نبيل أديب أثار حجم وسهولة الإعتداء الذي قام به موظفان في مكتب الوالي على المال العام، كثيراً من التساؤلات حول القوانين التي تحمي المال العام،

وسنحاول هنا قراءة الدروس التي يمكن أن نخرج بها من ذلك .

أول ما كشفت عنه تلك الأحداث هو أن قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه، ليس فقط قانون يفتقد الفاعلية، بل هو في الواقع قانون يشجع على الإعتداء على المال العام. كان تعليل السيد كبير المستشارين الذي رأس لجنة التحقيق لأسئلة الصحفيين حول لماذا يُسمح لمن قام بإعتداء على المال العام بهذا الحجم أن يرد المال دون أن يتعرض لأي عقاب، هو أن قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه يجيز التحلل قبل توجيه الإتهام، وهذا صحيح فيما يتعلق بالدعوى الجنائية المقامة بالنسبة لمخالفة قانون مكافحة الثراء الحرام، ويشكل ذلك أحد مثالب ذلك القانون العديدة، وقد إزداد الأمر سوءً حين عُدِلت تلك المادة لتجيز التحلل قبل توجيه الإتهام، بعد أن كان ذلك جائز فقط قبل فتح الدعوى الجنائية، لمنح مرتكب الجريمة فرصة أكبر للتحلل، لأن فتح الدعوى الجنائية يسبق التحري في حين أن توجيه التهمة يعقبه. وهذا يقودنا الى النظر في ذلك القانون وعلى ضرورة تطبيقيه على ما تم في مكتب الوالي. قانون مكافحة الثراء الحرام هو قانون يبدو أنه يعاقب على الحصول على مال يشكل ثراءً حراماً أو مشبوهاً ، أو رفض تقديم إقرار الذمة، أو إيراد أي بيانات في إقرار الذمة يعلم مقدمها أنها كاذبة، أو ناقصة، ومسألة إقرارات الذمة تخرج عن موضوعنا لأنها ليست من إختصاصات لجنة التحقيق، كما وأن المتهمين غير خاضعين لأحكامها. إذاً فعن أي ثراء كانت تبحث اللجنة؟

الثراء الحرام

الثراء الحرام وفق تعريف المادة (6) م  يُقصد به كل مال يتم الحصول عليه بأيٍ من الطرق الآتية:

 ( أ ) من المال العام بدون عوض أو بغبن فاحش أو بالمخالفة لأحكام القوانين أو القرارات التي تضبط سلوك العمل في الوظيفة العامة.

(ب) إستغلال سلطة الوظيفة العامة، أو نفوذها بوجه ينحرف بها عن الأغراض المشروعة و المصالح العامة.

(ج) الهدية المقدرة التي لا يقبلها العرف أو الوجدان السليم أو القرض لأي موظف عام من جانب أي شخص له أي مصلحة مرتبطة بالوظيفة العامة أو ممن يتعاملون معها.

(د) نتيجة لمعاملات ربوية بكافة صورها أو معاملات وهمية أو صورية تخالف الأصول الشرعية للمعاملات “

لايبدو أن هنالك ما يدعو للظن بأن الموظفين في مكتب الوالي قد حصلا على مال يشكل ثراءً حراماً وفق الصور الأربعة التي ذكرتها المادة، فليس هنالك معاملات ربوية، ولا قبول لهدية، ولا إستغلال لسلطة الوظيفة العامة، أو نفوذها، إذ لا سلطة لهما أصلاً على المال الذي حصلا عليه. أن كل ماقام به الموظفان في مكتب الوالي هي أفعال لو صحت نسبتها إليهما تقع تحت طائلة القانون بإعتبارها جرائم احتيال وتزوير وانتحال شخصية. والمال المتحصل عليه نتيجة  تلك الجرائم هو مال مسروق وفقاً لأحكام المادة 181 من القانون الجنائي، وليس  ثراءً حراماً وفق قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه.

 ومما ذكره المستشار حول تبريره لإستخدام هذا القانون بصعوبة إثبات التهمة بإستخدام القانون الجنائي يبدو أنه أنه قصد الثراء المشبوه لأنه لا صعوبة في إثبات الثراء الحرام.

