الصراع بين قبيلتي التعايشة والسلامات بمحلية رهيد البردي في عام 2012م شرعت حكومة الخرطوم في تقسيم دارفور إلى خمس ولايات بدلاً عن ثلاث:

(1) شمال دارفور وعاصمتها الفاشر، (2) غرب دارفور وعاضمتها الجنينة، (3) شرق دارفور وعاصمتها الضعين، (4) وسط دارفور وعاصمتها زالنجي، (5) جنوب دارفور وعاصمتها نيالا. تتلخص الضرورات التي استدعت هذا الوضع الجديد أن المجموعات العربية التي تكرس وجودها وهيمنتها بفضل سياسات حكومة الخرطوم قد شرعت في التنافس المرير على الموارد بإقليم دارفور. فما أن تمكنت الحجومة من كسر شوكة القبائل الأفريقية حتى واجهها شبح اقتتال المجموعات العربية فيما بينها، وهي نفسها المجموعات العربية التي مكنتها الحكومة من السيطرة الكاملة على الإقليم. اتبعت الحكومة خطتين في هذا الصدد، الأولى نفس خطتها القديمة القائمة على مبدأ “فرق، تسُد” التي مارستها على القبائل الأفريقية من قبل للحيلولة دون توحدها. وقد استخدت هذه الخطة في إضعاف المجموعات المتنافسة بحعلها تحارب بعضها بعضاً إل  أن يتم إنهاك الفريقين أما الثانية فهي موالاة المجموعة التي تخرج من هذا الصراع بوصفها الأقوى ضد المجموعة الأضعف. فمثلاً في منطقة جبل عامر بشمال دارفور تم تسليح مجموعة بني حسين العربية بالسلاح لمواجهة قبيلة المحاميد العربية ذات الأصل التشادي. وقد نشب الصراع عندما أعلنت الحكومة عن اكتشاف الذهب بجبل عامر الأمر الذي دفع كل واحدة من القبيلتين إلى العمل على احتكار التنقيب الأهلي العشوئي بالجبل. كما تم تحريك صراعات قديمة بين قبيلتي المعاليا والرزيقات (حاكورة الضعين) حول الأرض بحكم أن المعاليا يعيشون داخل دار الرزيقات. في إطار هذه النزعات التي تقوم بهندستها حكومة الخرطوم تفجر الصراع بين عرب السلامات التشادية من جانب وقبيلة التعايشة من الجانب الآخر. وقد كان هذا الصراع هو الأول في سلسلة النزاعات العربية ـــ العربية بدارفور. وتلاحظ أن القاعدة فيه تذهب بتقوية القبيلة العربية ذات الأصل السوداني على القبيلة العربية ذات الأصل غير السوداني (مثل سلامات) أو ذات الأصل الزدوج، كأن يكون نصفها سوداني والنصف الآخر غير سوداني (مثل عرب المحاميد الذي يعود غالبيتهم إلى أصول تشادية).

كعادة الصراع الإثني في الكثير من أحواله، تكون هناك جهة تحارب بالوكالة إما بتنسيق تام أو لمجرد استشعارها بأن ما ستقوم به سيجد الدعم من الجهة النافذة. ففي مارس 2013م قام أحد أفراد قبيلة المسيرية العربية (ذات الأصل الكردفاني وليس الدارفوري وتعتبر ثاني أكبر مجموعة عربية بعد السلامات) بمنطقة أبو جرادل بعمل كمين لأحد التجار من قبيلة السلامات بعد أن غادر محله في السوق الأسبوعية مستقلاً دراجته النارية ومحتقباً ما كسبه في ذلك اليوم. قام المسيري بتسديد ثلاث طلقات برشاشه الكلاشنيكوف فأصاب السلاماتي في فخذه الأمر الذي جعله يقع أرضاً. من ثم قام المسيري بأخذ أموال التاجر السلاماتي وامتطى دراجته النارية وتوجه إلى مضارب فريقه. من جانبهم، قام رجال السلامات بتتبع مصدر صوت الرصاص إلى أن عثروا على صاحبهم مصاباً، ومن ثم قاموا بتتبع آثار الدراجة النارية التي قادتهم إلى فريق المسيرية إلى أن وصلوا إلى منزل بعينه فوجدوا فيه الدراجة وبجانبها المسيري الذي اغتنمها. كان السلامات مدججي السلاح كعادتهم، فلم يكن في مقدور المسيرية أن يفعلوا شيئاً فسمحوا لرجال السلامات بأخذ الرجل الذي اعتدى على التاجر. توجه السلامات بالرجل المسيري إلى الشرطة التي رفضت استلامه خشية ردة فعل المسيرية الذين وإن كانوا أقل عدداً وسلاحاً من السلامات إلا أنهم يفوقون الشرطة عدداً وسلاحاً. عندها لم يجد السلامات بداً من التوجه إلى القوات المشتركة (السودانية ـــ التشادية) التي ظلت تعسكر في المنطقة منذ عام 2010م بموجب الاتفاقية التي توصل لها الجانبان في أعقاب دخول القوات التشادية المتمردة إلى العاصمة إنجمينا في عام 2006م بدعم من حكومة الخرطوم وما أعقب ذلك من دخول قوات حركة العدل والمساواة السودانية إلى العاصمة الخرطوم بدعم مباشر من حكومة إنجمينا، وبالتالي معاودة متمردي تشاد الكرة في 2009م بدعم من الخرطوم.  قامت هذه القوات المشتركة بالتحفظ على المسيري السارق وكذلك على المعروضات بالرغم من أنها ليست جهة قضائية أو عدلية.

