودان.

*مجتزأ من الفصل السّابع من كتاب: الفقه الإسلامي الحداثوي