الثراء المشبوه وإفتراض البراءة

 عرّف قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه، الثراء المشبوه في المادة (7) بقوله “يُقصد بالثراء المشبوه كل مال يطرأ على أي شخص و لا يستطيع بيان أي وجه مشروع لاكتسابه” وهو تعريف يبدو على وجهه عدم الدستورية، حين يتطلب أن يثبت الإنسان براءته، لأنه يجعل عبء الإثبات على المتهم، مما يخالف المبدأ الدستوري المبني على إفتراض البراءة، وهو مبدأ أساسي لا تساهل فيه بالنسبة للحق في المحاكمة العادلة. لو كان القانون القانون يهدف لمعاقبة الشخص إذا فشل في إثبات مصدر مشروع لثروته لكان مخالف للدستور، ولا جدال في ذلك، ولكن واقع الأمر هو أن هذا ليس ما يعيب المادة المذكورة، بل يعيبها أنها مجرد لغو لا قيمة له. فما هي نتيجة فشل الشخص في إثبات مصدر مشروع لثروته ؟ الإجابة لاشي، إذ أنه لايوجد عقاب على ذلك في القانون، صحيح أن المادة 14 من قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه تنص على أنه “يجوز للمحكمة أن تحجز على المال موضوع الثراء الحرام و المشبوه و يجب عليها أن تأمر بمصادرته لمصلحة الحكومة عند الإدانة أو ثبوت الثراء المشبوه بحسب الحال”. إلا أن ذلك الحكم هو أيضاً لغو لا قيمة له. المادة هنا تشير إلى إجراء وعقوبة، و تجيز تطبيقهما على الثراء الحرام والمشبوه على السواء. ولكن نظرة فاحصة للأمر توضح أنه لا يمكن تطبيق الإجراء، ولا العقوبة، في حالة الثراء المشبوه. ولنبدأ بالحجز، الحجز هو إجراء تحفظي ينتهي بإنتهاء المحاكمة، وبالتالي فإنه إذا لم يكن هنالك دعوى لايوجد حجز. وإذا كانت هنالك دعوى لا تؤثر نتيجتها على المال، لا يجوز توقيع الحجز، لأن الغرض ينتفي من توقيعه. إذاً فلكي يجوز للمحكمة أن توقع الحجز إبتداءً، فإنه يجب أن يكون لها سلطة مصادرته عند إصدارها حكم في الدعوى.  والسؤال هنا متى يجوز للمحكمة أن توقع المصادرة على المال المشبوه؟ في حين أن المادة توجب مصادرة المال موضوع الثراء الحرام عند الإدانة، فهي تجيز للمحكمة مصادرة الثراء المشبوه لمجرد ثبوت الثراء المشبوه، ولا تشترط الإدانة لذلك. وهذا الحكم يبدو معه أن سلطة المحكمة في مصادرة الثراء المشبوه أكبر من سلطتها في مصادرة الثراء الحرام، ولكن المحكمة في واقع الأمر لا سلطة لها على الإطلاق فيما يتعلق بالثراء المشبوه. وذلك لأنه لا يتصور في الأساس أن هذا الموضوع سيكون لها إختصاص بنظره وذلك بسبب طبيعة الإجراءات المطلوب أن يُثبت فيها أن المال المطلوب مصادرته يشكل ثراءً مشبوهاً.

طبيعة الإجراءات الخاصة بمصادرة الثراء المشبوه

المؤكد هو أن الإجراءات الخاصة بالشكاوي المتعلقة بمخالفة قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه، هي إجراءات جنائية، فهي تبدأ لدى الجهات التي تبدأ فيها إجراءات الدعوى الجنائية. فالمادة 8 من القانون تنص على ” يجوز لأي شخص أن يقدم الشكوى إلى الإدارة أو النائب العام أو أي قاضٍ أو الضابط المسئول عن نقطة الشرطة بأن أي شخص بعينه، قد أثرى ثراءً حراماً أو مشبوهاً.” وتنص الفقرة 2 من نفس المادة على أنه “إذا تم تقديم الشكوى المنصوص عليها في البند(1) إلى النائب العام أو أي قاضٍ أو الضابط المسئول عن نقطة الشرطة فيجب عليه هو أن يحيلها إلى الإدارة.” والإدارة تمارس سلطات النائب العام المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م التي يفوضها هو في ممارستها أثناء توليها التحقيق في الشكاوى المتعلقة بالثراء الحرام أو المشبوه المقدمة من أي شخص إما إليها رأساً أو المحالة إليها من جانب النائب العام أو أي قاضي أو الضابط المسئول عن نقطة الشرطة م 5 من نفس القانون. إذا كانت الإجراءات هي إجراءات جنائية فكيف يمكن أن تتولى المحكمة الجنائية نظر دعوى خاصة بثراء مشبوه؟

