معرض الدفعة 67 / الفنون التشكلية بكلية الفنون    (الجزء الأول) بقلم: عبدالغني كرم الله        هؤلاء الطلاب، والطالبات، كأنهم يتحركون بضوء الذاكرة الصباحية، في ذلك المساء، الطرقات مظلمة، الممرات دامسة في جامعة السودان، أشكال معمارية متداخلة، كلها تمثل نموذجا حيا للقبح، في بلد أوسع من قارة،

تتكاثر المباني الحديثة في الفسحات القديمة التي خلقت من أجل الجمال والتنفس والرؤية، كدت أهوى على وجهي، متعثرا من حفرة، ومرة أخرى من منزلق، وليس درج، تيلي ماتش مجانية، ولكن الحمد لله، وصلت سالما، بعد مغامرة، تحتاج لحذاء سحري، مثل حذاء أليوتا الغالي، يقودك بأمان إلى حيث تريد، ولكن من أي متجر في البلاد يشترى هذا الحذاء؟ والناس حفاة، وعلى مدى رحلتي، داخل الجامعة، حتى وصلت “سالما”، لم أسمع ضحكة تنبع من القلب، أو فرح بالحياة والتحصيل، بل حزن تتنفسه الشجيرات، وتبثه الممرات، والأبواب الحديدية المتهالكة، والشعارات الدينية الكاذبة، ألف لافتة وشعار غريب، لألف طائفة (ويل لأمة تكثر فيها المذاهب والطوائف، وتخلو من الدين) كما قال جبران، فماذا جرى للسعادة في بلادي (وهي غاية الحياة)، ليس للحياة غاية، بكل طاقتها، وحلمها (سوى السعادة في القلوب).

        كنت في طريقي لمعرض الفنون، أكثر من عقد لم أرى الجامعة، لاشك عقلي يقارن بفطرته، بين هذه، وتلك التي كانت، جيوش من الطلاب، تمشي على عجل في الظلام، عيون القط تحسدهم، ولكن للذاكرة عيون، لا تنسى مواقع الزلل، ولكني كنت المسكين، الذي دخل غرفة مظلمة، ليبحث عن قطة سوداء (غير موجودة أصلا، كما يقال)، أنوار خافضة، خجولة، تكاد تخنقها الظلمة، وتستريح، أشجار تبدو كأنها شعر كائنات مسخ، النجيلة تبدو كأنها شوك دامس، كلها تدثرت بحجاب الظلام، أحسبه دينا كاذبا هو الآخر، يحجب الجمال عن العيون، ببركات الضوء.

       عند الباب، وأنا أدلف، كانت جيوش من الطلاب والطالبات، في طريقهم للسفر (لأحيائهم في المدينة القارة، لا تحب هذه الدولة الفراغ، لأنه يدعو للفكر والنور، فخيرا للطالب ان يستنفد طاقته، في “من، وإلى الجامعة”،)،  حتى الاعمى يرى عبوس الوجوه، الهموم والإنهاك بادية عليهم، رجل الشرطي، أظنه مقبل من صلاة، يراقب ظهر فتاة خارجة، لا أدري اعجابا، أم زجرا، ولكنها نظرة قوية، فضحته شاشة موبايل فتاة مرت به، سألني بصلف “ماشي وين؟”، قلت له افتتاح معرض الفنون الجميلة، مضى لغرفته الصغيرة، دون أن يقول لي “تفضل”، الجواب من عنوانه، غرقت في الظلام، وأنا في طريقي للنور الصامت، لوحات، ومنحوتات، وتصميم، وتلوين، أي أنوار الخواطر، وقد أستلتها الأنامل الماهرة، من القلب، للعرض.

       كنت أفرق، من بعيد، بين طلاب الكلية، هذه الكلية، وبقية الكليات، هناك براح ما، في قلوبهم، وفي الزي، تعرفهم بين ألف طالب وطالبة، في الضحكات العالية الحرة، أكثر من بقية الكليات، هناك طرح شفافة جدا، ملونة، تلقى على الكتف، لا على الرأس، وتظهر الخصلات، أو شعر ممشط، أو شعر كث لفتى، مع صدق فطري (أو مدعى)، في الجلوس كيفما اتفق في الأرض، أو على المقاعد، مع عيون متحدية، لسجن العرف، والعادة، مع نزوع للتفرد، فيه شاعرية الطفولة، حينا، وفيه حنين لبحث الذات، حينا، أو عبقرية ملت الذاكرة، كلها، وتحن لخيالها الأسمر (أن تكون نفسك).

       لكني هذه المرة لم ألاحظ فرقا يذكر، بين الزي، والسلوك، هل تقاربت؟ أزياء اولئك، وهولاء؟ ولم لا، ففي كل أنسان فنان، (الكميائي فنان، مثل الترزي، والنجاري)، أم برز الشرع الفقهي، وكتم أكثر الرئات توقا للحرية الفردية، من تنفس جمال الإختلاف؟ وهم اهل الفن، بل تجلياته، بل لا تفرز الفنانة من ضيوفها، عند افتتاح العرض، ولكن فلنحسن الظن، أن الازياء تقاربت، وأن الانفتاح على أزياء الكوكب، من خلال وسائل الاتصال، جعل العدوى بين الأجساد، في تبني زي يظهر جماليات الجسد، كريش حمام، صار سهلا، (أي مفصلتي جسدي على زيي)،  بل جارتك في كوريا، تلبس مثل جارتها في اندونسيا، ويوغندا، من خلال التلفاز، هذا من ناحية الزي.

       لكن روح التنظير، وجلبتها، التي تسمعها عند افتتاح صالات العرض، ومعها التحليل، والتأويل، لثيمات العرض، أو همس اللوحات (وخاصة التجريدية، والسوريالية)، لم يكن عاليا، قد يكون تواضع علماء، وثقوا في تذوقنا، (بيدي،  لابيدك)، أو حرية (ان تأول المفردة اللونية)، كما تري، فقد يخاطب المنظر، الناظر، بما لا يقال، من يعلم؟ ولكن ذلك الصخب، الذي كان سابقا، وتلك الكلمات  الفوكاوية، والبشلاروية، والتوسترية، والسريالية، لم تسمعها الأذن، أو يلحظها البصر، وكان اللغط الدائر، أثناء الإفتتاح، بين فلاشات الكاميرا، وزغاريدة الاهل، وكشكشة الحلى، فتحس بأنه عرس جماعي، أكثر من (ذات، ملولة)، تبحث عن التفرد (بالإدعاء، أو الأصالة)!.