شعر المسيرية، وهي القبيلة العربية السودانية المتحالفة مع قبيلة التعايشة العربية السودانية، بالمرارة إزاء ما فعلته بهم قبيلة أجنبية، غير سودانية. فقد شعروا أن السلامات الأجانب قد قاموا بدور الشرطة وذلك بإلقاء القبض على المسيري في ظل رفض الشرطة السودانية أن تقوم بذلك. كما نظروا إلى اقتلاع السلامات لابنهم من بين ظهرانيهم وتسليمه للقوات الأجنبية (يقصدون القوة التشادية العاملة بالقوات المشتركة) بوصفه عملاً فيه انتهاك لسيادة السودان وإلغاء لوجودهم كسودانيين داخل وطنهم. ففي نظرهم كان وجود القوات التشادية لحماية السلامات التشاديين، هذا بينما عجزت القوات السودانية والبوليس السوداني عن حماية السودانيين. وكانوا يعتقدون أن القوات التشادية سوف تقوم بمحاكمة ابنهم بما أنها احتجزته واحتجزت معه المعروضات، وبالتالي فإن المحاكمة لن تكون عادلة كون القاضي فيها تشادي يدافع عن تشاديين في مواجهة سودانيين داخل الأراضي السودانية. عليه، قام المسيرية باستنفار لجميع قوتهم، مهيبين بالتعايشة الوقوف معهم بوصفهم حلفاء.

هب التعايشة لنصرة حلفائهم المسيرية وهم يستبطنون النية لاستئصال شأفة قبيلة السلامات التشادية وطردها من أراضيها. فقد نجم أدت سيطرة السلامات لمنطقة أبو جرادل بحكم منحهم النظارة فيها إلى حرمان المسيرية من أحد أهم مواردهم المالية (الضرائب على القطعان والمكوس والزكاة إلخ). هذا بجانب حرمان التعايشة من منطقة عرفت بخصوبة أراضيها ووفرة مياهها. وقد تعقدت الأمور برواج شائعات مفادها أن التعايشة هم الذين حرضوا المسيرية للهجوم على السلامات. وكانت حجتهم في ذلك أنه لو كانت هناك قبيلة تستحق أن تكون لها نظارة في منطقة أبو جرادل فهي قبيلة المسيرية بحكم سودانيتها وليس قبيلة السلامات التشادية. وهكذا تنادى المسيرية لنصرة حلفائهم التعايشة في الظاهر بينما هم بيتون النية على إجلاء السلامات (الأجانب) من دار التعايشة. فقد أصبح التعايشة يخضون تزايد هجرات السلامات من تشاد إلى منطقة أبو جرادل، واضعين في الاعتبار كبر حجمهم العددي بوطنهم الأصلي وقدراتهم العسكرية الكبيرة ثم ثروتهم الطائلة من الجمال. كما بدأوا يخشون من سياسات حكومة الخرطوم الرامية إلى تكريس الوجود العربي التشادي بدارفور. ولكن أكثر ما أقلقهم التزايد المضطرد لأعداد السلامات بحاضرة التعايشة، رهيد البردي. فقد شعروا أن ما حاق بقبائل “الزُّرقة” (أي القبائل ذات الأصل الأفريقي) يمكن أن يحيق بهم فيصبحوا يوماً ليجدوا أنفسهم مطرودين من ديارهم ويعيشون في معسكرات اللاجئين. وبما أن التعايشة قد شاركوا السلامات وباقي المجموعات العربية في الهجوم على مجموعات “الزُّرقة” فقد كانوا أكثر الناس إدراكاً لما يمكن أن يؤول إليه أمرهم إذا ما أصبحوا هدفاً لقوات الجنجويد السلاماتية. فذ هذا لم يكن عرب التعايشة يؤملون كثيراً على حكومة الخرطوم لعدة أسباب، منها ضعفها العسكري والإداري ثم تقلب مواقفها غير المبدئية. وقد كان من بين ما شجعهم في الهجوم على السلامات، ضعف رد فعل المسئولين الحكوميين الاتحاديين والإقليميين عندما رفعوا إليهم احتجاجاتهم وتهديداتهم التي تضمنت التوعد بمهاجمة السلامات إذا ما وافقت السلطات على منحهم نظارة بمنطقة أبو جرادل. بل أكثر من ذلك (بحسبما نقل التعايشة)، علق أحد الوزراء الاتحاديين على تهديداتهم بقوله لهم: “تعالوا إلينا إذا احتجتم إلى سلاح”.

