عبد العزيز بركة ساكن قد يتكرم مجلس المصنفات الفنية والأدبية على الكاتب او الكاتبة بتصريح لنشر العمل المكلوم. بعد حذف ومسح وشطب وقطع،

تشذيب وتهذيب يضر بالعمل ضررا بالغا. يخرج منه العمل الأدبي كفـأر هرب من مختبر بيولوجي. لتطل المحنة الثالثة برأسها. رحلة البحث عن ناشر. والناشرون نحل وملل:

1-          ناشر يأخذ الكتاب ويطلب من الكاتب ان يشاركه قيمة الطباعة، لأن الكتب عادة ما تكسد ولا سوق لها، وهو سوف يشاركك المغامرة التي هي خاسرة خاسرة. ولكن ما يأخذه من الكاتب كمشاركة في النشر هو في الواقع مبلغ يساوي تكلفة النشر مضافا إليها بعض الأرباح القليلة المدفوعة مقدما. وقابلت مثل هذا الناشر في القاهرة في 2005، وهو دار نشر مصرية معروفة وينشر بها بعض الأدباء السودانيين الذين سبقونا في الحرفة. اعجبته المجموعة القصصية، وهي كانت امرأة من كمبو كديس. وقال لي: دعنا نتفق، تعطيني 800 دولار، وأنا اقوم بطباعة الكتاب وأعطيك منه علي سبيل الهدية مائة نسخة توزعها للأصدقاء وهذا هو الاتفاق الذي يوقع عليه كل زملائك الذين نشرت لهم من قبل. قلت له: وبقية الكتب؟ قال لي وحاول ان يظهر في دور القديس الشهيد: اصلا الكتب سوقها ضعيف والناس لا تشتري الكتب في هذه الأيام، وعندي منها الآلاف في المخازن. فشكرته علي كرمة الفياض وقلت له: للأسف انا لا اقبل ان اعطيك كتابي ونقودا مقابل نشره وان اترك لك 900 نسخه منه، لست كريما لهذه الدرجة.

2-                      والناشر الآخر يشرح لك باستفاضة انه لا يستطيع ان يعطيك اي شيء مقابل ان ينشر كتابك ولا يطلب منك مالا ولكنه سيعطيك بعض النسخ الإكرامية بعد النشر- ويظل بعض الناشرين- يطبع من كتابك الآلاف ويبيع في كل معارض الدنيا، وأنت لا تربح مليما واحدا، وعليك ان تشكره بين الفينة والأخرى لأنه تكرم عليك بالنشر او بمعني آخر أراحك من هم كتابك، فالذين لديهم كتب غير منشورة يعرفون انها تبقي مثل الجُرح الذي يتعفن في صمت بعيدا عن الهواء.

3-                     ناشر مثالي. وهو يقوم بعمل عقد بينه والكاتب تترتب عليه حقوق الكاتب والتزاماته. بالإضافة الي عدد النسخ التي يتم طباعتها ونسبة العائد من ثمن الغلاف للكاتب، وقليل من الناشرين الذين يلتزمون بتلك العقود فيما بعد، ولو انه لا يطلب مقابلا ماديا من الناشر، وقد تنص تلك العقود ان يدفع الناشر للكاتب عند توقيع العقد مبلغا متفقا عليه.

4-                     هنالك ايضا الناشر الالكتروني، في المواقع الإسفيرية، بعضها لا يدفع شيئا للكاتب، بعضها قد لا يستشيره في النشر، والبعض يدفع مالا سخيا مثل القنوات الفضائية والمواقع الفنية والأدبية المتخصصة.

5-                     الحال في النشر بالجرائد والصحف والمجلات الدورية وغيرها معظمها لا تدفع لك شيئا.

وبعضها ينظر للأدب مثل الفضلات لا تُباع، انما يُشكر من ساعدك على التخلص منها. وللحق هنالك بعض الناشرين الذين لهم طرائق أخرى، ولو أنهم قلة، قد يجد الكاتب منهم بصيص فائدة ما، ولو ان كثيرا من الناشرين في السودان ومصر ايضا، ليست لديهم هيئة تحرير أو لجنة قراءة ولا حتى مصممين خاصين بدار النشر، مما يجعل الكتاب المنشور دون المواصفات العالمية حتى ولو بذل الكاتب والناشر قصارى جهدهما في تجويده، يظل الكتاب معاقا وبه من العيوب الكثير. فحسن النوايا وحده لا ينتج كتابا جميلا.

