بابكر فيصل بابكر * يدور هذه الأيام لغطٌ كبير حول موضوع السُّلم التعليمي الجديد الذي أجيز مؤخراً بدلاً عن الآخر القائم منذ بداية تسعينيات القرن الماضي.

ويوجدُ إتفاق عام بين المُختصِّين والمواطنين بصفة عامة بأنَّ مستوى التعليم قبل الجامعي قد تدهور بصورة مُريعة, ليس فقط بسبب مشكلة السُّلم التعليمي ولكن أيضاً لسوء المناهج.

ولا تقتصرُ مشكلة المنهج على مُخرجاتهِ الهزيلة في فروع العلوم الطبيعية أو الإجتماعية المُختلفة, ولكن في خطورة تأثيره على التكوين الفكري للطلاب و نظرتهم نحو موضوعات مهمة ذات دلالات مؤثرة على قضايا أساسية مثل الوطنية والدولة المدنيَّة وحقوق المواطنين والتعايش السلمي المشترك.

وفي هذا الإطار فإنَّ “منهج التربية الإسلاميَّة” الذي يُدرَّس حالياً يحتوي على موضوعات تتعارض مع  دستور البلاد, ولا تتماشى مع روح العصر, وتضعف من الإنتماء الوطني, وتشوِّش على المفاهيم المُرتبطة بأنظمة الحكم الحديثة.

وسأحاول في السُّطور التالية عرض ومناقشة بعض الأمثلة الواردة في المنهج حول هذه القضايا.

جاء في صفحة (69) من كتاب “الدراسات الاسلامية”  للصف الثاني الثانوي تحت عنوان “شروط تولي القضاء” ما يلي : “لا يلي القضاء من يطلبهُ حرصاً عليه إلا من توافر فيه الشروط التالية : الاسلام : فلا يجوز أن يلي قضاء المسلمين والدولة المسلمة غير المُسلم“.

كما جاء في نفس الكتاب صفحة (71) تحت عنوان : “كيفية التعامل مع الدولة القائمة على المواطنة” ما يلي:

“ولغير المسلمين في الدولة بحكم المواطنة المشاركة في الأمور كلها التي لا تخص المسلمين فقط كالولاية العامة لأنها تفرض على المسلمين أن يلتزموا بأحكام الشرع في المسؤولية العامة, ولا شك أنه من مصلحة غير المسلمين أن يكون التعامل على عقد يقوم على الدين فإنَّ ذلك أدعى لإنصافهم”.

هذه الأمثلة تناقض نصوصاً أساسية وردت في دستوري السودان اللذين حكمت بهما البلاد منذ مجىء الإنقاذ. فبينما يحرمُ المنهج “غير المسلم” من تولي القضاء, فإنَّ الدستور ينادي بعدم التمييز الديني في الوظائف والولاية العامة.

تنصُّ المادة  ( 21) من دستور 1998 على أنَّ “جميع الناس متساوون أمام القضاء ، والسودانيون متساوون في الحقوق والواجبات في وظائف الحياة العامة ، ولا يجوز التمييز فقط بسبب العنصر أو الجنس أو الملة الدينية ، وهم متساوون في الأهلية للوظيفة والولاية العامة ولا يتمايزون بالمال”. إنتهى

وكذلك ينصُّ دستور السودان لعام 2005 في مادته السابعة على أن : “تكون المواطنة أساس الحقوق المتساوية والواجبات لكل السودانيين”. إنتهى

أمّا فيما يختص بأهلية الترشح لمنصب رئيس الجمهورية فإنَّ المادة (37) من دستور 1998 تنص على أنه يشترط أن يكون المرشح للمنصب “سودانياً, سليم العقل, بالغاَ من العمر أربعين سنة, لم تسبق إدانته منذ سبع سنوات في جريمة تمس الشرف أو الأمانة”. إنتهى

وتنصُّ المادة (53) من دستور 2005 على انّه “يجب أن تتوفر فى المرشح لمنصب رئيس الجمهورية الشروط التالية : (أ) أن يكون سودانياً بالميلاد, (ب) أن يكون سليم العقل (ج) ألا يقل عمره عن أربعين عاماً (د) أن يكون ملماً بالقراءة والكتابة (ه) ألا يكون قد أدين في جريمة تتعلق بالأمانة أو الفساد الأخلاقي”.