هكذا شرعت قبيلة التعايشة في تدوير حرب بالوكالة عن حكومة الخرطوم. وقد لعب المسيرية بمنطقة أبو جرادل ورهيد البردي دور مخلب القط في هذه الحرب. فقد قام المسيرية بتنظيم مليشيات صغيرة بدأت في مهاجمة فرقان وقطعان السلامات. كان أول هجوم لهذه المليشيات ذات التكوين المسيري التعايشي في يومي 28-29 مارس 2013م حيث قامت بحرق 5-6 قرى للسلامات وقتل حوالي 45-47 فرداً من السلامات. في أثناء ذلك ، لاحظ السلامات أن الهجوم عليهم يتم بعربات تويوتا لانكروزر بيك أب Pick Up مزودة بمدافع دوشكا وعليها رجال يرتدون الزي العسكري المعروف بلقب “أبو طيرة” (زي تمويهي camouflage خاص بقوات الاحتياطي المركزي ويقودها علي كوشيب المطلوب من قبل محكمة الجنايات الدولية). كما تمكن السلامات من أسر أحد المهاجمين وهو بهذا الزي فاتضح أنه أحد عُمد التعايشة بمنطقة أم دُخُن، وقد مات متأثراً بجراحه بعد حوالي 5 ساعات من وقوعه في الأسر.

كشف هذا الأمر للسلامات أن الهجوم عليهم تقوم به الحكومة عبر التعايشة وما دور المسيرية إلا هامشي وغير رئيسي. شرع السلامات في التحضير لمواجهة الموقف باعتبارهم سيواجهون قوات الحكومة السودانية (أو شق متنفذ منها على أقل تقدير). وقد أولوا اهتمامهم أول شيء لسحب السلامات السمتقرين بمنطقة رهيد البردي وما جاورها من مناطق دار التعايشة. وقد ركزوا على التحصن بمنطقة أبو جرادل التي أصبحت حاضرةً لهم بعد منحهم بها النظارة. إلا أن المشكلة كانت في كبر مساحة منطقة أبو جرادل نفسها بالإضافة إلى حقيقة أن المسيرية (مخلب القط) يعيشون معهم في نفس المنطقة متوزعين هنا وهناك. وبالفعل شملت هجمات المسيرية (بالجمال والأحصنة) مواقع دَمُر السلامات، أي مظاعنهم، فنهبو أعداداً كبيرة من الأبقار. كما بدا واضحاً أن المسيرية يستدرجون السلامات إلى حرب داخل رهيد البردي بغية جر التعايشة إليها.

استمر القتال بين المسيرية والسلامات لأكثر من أسبوع (28 مارس إلى 6 أبريل 2013م) دون أن تحرك الحكومة المركزية أو الإقليمية ساكناً. وقد كان ذلك بمثابة فضيحة للحكومة. إذ لاذت بالصمت بينما كانت قواتها ممثلة في الاحتياطي المركزي تفتح النيران على السلامات. وقد رصدت قوات اليونيميد UNIMID وبعض المنظمات الطوعية NGOs (على قلتها) أعداداً كبيرة من النساء والأطفال وهي تغز السير للخروج من رهيد البردي في اتجاه أبو جرادل ونيالا وتُهَم وزالنجي. في يوم 6 أبريل 2013م قامت الحكومة بإرسال نائب والي جنوب دارفور، عبد الكريم موسى عبد الكريم (من الفور بينما تربى وعاش حياته في منطقة سكر كنانة على النيل الأبيض)، في محاولة لذر الرماد في العيون. وقد ثار في وجهه التعايشة حتى كادوا أن يفتكوا به، فنعتوه بأقبح النعوت والأوصاف (إنت فوراوي نجس وكضّاب).