على عكس الدعاوي المدنية التي تُقدم مباشرة للمحكمة المختصة التي تنظرها، تبدأ الدعوى الجنائية لدى النيابة العمومية وهي التي تقوم بفتحها، ويتم التحري بواسطتها أوتحت إشرافها بواسطة الشرطة، وهي التي تقوم بتوجيه التهمة، ومن ثم إحالة الدعوى الى المحكمة. المحكمة الجنائية لا تنظر إلا الدعاوي التي تحيلها لها النيابة. إ ذا كان الحال كذلك فإن الدعوى الجنائية المتعلقة بالثراء المشبوه يجب أن يتم فتحها بواسطة النيابة ليتم التحري فيها، ثم تُوجه التهمة للمشبوه فيه، و تُحال الى المحكمة. بالنسبة لقانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه، فإن سلطة النيابة تتولاها اللجنة، أو من تفوضه، وبالتالي فاللجنة أو من تفوضه يقوم بالإجراء اللازم ويوجه التهمة، فإذا كان التحقيق متعلق بثراء مشبوه، وفشل المتهم في إثبات مصدر الثراء موضوع التحقيق، فأي تهمة يمكن أن توجهها له النيابة؟ للإجابة على ذلك لابد من أن نحدد ما هو المقصود من التهمة. التهمة حسب المادة (5) من قانون الإجراءات الجنائية هي الإدعاء بإرتكاب جريمة، والجريمة هي الفعل المعاقب عليه. وهو دستورياً وحسب أصول القانون الجنائي هو فعل معاقب عليه بموجب مادة معينة في القانون. يتم توجيه التهمة بالإشارة لتلك المادة التي تعاقب على الفعل، فأي مادة تقوم النيابة بتوجيه التهمة بموجبها النيابة إذا لم تكن هنالك مادة أصلاً تعاقب على الثراء المشبوه؟ قد يقول قائل هنالك عقوبة جنائية وهي العزل من الوظيفة العامة ولكن هذا يقتصر على حالة الثراء الحرام أما الثراء المشبوه فهو يسمح فقط بالفصل من الوظيفة، وهذه ليست عقوبة، ليس فقط لأنها إنهاء لعقد مدني، ولكن أيضاً لأن القانون حين أجاز الفصل لم يشترط حكما قضائيا بها، كما ولم يشترط الإدانة، بل فقط ثبوت الثراء المشبوه، ولا عقوبة جنائية بدون إدانة بمقتضى حكم قضائي.

الثراء المشبوه يستحيل إثباته أمام أي محكمة

 إذا لم تكن هنالك تهمة فلن تكون هنالك محاكمة، وبالتالي فإن الثراء المشبوه يستحيل إثباته أمام أي محكمة لأن المحكمة الجنائية لا تنعقد إلا لمحاكمة الأفعال المعاقب عليها، والتي تحال لها من النيابة لتهمة محددة. وبالتالي فإن الإشارة بمصادرة المال المشبوه هي مجرد خدعة تصويرية من قبيل الخدع التي يستخدمها المخرجون للإيهام بوقوع حدث لم يقع في أرض الواقع. والخدعة تصويرية قصد منها الإيهام بحرص المشرع على حماية المال العام، ومن تولى صياغة القانون يعلم المطلوب منه، ولذلك فالمادة لا تشير للإدانة كسبب للمصادرة كما تفعل مع الثراء الحرام، وإنما تتطلب فقط ثبوت أن الثراء المشبوه، المحاكم الجنائية ليست منتديات عامة يتاح فيها إثبات ما ترغب للجنة في إثباته. المحكمة الجنائية يا سادة لا تثبت أمامها الإدعاءات التي لا تستند على إدعاء بإرتكاب جريمة بموجب مادة تعاقب على الفعل، ولما كان ذلك غير متوفر بالنسبة للثراء المشبوه فإن أحكام الثراء المشبوه كلها لا تعدو أن تكون حشواً لا أثر له. وهذا يعني أن قانون قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه،يعالج الثراء الحرام بإستعادة المال عن طريق إتاحة الإفلات من العقاب، ولا علاج له على الأطلاق للثراء المشبوه.