إنَّ هذه الأمثلة المأخوذة من منهج التربية الإسلامية المُعتمد من قبل “وزارة التربية والتعليم” تُناقض جذرياً نصوص دستور السودان, فبينما ينصُّ الدستور على المساواة الكاملة بين المواطنين في تولي “الوظيفة العامة” فإنَّ المنهج يزرعُ في عقول الطلاب أنَّ تولي “القضاء” يجب أن يقتصر على المسلمين فقط.

وبينما لا يشترط الدستور أن يكون رئيس الدولة مسلماً فإنّ المنهج يمنع غير المسلم من الولاية العامة.

وكما هو معلوم فإنَّ السودان بلدٌ مُتعدِّد الأديان (حتى بعد انفصال الجنوب) إذ يوجد به مسيحيون أقباط وآخرون في جبال النوبة, كما يُوجد به لا دينيون, وبالتالي فإنَّ هذا المنهج لا يُخالف الدستور فحسب, بل يخالف واقع السُّودان الذي يتميِّز بالتعدد الديني.

ليس هذا فحسب بل إنَّ المنهج يدعو لأن تنبني علاقة المواطنين في الدولة على “عقد يقوم على الدين”, أى أنه يدعو “لدولة دينية” تكونُ السيادة فيها للمسلمين بينما يتمُّ التعامل مع أصحاب الأديان الأخرى كأهل ذمة.

وهو الأمر الذي تم ذكره بوضوح في صفحة (170) من كتاب “الدراسات الإسلاميَّة” للصف الأول الثانوي تحت عنوان “الحرية الشخصية وضمان الكرامة” حيث يقول : “والحرية الشخصية لغير المسلم مضمونة لأنَّ القاعدة التي قررها الفقهاء هى : “لهم ما لنا وعليهم ما علينا” وأنهم (كما يقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه) “إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا. والحق أنَّ غير المسلم ظفر بقسط كبير جداً من رعاية الشريعة وحماية الدولة. ففي الحديث “من آذى ذمياً فأنا خصمه, ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة”.

إنَّ إطلاق مُصطلح “ذمِّى” على المسيحيين يعني أنَّ “المواطنة” ليست هى أساس الحقوق والواجبات في الدولة, وإنما هم يعيشون في كنف المسلمين, والتسلسل المنطقي لهذا الفهم يُوجب أن يدفع المسيحيون “الجزية” حتى يضمنوا العيش بسلام داخل الدولة.

إنَّ الخطورة الحقيقية لتضمين هذه المفاهيم في المنهج الدراسي تكمن في أنَّها ترِّسخ لدى الطلاب الأساس الذي يجعلهُم يتقبلون تطبيقها في أرض الواقع وهو الأمر الذي يضرب في الصميم التعايش السلمي المشترك.

إنَّ آخر ما يحتاجُ إليه السودان هو قيام “دولة دينية”, وانقسام المجتمع على أساس الديِّن ونفي المواطنة المتساوية, ذلك أنه سيصنعُ أوضاعاً شبيهة بتلك التي سادت في أفغانستان أبَّان حكم الطالبان, وكذلك ما يقوم به فرع تنظيم القاعدة المعروف باسم الدولة الإسلاميَّة في العراق والشام “داعش” في سوريا.

قامت “داعش” في فبراير الماضي بفرض “الجزية” على المسيحيين في محافظة الرقة شرقي سوريا  مقابل إعطائهم الأمان والتزامهم “بأحكام الذمة”, وقد نصَّ “عهد الأمان” الذي فرضتهُ الحركة عليهم أن يلتزم “النصارى” بدفع الجزية على كل ذكرٍ منهم ومقدارها 4 دنانير من الذهب أي ما يعادل 17 غراماً سنوياً،على أهل الغنى ونصف ذلك على الفقراء منهم, وأعطى إمكانية دفعها على قسطين.

إنَّ التناقض الجذري بين ما يُدرَّس في منهج التربية الإسلاميَّة وما يقول به الدستور في موضوعات “المواطنة” والعلاقة بغير المسلمين في الدولة يخلق حالة من الإزدواجيَّة و “الانفصام” في شخصية الطالب.

فمن ناحية, ستتشكلُ لدى ذلك الطالب قناعات بأنَّ الإسلام يُحتَّم عليه المطالبة “بعقد ديني” يربط بينه وبين غير المسلم داخل الوطن, ومن ناحيةٍ أخرى فإنَّ الدستور يُطالبهُ بالتعامل مع شركاء الوطن من غير المسلمين كمواطنين من الدرجة الأولى لهم نفس الحقوق التي يتمتع بها وعليهم ذات الواجبات التي يقوم بها.

نواصل …….

boulkea@gmail.com *