في يوم 7 أبريل 2013م، قام نائب والي جنوب دارفور باستدعاء 8 من الشخصيات البارزة من السلامات المقيمين برهيد البردي وكان ضمنهم مدير مرحلة الأساس الذي كان على علاقة طيبة بجميع المنظمات الأجنبية بحكم إجادته للغة الإنكليزية. في ذلك الاجتماع صارحهم نائب الوالي أنه لا يستطيع أن يدفع عنهم أي هجوم في حال قرر علي كوشيب مهاجمتهم بقوات الاحتياطي المركزي التابعة له أو إذا حاول المسيرية مهاجمتهم بقوات الدفاع الشعبي التابعة لها. وقد نصحهم بأن يتوجهوا إلى أي منطقة تقع خارج رهيد البردي وخارج أبو جرادل. بهذا تعامل نائب والي جنوب دارفور مع منطقة أبو جرادل على أنها تتبع عملياً إلى ولاية غرب دارفور، الأمر الذي يعني ضمناً تأمينه على وقوع المنطقة تحت نفوذ التعايشة. هكذا نجح المسيرية في استدراج السلامات إلى رهيد البردي حيث تجددت الاشتباكات بقيادة قوات علي كوشيب الذي كشف بطريقة سافرة عن ضلوع التعايشة برغم المساعي الحميدة التي كان يقودها ناظرها. في يوم 8 أبريل 2013م تمكن المسيرية من اجتياح أبو جرادل وحرق وحدتها الإدارية بالكامل، وتواصل هجومهم حتى اليوم التالي. وقد بلغت حصيلة الهجوم في هذه الفترة ما يفوق 80 قتيلاً أغلبهم من السلامات. وقد دفع هذا بالسلامات إلى الهجوم على رهيد البردي يوم 13 أبريل 2013م الأمر الذي وسع دائرة الحرب لتصبح بصورة معلنة ما بين التعايشة وحلفائهم المسيرية من جانب والسلامات من جانب آخر.

تواصلت جهود الإدارة الأهلية في سبيل نزع فتيل الأزمة. فقد استمرت الاجتماعات منذ الأسبوع الأول من أبريل من قبل ممثلين عن الأطراف المتنازعة. فمن جانب التعايشة كان هناك الناظر عبد الرحمن بشارة الذي انطلقت أجاويده من حاضرته رهيد البردي. من جانب السلامات، كان هناك الناظر محمد البشير موسى الذي انطلقت أجاويده ومناشداته للتهدئة من حاضرته أبو جرادل. بينما مثل المسيرية عمدتهم يوسف إسحق النور بالمنطقة. أما على المستوى الرسمي فقد جرت المفاوضات بعد ذلك في المجلس التشريعي بولاية جنوب دارفور حيث مثل التعايشة النائب حماد الحسين بينما مثل السلامات النائب موسى البشير موسى. وبالفعل تمكنت أطراف التفاوض في يوم 12 أبريل 2013م من التوصل لاتفاق بموجبه يتم وقف جميع أشكال العدائيات والاشتباكات مع العمل الجاد لتعويض المتضررين. تنفس أهالي أم دُخن الصعداء. فقد كانت هناك قوات يقرب عددها من 5 آلاف مقاتل (تشمل الجانبين) على أهبة الاستعداد للقتال. كما كانت هناك قوات أخرى بجانب هذا تقف مراقبةً الوضع دون أن تكون لديها أي نية في المشاركة بالقتال. هذه القوات (تسمى “الكسّيبة” وهو مصطلح جنجويدي يعني التكسب من الحرب بالنهب والسلب أو بغيره) هي التي تقوم بأمر النهب وسرقة الممتلكات الخاصة والعامة وخاصةً الأسواق أثناء القتال الجاري. إلا أن ذلك الاتفاق سوف يقوم علي كوشيب (المطلوب من قبل محكمة الجنايات الدولية لاتهامه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية بدارفور) قام بنسفه في نفس يوم إعلانه.

في نفس يوم الخميس الموافق يوم 12 أبريل 2013م، أي يوم السوق الأسبوعي برهيد البردي، وبعد الفراغ من ساعات البيع والشراء، أي والتجار يقفلون محالهم، لاحظ الناس وجوداً مكثفاً لقوات الاحتياطي المركزي التي يقودها علي كوشيب. تساءل الناس عن سبب هذه الحشود العسكرية معروفة الهوية. في حوالي الساعة الخامسة مساءً، بعد أن أقفرت السوق من روادها وأقفلت الدكاكين، تعرض خمسة تجار من السلامات معروفون بالنسبة لجميع أهالي رهيد البردي لكمين بالناحية الغربية للسوق حيث فُتحت عليهم نيران الأسلحة الرشاشة، فمات منهم إثنان في الحال وأصيب الثالث بجروع بليغة. وقد أفاد أحد المسعفين من مجموعة أطباء بلا حدود إلى أن أحد المصابين ذكر له أنهم لم يكن يتوقعون بالمرة مثل هذا الهجوم. وقد كان في رأيهما أن ذلك الهجوم مجرد نهب مسلح وليس عملاً منظماً.