 

خلل مؤسسي

ما رشح في المؤتمر الصحفي للسيد رئيس لجنة التحقيق، يحكي عن جرائم عادية إرتكبها موظفان ليس بصفتهما الوظيفية، بل بانتحالهما، لصفة شخص آخر، وممارسة الاحتيال علي آخرين بتلك الصفة المُنتحلة للحصول علي مزايا وأموال لا صلة لها بوظيفتيهما ولا بشخص الوالي. ولكن المسألة لا تتعلق هنا فقط بعقاب موظفين إنتحلا شخصية الوالي وقاما بتزوير توقيعه والحصول علي كل هذه الاموال. الأهم من ذلك هو ما يثيره من تساؤل وهو إذا كان الوالي هو بالفعل كاتب هذه الخطابات، هل كان سيحصل علي تلك الاموال ؟ بمعني آخر هل للوالي سلطة تخصيص أراضي لمن يشاء؟ هل هنالك قانون يتيح له التدخل في توزيع الاراضي داخل الولاية، ويقرر فيها كما يشاء ؟  إذا كان هنالك قانون يمنح هذه السلطة فتلك مصيبة، وإذا لم يكن هنالك قانون يمنح تلك السلطة فالمصيبة أعظم، إذ كيف يمكن لموظفين في مكتب الوالي أن يحصلا علي أراضي وعربات، بإنتحال شخصية من لا يستطيع الحصول علي تلك الأراضي والعربات ؟ ألا يكشف ذلك عن خلل مؤسسي، وهو أن الجهاز التنفيذي أصبح لا يتوقع من الحكام أن يتقيدوا بالقوانين، و لا يشترط لتنفيذ تعليماتهم أن تكون مشروعة وفق القوانين التي تحكم عملهم. ويزداد الخلل خطورة إذا ظهر أن هذا الفهم المختل قد تسلل إلى الأجهزة العدلية نفسها، وإلا فلماذا توقف التحقيق هنا، ولماذا لم تتم مساءلة هؤلاء الذين قاموا بتخصيص هذا الكم من الأراضي لصالح أفراد، لمجرد أن هنالك خطاب من الوالي يطلب منهم ذلك، ثم كيف تم التحصل على العربات التي تمت إعادتها عن طريق التحلل؟ وهل من سلطة الوالي أن يمنح عربات حكومية لأشخاص؟ أو حتى يبيعها لهم؟ وكيف حصل الموظفان على مبلغ (2مليون جنيه نقداً )؟ وهل يستطيع الوالي نفسه أن يصرف هذا المبلغ بالمخالفة للقوانين واللوائح؟ حسناً فعل وزير العدل حين أمر بفتح البلاغات ضد الموظفين بموجب القانون الجنائي، وهذا ما كنا نطالب به، ولكن المسألة لا تقف عند هذا الحد لأنها مسألة في المقام الأول تتصل بما كشفت عنه المسألة من إفتقاد أجهزة الدولة لذهنية الحكم الراشد، والتي تقوم على إحترام القوانين وعلى أن طاعة الرئيس ليست مبرراً لمخالفة القانون. لقد كنا نعلم أن المحتالين وجدوا في الخلل الكبير في الإطار القانوني العقابي، بما حمله من توسع في التجريم، وما شمله من أحكام غامضة تفتقد المعقولية، ما ساعدهم في الإيقاع بضحاياهم بإنتحال شخصية رجل الشرطة، وغالباً النظام العام، أو رجال الأمن، ثم إتهام الضحية بأنه متورط في مخالفة ما، ومن ثم يتم إبتزازه لسداد مبلغ من المال حتى يخرج من هذه الورطة. وقد وجد المحتالون في القانون ضالتهم لفرط غموضه وإفتقاد أحكامه للمعقولية، وإستخدموه لإرهاب الفتيات و إبتزازهن مسبغلين خشيتهن ليس فقط من العقوبة القانونية، بل أيضاً لما يصاحبها من وصمة إجتماعية، حتى أصبحن يخشين الشرطة أكثر مما يخشين المجرمين. ولكننا نعلم الآن أن الخشية من سطوة الدولة لم تقف عند الفتيات، بل تعدتهن إلى الرسميين من الموظفين العموميين،  لأن المحتالين قد صعدوا نشاطهم لينالوا غنيمة أكبر مستغلين هنا ليس الخلل في القانون، بل الخلل المؤسسي الذي أسقط هيبة القانون لصالح سطوة الدولة، فلم يعد موظفو الدولة يراجعون مشروعية ما يصدره لهم رؤساؤهم من تعليمات. الخلل هنا الذي تسلل منه المحتالون ليس في القانون ولكن في إحترامه، لأن مشروعية القرار أصبح يحددها المنصب وليس القانون.  حين تصبح هيبة الدولة هي سطوة الحاكم، وحين تصبح إرادة الحاكم مصدر مشروعية القرارات، فإن هذا مكمن الداء الذي يحتاج للدواء .