الحلقة ( 9 ) ترجمة واستعراض وتحليل: د. زهير السراج  * بعد أن ثبت الخديوى محمد على باشا، الألبانى الجنسية، أركان حكمه فى الدولة المصرية بنوع من الاستقلالية والحكم الذاتى عن السلطان العثمانى فى تركيا، شرع فى تنفيذ أطماعه التوسعية وذلك بتوجيه جيوشه  لغزو السودان فى عام 1821 م

تحت قيادة ابنه الثالث اسماعيل كامل باشا الذى سار بمحاذاة نهر النيل غازيا السودان بدون عقبات تذكر ماعدا مقاومة قبيلة (الشايقية) وهى القبيلة السودانية الوحيدة التى فعلت ذلك، وبسبب ما اظهره فرسانها من شجاعة وبسالة فى الحرب استوعبهم فى جيشهم، وعندما أظهروا الولاء والإخلاص للحكم الجديد، بدأ نفوذهم يتمدد الى ممارسة نوع من السلطة على المواطنين الى ان صاروا أخيرا المكلفين بجبى الضرائب للحكم التركى المصرى فى السودان. 

* ويضيف اندرو ناتسيوس المبعوث الأمريكى السابق الى السودان ومؤلف كتاب (السودان، جنوب السودان ودارفور)، إن تلك كانت بداية سيطرة قبيلة الشايقية مع قبيلتى الجعلية والدناقلة على السلطة فى السودان والتى زادت بعد الاستقلال واستمرت حتى اليوم، والى قبيلة الشايقية ينتمى على عثمان محمد طه نائب الرئيس السابق الذى قاد وفد المفاوضات الحكومى مع الحركة الشعبية لتحرير السودان حتى توقيع اتفاقية السلام الشامل فى يناير عام 2005، بينما ينتمى الرئيس عمر البشير الى قبيلة الجعلية ( فى حقيقة الأمر فان والدة البشير هى التى تنتمى لقبيلة الجعلية بينما ينتمى والده الى قبيلة (البديرية الدهمشية) وبالتالى فان البشير وحسب الثقافة والتقاليد السودانية هو بديرى دهمشى وليس جعليا، المحرر)، ويقول ناتسيوس إن قبيلة الجعليين إختارت ألا تقاوم الغزو التركى وان تدين له بالولاء والطاعة، ثم كانت اول من تمرد عليه فيما بعد بسبب السياسات التعسفية للحكم والضرائب الباهظة، وقامت باحراق اسماعيل وكبار قادته أثناء نومهم ومن ثم اشتعلت شرارة الثورة على طول نهر النيل على المستعمر التركى المصرى، غير أن فرسان قبيلة الشايقية بقوا على ولائهم واخلاصهم للاتراك ولعبوا دورا كبيرا فى حمايتهم من حصار وهجمات الجعليين والقبائل الأخرى. 

* لم يسكت الخديوى محمد على باشا على حرق ابنه فأمر قائد جيشه فى غرب السودان وصهره الدفتردار باشا بالانتقام ، فتوجه الى وادى النيل وشن حربا لا هوادة فيها ضد الثوار قضى فيها ما يقل عن 30 الف شخص بينهم الكثير من الاطفال والعجزة واستبيحت ديار الجعليين فترة طويلة من الزمن شهدت الكثير من الفظائع والأهوال، وكانت النتيجة ان ظلت النخب السودانية القبلية فى حالة كمون طيلة ستين عاما بعد الحملة الانتقامية لم تتمرد فيها على الحكم التركى. 

* فى حقيقة الأمر، يقول ناتسيوس، إن الحكام الاتراك الذين بعثت بهم مصر فى سنوات ما بعد الغزو كانوا اعقل بكثير من سابقيهم وبذلوا مجهودات واضحة فى اعادة الاستقرار الى المزارعين الذين هجروا مناطق الزراعة بسبب الحرب، كما اتبعوا سياسات اقل تعسفا فى جبى الضرائب وكانوا يستمعون لرأى النخب القبلية فى مسائل الحكم، غير أن الإرث الذى تركوه لم يكن بناءا. صحيح انه اوجد نوعا من الاستقرار والنظام فى السودان، ولكن بثمن غال جدا ..!! 

* اولا، كان الاقتصاد يعتمد بشكل اساسى على نظام معقد جدا تأتى عائداته المالية من مصدرين اساسيين ذوى ربحية عالية هما تجارة الرقيق وتجارة العاج، وكانت ارقام الرقيق  تصل الى 30 الف شخص يُسترقون سنويا من جنوب السودان ويهجّرون الى مصر للعمل كجند فى الجيش، بينما يباع الاطفال والنساء كخدم، ولقد افرغت مناطق كاملة فى الجنوب من مواطنيها خلال القرن التاسع عشر نتيجة ذلك. فى الحقيقة ان تجارة الرقيق بدأت قبل ذلك بقرون حيث اعتاد التجار المصريون على اخذ الرقيق من مملكة الفونج، ولكن الفرق هو حجم التجارة الضخم خلال حقبة الحكم التركى المصرى. 