من جانبهم قام السلامات بسحب موتاهم وجرحاهم بعيداً انتظاراً للفجر في سبيل مواراتهم الثرى. فدفن الموتى لم يكن يتم ليلاً نسبةً لانعدام الأمن. في اليوم صباح التالي (الجمعة 13/4/2013م) وفي حوالي الساعة 8 صباحاً تجمع السلامات في كل منطقة رهيد البردي لدفن قتلاهم وكان عددهم في المقابر ما بين 80-100 شخص. اثناء إجراءات الدفن، لاحظ السلامات أنهم مطوقون من جميع الجهات بقوات عسكرية كثيفة تتبع للاحتياطي المركزي (أبو طيرة). قبل الفراغ من إجراءات الدفن، وبدون سابق إنذار، شرعت هذه القوات في إطلاق النار على تجمع السلامات الذين لجأوا إلى الاحتماء بكتل وأكوام المقابر. وقد بدأ السلامات في إجراء اتصالات تلفونية مكثفة مع قواتهم لنجدتهم ولحمايتهم ريثما يفرغوا من إجراءات التشييع والدفن. في ذلك الهجوم، توفي على الفور حوالي 6 أشخاص من السلامات بينما جُرح أضعاف هذا العدد. وبالفعل توافدت قوات من السلامات مدججة بالسلام تبلغ حوالي 20-30 جندي فتبادلوا مع قوات أبو طيرة الحكومية النيران بينما كان باقي السلامات يواصلون دفن قتلاهم بالأمس وأولئك الذين قتلوا قبل لحظات.

بمجرد الفراغ من الدفن، تلاحظ أن جميع الدكاكين التابعة للسلامات وكذلك أحياءهم الثلاثة بمدينة رهيد البردي قد تعرضت للنهب والسرقة. فالأحياء لم يكن بها وقتئذٍ غير النساء والأطفال لانشغال الرجال بمعركة المقابر. وقد دفع هذا بالسلامات إلى مغادرة رهيد البردي عصر ذلك اليوم حيث عسكروا خارجها تحميهم مليشياتهم المدججة بالسلاح. فالسلامات لم يكن في مقدورهم بعدد قواتهم المحدود ذلك أن يتوجهوا إلى حاضرتهم أبو جرادل. إذ كان ذلك يحتم عليهم المرور بأحياء المسيرية الذين كان يقعدون لهم بمرصد.

في يوم 7 يوليو تعرض علي كوشيب لمحاولة اغتيال كادت أن تودي بحياته. فقد توجه في صبيحة ذلك اليوم إلى المنطقة الصناعية بنيالا لإصلاح سيارته التي كانت قد تعرضت لإطلاق نار في الهجوم الذي قام به الجنجويد ضد مقر جهز الأمن بالمدينة. أثناء إصلاح سيارته، بدأ كوشيب في التجول في السوق يرافقه إثنان من حرسه. وقد لاحظ الناس ان هناك شخصاً ثالثاً بكامل سلاحه يتبعهم فظنوه ضمن الحرس. إلا أنه لم يكن كذلك. ففي لحظة قام هذا الشخص بفتح النار على علي كوشيب فأصابه في كتفيه كما قام بفتح النار على حارسيه ليردي أحدهما في الحال بينما أصيب الثالث بجروح خطيرة. بعد هذا قام ذلك الشخص بإطلاق ساقيه للريح، إلا أنه وقع في قبضة الرجال الذي تبعوه. أُخذ علي كوشيب للمستشفى على عجل ليتم ترحيله إلى الخرطوم حيث تلقى العلاج اللازم. تكشف لاحقاً أن الشخص الذي فتح فيه النار ينتمي إلى قبيلة السلامات التشادية. وقد فعل ذلك انتقاماً من علي كوشيب لدوره في قيادة المسيرية والتعايشة لشن الحرب ضد السلامات.

 

حكومة الخرطوم وصناعة الحرب

تقرير عن حروب الوكالة بدارفور

 (الحلقة الرابعة)