6-                     الناشر الشبح ذلك الأسوأ. وهو الذي يسطر علي سوق الكتاب في الخرطوم وكثير من العواصم العربية، وهو قرصان الكتب، المزور الذي ينشر ورقيا واسفيريا بدون اية حقوق للكاتب او الناشر ولا للمنشور ايضا. يقوم بنشر المادة بحيث لا تكلفه إلا اليسير جدا من المال. المهم ان يكون هنالك حبر علي ورق ابيض وعنوان واضح واسم مؤلف. وهو يزور بدأ من المصحف الشريف لكتاب الحصن الحصين مرورا بأيام سُدوم المائة والعشرين لدو ساد، وهو الرابح الأول والأخير، لآنه لا يتعامل إلا مع الكتب ذات المبيعات العالية جدا.


ويعلم القارئ، انه ليس بالسودان الى لحظة كتابة هذا الشيء، اية مجلة ادبية دورية منتظمة او صحيفة مختصة بنشر الأدب، خاصة كانت أم حكومية، كلها مبادرات تبدأ شجاعة ومتفائلة وتنتهي حزينة في اضابير النسيان. وانه ليست هنالك وزارة ثقافة بالمعني المعروف، توجد وزارة تسمى وزارة الثقافة والشباب والرياضة، وأعلن احد وزرائها في صحيفة ما انه “لا يشترط على وزير الثقافة ان يتعاطى الثقافة، اي ان يكون مثقفا” بالتالى تهتم هذه الوزارات بكرة القدم، ومع ان الحال في مجال الكرة ليس بأحسن منه في مجال الأدب إلا ان بالسودان حاليا ما لا يقل عن عشرين صحيفة يومية مختصة بكرة القدم، والمفارقة المضحكة المبكية توجد بالبرازيل تلك الدولة ذات التاريخ الحقيقي في كرة القدم، صحيفة رياضية واحدة فقط؟. بعض الكُتّاب – شخصي واحد منهم- ندعي العبقرية في التحايل على محنة النشر، فالناشر الذي كان يقوم  بنشر أعمالي فيما بين 2000 الي 2010 هو مكتبة الشريف الأكاديمية، لصاحبها متوكل الشريف. لدي اتفاق غريب معه، وهوان يعطيني 30% من الكتب التي يقوم بطباعتها، على أن أوزعها بطريقتي الخاصة ولا ادفع له شيئا مقابل ذلك. وكنت اقوم  بتوزيع الكتب التي احصل عليها منه بنفسي في مدن وقرى السودان وقد استفدت كثيرا من تجارب السفر والشوف. والتقيت بقراء وأصبحوا اصدقاء حميمين فيما بعد. كنت اترك الكتب لصاحب المكتبة احيانا الي ان يقوم ببيعها ثم عن طريق التلفون نتفق علي التعامل مع ريعها، والذي دائما ما يكون قليلا.

ومحنة النشر خارج السودان بالمجلات والصحف الرصينة التي تدفع مقابل مادي عن النشر، مثل مجلة العربي والدوحة وغيرها. محنة شائكة، لدي تجربة وقد خاضها قبلي استاذي مبارك الصادق، وهي ان مجلة العربي ترسل شيكا مسحوبا على البنك الباركليز، وفي السودان لا يوجد مثل هذا البنك، بل محرم تماما التعامل مع البنوك الأمريكية وتوجد قائمة سوداء لأخرى. ولقلة المبلغ فانك لا تستطيع ان تقوم بمحاولات اخرى تجعلك تتحصل على قيمته، لأن تكلفة صرفه أكبر من قيمته، لذا احتفظ الآن بشيكات مجلة العربي باليورو داخل شنطتي وقد انتهت مدة صلاحيتها. وهنالك جوانب مشرقة وتجارب جميلة ايضا، وهنالك ناشرون يحترمون كلمتهم وعقودهم ويتحملون فوق ذلك كله الخسائر التي تنجم عن مصادرة الكتب التي ينشرونها لكتاب لا تطيقهم انظمة الرقابات البوليسية في كثير من الدول الشمولية مثل السودان.