*  ثانيا، ركز الاتراك اهتمامهم على منطقة وادى النيل وأهملوا غيرها من المناطق والتى لم تكن تعنى لهم شيئا سوى كونها مصدرا للموارد الطبيعية، وبالتالى وضعوا اللبنة الأولى لممارسة التهميش على تلك المناطق والذى ظل مستمرا حتى بعد استقلال السودان وتسبب فى الكثير من المشاكل والصراعات والحروب ..!! 

* كما أدخل الاتراك خلال فترة وجودهم فى السودان الاسلام الرسمى الذى يتمثل فى شيوخ الأزهر والمعاهد الدينية الأخرى والذى جاء منه الاسلام السلفى الذى يسود منطقة وادى النيل حاليا وينتمى اليه الكثير من السودانيين المسلمين مثل الدكتور الترابى، ولقد ادى دخول الاسلام الرسمى الى حدوث توترات مستمرة لا تزال قائمة حتى اليوم مع الاسلام الصوفى الذى يسود فى المناطق الريفية، حيث كان الأزهريون وخلفاؤهم السلفيون ينظرون الى الاسلام الصوفى كنوع من انواع الفساد الدينى، وإذا نظرنا الى المشهد السياسى فى السودان اليوم نجد ان حزبين كبيرين من الاحزاب السياسية هما حزب الأمة الذى تسيطر عليه اسرة المهدى التى حاربت الاستعمار التركى المصرى، وحزب الاتحادى الذى تسيطر عليه اسرة الميرغنى التى تحتفظ بعلاقات حميمة مع مصر، لاكتشفنا انهما نتاج للانقسام الدينى فى السودان الذى بدأ مع دخول الأترك 

* غير ان الحكم التركى لم يكن كله سوءا، ففى اوائل ستينيات القرن التاسع عشر، أدخل اسماعيل باشا خديوى مصر صاحب الثقافة الغربية العديد من وسائل التكنولوجيا الحديثة الى السودان مثل السفن البخارية وخطوط السكة حديد والتلغراف والبريد والمدارس الحكومية، كما نجح بضغط من الحكومات الاوربية فى تحجيم تجارة الرقيق بشكل كبير، والتى ظلت تمارس على مستوى محدود حتى توقيع اتفاقية السلام فى عام 2005 التى اوقفت الحرب الأهلية بين شمال وجنوب السودان وعمليات الغزو بواسطة بعض القبائل الشمالية بغرض استرقاق المواطنين الجنوبيين 

* كانت جهود مناهضة الرق قد بدأت فى بريطانيا عام 1807على يد العضو البرلمانى (ويليام ويلبرفورث) الذى تقدم بمشروع قانون يمنع تجارة الرقيق فى الامبراطورية البريطانية وافق عليه البرلمان، ولكن ظل الرق نفسه ممارسا حتى صدر قانون آخر بمنعه وتجريمه فى عام 1833، وافتتح اول مكتب لمناهضة الرق فى السودان فى عام 1849 بواسطة الارسالة التبشيرية البروتستانتية البريطانية، ومن ثم بدأ اول عمل مؤسس لمناهضة الرق فى السودان وهو الأب الشرعى لمجهودات مناهضة الرق فى السودان وحماية مواطنى الجنوب ودارفور من مخاطر الحروب الأهلية التى بذلتها المنظمات التبشيرية المسيحية فيما بعد 

* رغم مجهودات الخديوى اسماعيل فى ادخال التكنولوجيا الى السودان الا ان اطماعه التوسعية ومحاولاته المستمرة لغزو مناطق جديدة فى السودان جنوبا وغربا آملا من ذلك الى توسيع التجارة مع الممالك الافريقية على طول نهر النيل فى مناطق النفوذ الاوربى، أدت الى انهاك الدولة المصرية اقتصاديا وأغضبت عليه الدول الاوربية، وزاد الطين بلة بالحميات والملاريا التى قضت على اعداد مقدرة من الجيوش فى منطقة السدود بجنوب السودان، بالاضافة الى مقاومة القبائل النيلية للغزو فأصدر السلطان العثمانى تحت الضغط الاوروبى قرارا بإقالة الخديوى اسماعيل فى عام 1879 وكانت تلك بداية النهاية للحكم التركى المصرى فى السودان الذى أخذ يضعف تدريجيا ويستخدم جنرالات بريطانيين لقيادة جيوشه فى السودان حتى قضت عليه جيوش الامام المهدى نهائيا وأخرجته من السودان فى عام 1885م.