الهجوم على بنك التضامن بمدينة نيالا ونهب أموال اليونيمد

من بين قادة الجنجويد ذائعي الصيت، يبرز اسم محمد عبدالله شرارة الملقب بدكروم بوصفه أشهر الذين عملوا بوضوح وبدون مواربة على تجاوز سلطات الحكومة السودانية ممثلة في الحكومات الإقليمية بدارفور وفي القوات المسلحة والأمن والشرطة. ينتمي دكروم، أحد أكبر قادة الجنجويد بدارفور، إلى قبيلة الرزيقات (أولاد جنوب)، أي قبيلة الرزيقات السودانية وتعود أصولها إلى رزيقات الضعين (البقارة) بجنوب دارفور، إلا أنها نزحت إلى شمال دارفور حيث استبدلت البقر بالإبل وهذا ما قربها إلى الرزيقات الأبالة، أي تلك التي تربي الإبل مثل المحاميد والماهرية. بجانب الدور المنوط بقوات الجنجويد في ترويع وحرق القرى وتقتيل الأهالي من الهويات الأفريقية (الفور والمساليت تحديداً) بغرض إرغامها على مغادرة قراها لإحلال المجموعات العربية القادمة من خارج الحدود (تشاد، النيجر، ومالي بصورة أساسية)، أوكلت حكومة الخرطوم لدكروم مهمة أخرى لا تقل خطراً من الأولى. استغلت الأجهزة الأمنية السياسية دكروم في توجيه ضربات تأديبية للمجتمع الدولي باستهداف الأجانب (الأوربيين منهم خاصةً) المنتسبين للمنظمات الدولية العاملة بدارفور، أكان ذلك باختطافهم أو باستهداف مواكبهم ومقارهم بفتح النار عليها بغرض الترويع ثم بغرض الاستيلاء غير المشروع للمركبات والمعدات. ويعتبر دكروم المسئول الأول عن جميع عمليات الخطف والقتل التي تعرض لها منسوبو المنظمات الدولية، بما في ذلك عمليات النهب التي طالت آلياتهم ومعداتهم.

في بداية يوم 4/5/2012م قام دكروم عبر مجموعة مختارة من أتباعه بالتنسيق وتنفيذ الهجوم على بنك التضامن بنيالا وسرقة ما يقرب من نصف مليون دولار. كانت هذه الأموال محولة من الخرطوم من رئاسة البعثة الأممية والأفريقية لدارفورالمختصرة باسم اليونيميد UNIMID (United Nations & African Mission in Darfur) إلى حساب قواتها العاملة على حفظ السلام بدارفور. وقد تم الهجوم على موظفي البنك وهم يغادرون المصرف في اتجاههم لموقع البعثة الأممية بعربتين لاندكروزر. ألقت الحكومة القبض على 7 من المشاركين في عملية الهجوم والسرقة وفتحت ضدهم بلاغات (نمرة 18/50/2012م)، وبدأت معهم إجراءات التحقيق إلى أن اكتملت ضدهم الإجراءات بتقديمهم إلى المحاكمة. بمجرد القبض على جنوده، قام دكروم بتسجيل زيارة إلى القوات الأمنية ينيالا مطالباً بإطلاق سراح جنوده. لدى رفض قوات الأمن الانصياع لأوامره، قام بتهديدهم قائلاً بأنه سوف يقوم بإطلاق سراحهم بالقوة.

كان مقرراً للمحكمة أن تعقد جلسة النطق بالحكم في حق المتهمين في يوم 22/12/2012م. وكان من بين أشهر المتهمين كلٌّ من:

1.إبراهيم سليمان آدم محمد          2. محمد التيجاني عيسى

3.يعقوب الحاج التوم                  4. تيجاني قُجّة عقرب

وكان المتهمون قد أدينوا بموجب قانون مكافحة الإرهاب تحت المادة 5 (تقويض النظام العام) والمادة 6 (إثارة الحرب ضد الدولة).

في نفس يوم النطق بالحكم، جاء دكروم إلى مقر المحكمة ومعه قوة تتكون من 12 عربة رباعية الدفع مدججة بالسلام ومدافع الدوشكا. أمام أعين قوات البوليس والأمن والجيش، دخل دكروم إلى المحكمة وانتزع المتهمين وهم يمثلون أمام القاضي (ياسر بخيت وهو من الخرطوم) الذي لم يحرك ساكناً. ثم زاد في إذلاله للحكومة بأن قام دكروم بنفسه بجلد القاضي أمام الجمهور أربعين جلدة (حد التعدي والاجتراء على أسياده الجنجويد حسبما نقل شهود عيان). حدث كل هذا والقوات النظامية عاجزة عن أن تحمي النظام أو القاضي المسكين (نُقل إلى الخرطوم وقد نشط هناك بدوره في جلد الفتيات والنساء اللائي لا يقمن بغطاء رؤوسهن). من ثم خرج دكروم وهو محاط بجنوده المدججين بالسلام وهو يصطحب المتهمين وسط التهليل والتكبير (حسبما جرت به العادة في ظل نظام الإنقاذ) ثم إطلاق النيران فرحةً وابتهاجاً. حدث هذا والحامية العسكرية للجيش السوداني تقع خلف مباني المحكمة مباشرةً، إلا أنها تصرفت وكأن الأمر لا يعنيها في شيء.

