فتحي الضَّـو هل انكسرت الجَرة وخرج المارد من القمقم؟ سؤال ظل يراود أذهان البعض ممن يرون قصص الفساد والاستبداد تسري بين الناس هذه الأيام كما الهواء الذي يستنشقونه.

ولكن حتى لا نغرق كثيراً في طلاسم ما يحيكون، فثمة تساؤل آخر سيضع السؤال أعلاه في محك صعب: هل يا ترى اكتشف الناس هذا الفساد بغتةً وكأنهم لم يعلموا أنه ديدن عصبة حكمتهم طيلة ربع قرن؟ في واقع الأمر لا انكسرت الجرة ولا خرج منها مارد الفساد. فالقليل الذي ظهر منه على السطح، وجعل قلوب الناس تكاد تخرج من أكنتها هو رأس جبل الجليد العائم في محيط من فساد متعدد الهويات. فالفساد الحقيقي لم تُزح عن حجمه الأغطية بعد، ولا رُفعت عن صانعيه طاقية الإخفاء. ولعل أكثر ما يُقلق المرء هو أن العصبة قامت بهذا الإخراج (الفهلوي) ليس بغضاً للفساد ولا حباً للنزاهة كما يصورون، ولكن لذر الرماد في العيون، أي لينصرف الناس عن رؤية بقية الجبل العائم. وبالتالي ينعم المجرمون الحقيقيون بما لهفت أيديهم من مال عام، وبما اغترفوا من خطايا سياسية، وبما ارتكبوا من جرائم جنائية!

تعلمون – يا سادتي – أن ألسنتنا ظلت تلهج بروايات الفساد منذ أن تسنمت العصبة ذوي البأس السلطة قبل نحو ربع قرن. فهم في الأصل توسلوها بفساد سياسي تمثل في الانقلاب العسكري الذي أضفى عدم الشرعية على وجودهم وما يزال برغم تقادم السنين. ثمَّ قاد الفساد السياسي بدوره إلى

ارتكابهم جرائم جنائية دشنوا بها وجودهم في السلطة، اغتيالاً وتنكيلاً وتشريداً وموبقات أخر، حطَّت من كرامة الإنسان السوداني وما يزالون. وبالتالي لم يكن عصياً على من توضأت يداه بدماء البشر أن يغمسها في فساد مالي وأخلاقي لم يعرف السودان له مثيلاً منذ وطىء رهط من البشر ثراه واتخذوه موطناً. إذاً ففيم الدهشة والقول المأثور يقول: إن ما بني على باطل لا ينتج سوى باطلاً

لكن دعنا نتأمل  – يا عزيزي القارئ – كيف فكر الأبالسة وقدروا هذا السيناريو، والذي هدفوا من ورائه إلى تعمية الرأي العام عن رؤية الفساد الحقيقي. بدأ السيناريو بشغل الناس بقصة فساد السادة العظام في مكتب عبد الرحمن الخضر والي الخرطوم، وذلك لكي ننسى أن هؤلاء مجرد فئران صغيرة في جحر جرذ كبير. وتبعاً لذلك ظهر الوالي المذكور وكأنه (نبي الله الخضر) في نزاهته وشفافيته وطهارة يده. فالوالي بحسب السيناريو المعد (يكتشف) الفساد فجأة في إمبراطوريته، فيهرع للرئيس الضرورة ويحدثه بشفافية، ومن ثمَّ يتفقا معاً على إحالة الأمر للقضاء العادل في دولة الصحابة، وبعدئذ يخضع نفسَه للاستجواب من قِبَل لجنة التحقيق. والحقيقة أن هذه البراءة ليست خيالاً من بنات أفكارنا، وإنما سيناريو واقعي يعجز عن كتابته مخرج الروائع الراحل (حسن الإمام) المفارقة من قبل أن ينتهي العرض، شمر المفسدون و(حملة المباخر) عن مقالاتهم وإعلاناتهم التي تشيد بالخضر مالي الولاية عدلاً بعد أن مُلئت ظلماً وجوراً. بيد أن سؤالاً تائهاً في الآفاق يقول: إذا كان السادة العظام قد نهشوا تلك المليارات، فكم يا ترى حاز كبيرهم الذي رضعوا الفساد من حيله ومكره؟

السيناريو نفسه أعاد تمثيله جهبذان من شركة الأقطان واللذان لهطا أكثر من ثلاثمائة مليون دولار والناس يتساءلون عن الجزيرة ومشروعها بأي ذنب قتلوا؟ بالطبع الغرض واضح هو أن يتعامى الناس عن رؤية القطط السمان التي وقفت من خلفهم وحمتهم؟ كذلك أعاد تمثيل ذات السيناريو الزبير بشير

طه الوالي الذي استغرب الناس مبلغ 32 مليون جنيه عبارة عن تكلفة غسل ملابسه في فندق مريديان و15 مليون جنيه قيمة إفطاره في أسبوع. وما درى المستغربون أن تلك (الملاليم) لا تسوى جناح بعوض مقارنة بما جناه وهو يتقلب في المناصب كتقلب المؤتفكة في المضاجع. في تقديري سيكون الزبير قرين (ابن العوام) سعيداً وهو يقدم استقالته لكي يوصف بالطهارة ويدمغ بالنزاهة. ذلك لأن قصته رغم مرارتها ستغادر ذاكرتنا المثقوبة بعد حين مثلما غادرتها قصص أكثر إيلاماً، وسيمضي المذكور مواصلاً عيشه الرغد، متدثراً بصيام يومي الاثنين والخميس ومتزملاً بالحديث عن الجهاد وكاسحات الألغام من القرود، ولا تعجبن إن حدثه أحد عن السائل والمحروم فأسقط دمعاً سخيناً تكاد تشفق عليه من الهلاك!