أطلق هذا الحادث بما ينطوي عليه من اجتراء وتحدي سافر للحكومة يد قوات دكروم خاصةً وجميع قوات الجنجويد عامةً حيث لم تصادفها سانحة للتقليل من هيبة الحكومة (الإقليمية والاتحادية معاً) ونهب المال العام والخاص، إلا واهتبلتها. وقد راعت قوات الجنجويد المختلفة في هذا مكانة بعضها البعض من حيث التسليح والعدد والعتاد. فكلما كبر عدد القوة وزاد حجم تسليحها، كلما تمادت في هجومها على قوات وممتلكات الحكومة. فبينما عمدت قوات حرس الحدود (الأفضل تسليحاً) على مهاجمة الأطواف الحكومية الرسمية غير مكترثة لأعلام السيادة التي ترفرف عليها، قامت قوات شرطة الظعن (الأقل تسليحاً) بتكثيف نقاط تفتيشها داخل وخارج الأحياء والقرى استهدافاً للعربات الحكومية التي كانت تطالبها بدفع إتاوات عالية مقابل تسريحها، وبدورها قامت قوات الدفاع الشعبي (الأضعف تسليحاً) بابتزاز أطواف الوفود الحكومية التي تحرسها لتجزل لها العطاء بوعد التفاني في الدفاع عنها. وقد نظرت جميع قوات الجنجويد إلى نهب الممتلكات الخاصة وإلحاق الأضرار الجسيمة بها على أنها مجرد أضرار جانبية ليست هي المقصودة في ذاتها. فقد تجاوزت قوات الجنجويد مراعاة الأملاك الخاصة زهيدة الثمن إلى أملاك الحكومة عالية الثمن. وقد كان نصيب قوات دكروم في هذه الهجمات المنظمة على ممتلكات الحكومة هو الأعلى نسبةً إلى أنها هي التي أطلقت يد الفوضى من عقالها. وقد بلغ بها الاجتراء حد أن قامت قوات دكروم بالهجوم على قافلة حكومية ونهب عدد 4 عربات رباعية الدفع تتبع إحداها لمعتمد محلية نِتّيقة. تبعاً لهذه الفوضى، بلغ تدهور الأمن درجة غير مسبوقة. فقد ظلت الحكومة، بشقيها المدني والعسكري، لأول مرة تعيش في رعب وخوف دائمين بالضبط كما ظل مواطنو دارفور يعيشون لأكثر من 15 عاماً.

 

ملابسات وتداعيات مقتل القائد دكروم

أثارت هذه الانتهاكات حفيظة السلطات في الخرطوم، فما كان منها إلا أن انتدبت عدداً من ضباط الأمن الذين لا علاقة لهم بدارفور من حيث الخلفية الإثنية والمعرفة الفنية بالوضع المعقد للعمل هناك بغرض وضع حد لهذه الفوضى. جاء هؤلاء وهم لا يحملون أي ود أو احترام لإقليم في حجم دولة فرنسا. فهم جميعاً ينتمون لنفس عقلية المركز التي قامت بهندسة الحرب الأهلية في هذا الإقليم المنكوب. جاء هؤلاء إلى دارفور وهم مسلحون بنفس العنجهية التي جُبل عليها نظام الإنقاذ في الشمال إزاء سلمية المعارضة به. فهم لم يكونوا على وعي بطبيعة تسليح القبائل العربية ولا بنتائج هذا التسليح الوخيمة من حيث شعور هذه القبائل التي قدم أغلبها من خارج الحدود بهوان الوضع في السودان حكومةً وشعباً. لذا كان من الطبيعي أن ينظر أهل دارفور (السودانيون منهم والقادمون من خارج الحدود) إلى ضباط الأمن هؤلاء بوصفهم أجانب ولا يمثلون أي شيء خلاف حكومة الخرطوم التي تسببت لهم في جميع هذه المشاكل والأزمات.

قامت خطة القوات الأمنية على استهداف دكروم مبيتةً النية على قتله تأديباً لباقي قوات الجنجويد. فقد رأت أنها بقتله سوف تخيف باقي قادة الجنجويد من أن يقوموا بأي انتهاكات. شرعت القوات الأمنية في تتبع حركات دكروم الذي ظل بدوره يتنقل من مكان لآخر باستمرار بحكم طبيعة قيادته لقوات الجنجويد التي نشطت في السرقة والنهب وقطع الطريق. فقد بلغ به الغرور حداً لم يعد معه يشعر بقدرة الحكومة على إلحاق الأذى به حتى لو أرادت. في الساعة 10:30 من مساء الأربعاء 3/7/2013م دخل دكروم بعربته ذات الدفع الرباعي حي السكة حديد بنيالا يقوده سائقه وحرسه حيث اكترع له عدة “عبّارات” من المريسة (البيرة البلدية بالسودان) ومن ثم جاء خارجاً. وهو يعبر “مزلقان” قضيب السكة حديد، اعترضه طوف يتكون من قوات الأمن والجيش والاستخبارات العسكرية والشرطة. هنا كان ينبغي لدكروم (وكذلك لأي شخص آخر من المواطنين) أن يوقف سيارته ريثما يمر الطوف الأمني. إلا أن دكروم، مدفوعاً بانتفاخ ذاته وإحساسه بأنه فوق القانون، قام بعبور “مزلقان” السكة حديد بسرعة مستبقاً الطوف الأمني دون أن يتوقف. في عبوره تعرف عليه نقيب بجهاز الأمن، فقام بتنبيه إدارة الطوف الذي أسرع خلف دكروم وقام بإيقافه. عندما أوقف دكروم عربته، أمره النقيب أمن بالنزول من السيارة، فتحداه دكروم قائلاً باستنكار واستخفاف: “إنت بتسوَى شنو؟ أنا قدّام وزير داخليتك ما بمشي، خلّيك منّك إنت”، ثم رفع بندقيته ليضرب النقيب أمن، فما كان من أحد أفرد الطوف الأمني الشاهرين لسلاحهم إلا أن قام بفتح النار على دكروم فأرداه قتيلاً.

هناك رواية أخرى تحكي أن الذي دل قوات الأمن والجيش والشرطة على تحركات دكروم كان هو علي كوشيب (المطلوب من قبل محكمة الجنايات الدولية بلاهاي). كما تحكي نفس المصادرعن أن علي كوشيب نفسه قد شارك في إطلاق النار على دكروم. وقد تكشفت الأيام اللحقة لمقتل دكروم عن حقيقة تدعم هذه الأخبار. فقد كانت العربة التي يقودها قد تعرضت بالفعل للنيران في حادثة مقتل دكروم. إلا أن قوات دكروم لم تشك في علي كوشيب الذي سارع بتقديم التعازي في مقتل دكروم في صبيحة أول يوم للوفاة وقد استقبله أهل وجنود دكروم بترحاب إعزازاً منهم لخطوته هذه.

قام حرس دكروم برفع جثته في عربته ومن ثم توجه بها للمستشفى ومنها مباشرةً إلى حيهم المسمى “الفلّوجة” بعد أن تيقنوا من موته. هناك قاموا بتعبئة قواتهم واتجهوا أولاً إلى منزل النقيب أمن واتخذوا مواقع استحكامية إلى حين عودته من ورديته الليلية. مع تباشير الفجر عاد النقيب أمن ليجد تلك القوة من الجنجويد في انتظاره حيث فتحت عليه النار وأردته قتيلاً في لحظته. وقد أعقبت مقتله استباحة تامة لمدينة نيالا ليومين متتاليين. ولم تهدأ الأوضاع إلا في اليوم الخامس بعد أن قام وزير الدفاع الفريق عبد الرحيم محمد حسين بزيارة سرية لم يعلن عنها لإرضاء قوات الجنجويد بنيالا. أخيراً قبلت قوات الجنجويد بتهدئة الأوضاع والانسحاب إلى قواعدها بعد أن دفع لهم وزير الدفاع مبلغ 4 مليون جنيه (أي ما يساوي 4 مليارات بالعملة القديمة) في شكل دية لمقتل دكروم. هذا بينما لم تقم الحكومة بدفع ضابط الأمن الذي قتلته قوات دكروم دع عنك ديات المواطنين الأبرياء الذين قُتلوا أو حتى تعويضهم في ممتلكاتهم التي انتهبتها قوات الجنجويد في استباحتها للمدينة.

بمجرد خروجها من نيالا قامت قوات الجنجويد التابعة للقائد المقتول دكروم بتنفيذ واحدة من أسوأ المقاتل التي تعرضت لها القوات الدولية منذ حادثة ضرب القوات الأفريقية بحسكنيتة (1/10/2007) التي اتهمت فيها محكمة الجنيات الدولية بعض قيادات حركات دارفور. فقد اتهمت المحكمة الدولية كلاً من بحر أبو قردة (وزير الصحة الاتحادي حالياً، ثم برأته) ومحمد صالح جربو (الذي قتلته حركة العدل المساواة في يوم 19/4/2013م) الذين اشنقا على حركة ىالعدل والمساواة. قامت قوات الجنجويد التابعة لدكروم بعمل كمين لقوات يونيميد الأفريقية بمكان اسمه “جَرُف” يقع بين نِتّيقة ومنواشي على الجنوب الغربي من الفاشر، تحديداً في “خور أبَّشِّي”. كان قوام تلك القوة الأفريقية يتكون من جنود تنزانيين، فقتل منهم على الفور 7 جنود بينما جُرح حوال 17 جندي. ومع كل هذا، لم تحرك الحكومة السودانية ساكناً. وقد قصد من تلك العملية تنبيه الحكومة السودانية إلى ما كانت قوات دكروم تقوم بعمله سابقاً وبتخطيط من حكومة الخرطوم من حيث استهداف القوات الدولية.