أما (الحبكة) الدرامية في السيناريو – كما يقول أهل الفن – فقد قام بتمثيلها المشير الرئيس نفسه، فقد هش بعصاه على رعيته وتحدث عن دولة أفلاطونية لا وجود لها إلا في مخيلته، وقال في حديث لصحيفة السوداني في أغسطس من العام 2011 رداً على نفيه روايات الفساد «يعني لو مافي مفسدين نجيبهم من وين»؟ ولكن ما إن استلذ الناس بترديد روايات الفساد إذا به ينبري ويحدثهم بذات الفم الوالغ في الكذب منذ سني (الفطام) وحتى (ضرس العقل) عن كيفية اجتثاثه، ونصحهم بفذلكات قانون الثراء الحرام وإبراء الذمة، وهذا لعمري أشبه بالثعلب الذي ارتدى ثياب (الواعظينا) فالمشير المذكور يريد أن يقول للبرية إنه حتى لو كان هناك ثمة قوم فاسدين في دولته الفتية، فإنه شخصياً بريء مما يأفكون. الرئيس الذي شغلته عصبته بملء شهوتي البطن والفرج، كان قد وثق لفساده بالصوت والصورة من غير ما احتسب، جاء ذلك في حديث تلفزيوني حصر فيه أملاكه (منزلان بكافوري والرياض وشقة في مجمع النصر ومزرعة في السليت) بيد أنه تجاهل ذكر الفساد

الذي يرقد بجانبه ونسي إخوة يوسف وما يضمرون، بل نسي القصر الذي استولى عليه عنوة واقتداراً من أحد أبناء الرجل العصامي الشيخ مصطفى الأمين ويقضي فيه يوماً واحداً في الأسبوع (ليتحلل) من رهق العمل وثقل المسؤولية!

يا سادتي لا يغرنكم ما ينشرون، فالفساد الذي نعنيه يبدأ من رأس الهرم أعلاه الذي يتحدث عن الزهد مستشهداً بآيات من كتاب الله، في الوقت الذي يشاركه الفساد فراش الزوجية، وعلى مرأى منه إخوته وعصبته التي تؤويه. ومن ثم تقف فيه ذات العصبة صفاً صفاً كيوم الحشر، بدءاً من علي عثمان طه وعوض الجاز ونافع علي نافع وأسامة عبد الله وإبراهيم أحمد عمر وعلي كرتي وعبد الرحيم محمد حسين وبكري حسن صالح وكمال عبد اللطيف ومحمد عطا وصلاح قوش وغازي صلاح الدين وأحمد إبراهيم الطاهر ومصطفى عثمان والشريف بدر وعبد الحليم المتعافي ومهدي إبراهيم  وجلال الدقير والسماني الوسيلة وعبد الباسط سبدرات ومبروك مبارك سليم ومأمون حميدة وجمال الوالي والولاة العشرة المكرمون بالسلطة، ولولا عِلمنا بأن القائمة ستنوء بحامليها لطالبنا بمثول الأموات في قبورهم!

نسبة لأن الأمر كله ذو صلة بالتمثيل فلا تستغربن إذاً من روافع مساعدة للسيناريو. تأمل يا أيها المقتول كمداً من ذا الذي يكتب عن الفساد الآن. المدعو صلاح قوش يتحدث في (البرلمان) المنتخب عن كيف بددت عصبته مليارين ونصف في إنشاء مبان غير واردة في الميزانية، واسمح بكرمك الفياض – يا عزيزي القارئ – أن ألوث مقالي هذا ببعض الروافع التي دأبت على تقبيح الجميل وتجميل القبيح، فطفقوا يتحدثون عن الفساد دون أن يرمش لهم طرف: راشد عبد الرحيم، محمد عبد القادر، كمال حسن بخيت، اسحق أحمد فضل الله، الطيب مصطفى، عبد المحمود

الكرنكي، النجيب قمر الدين، مصطفى أبو العزائم، محمد وقيع الله، أحمد البلال، ومع ذلك فثمة قوم آخرين من الكتبة يستحي المرء من ذكرهم، ذلك أن في ذكرهم هنا شرف لهم حتى وهم غاطسون في بؤر الفساد. بيد أن فساد الصحافة في هذا العهد الأغبر في حاجة لمبحث آخر من قبل أن يغير (سواس الأحصنة) مضمار السباق!

يا أيها المفسدون.. لكم دينكم ولنا دين!

آخر الكلام: لابد من الديمقراطية والمحاسبة وإن طال السفر!!

faldaw@hotmail.com